المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحوث اللغة العربية


البندري
12-27-2005, 07:24 PM
احمد شوقي

المقدمة:-
كان الشعر العربي على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحا جديدة تبث فيه الحركة والحياة، وتعيد له الدماء في الأوصال، فتتورد وجنتاه نضرة وجمالاً بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن البدن، خامل الحركة، كليل البصر.
وشاء الله أن يكون 'البارودي' هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية.ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره- وإن كان له فضل السبق والريادة- فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال: إسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم، وأحمد نسيم، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري. وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضى واختيار، فقد ملأ الدنيا بشعره، وشغل الناس، وأشجى القلوب.


المولد والنشأة

ولد أحمد شوقي بحي الحنفي بالقاهرة في (20 من رجب 1287 هـ 16 من أكتوبر 1870م) لأب شركسي وأم من أصول يونانية، وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل، وعلى جانب من الغنى والثراء، فتكفلت بتربية حفيدها ونشأ معها في القصر، ولما بلغ الرابعة من عمره التحق بكُتّاب الشيخ صالح، فحفظ قدرًا من القرآن وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية، وأظهر فيها نبوغًا واضحًا كوفئ عليه بإعفائه من مصروفات المدرسة، وانكب على دواوين فحول الشعراء حفظًا واستظهارًا، فبدأ الشعر يجري على لسانه.
وبعد أن أنهى تعليمه بالمدرسة وهو في الخامسة عشرة من عمره التحق بمدرسة الحقوق سنة (1303هـ 1885م)، وانتسب إلى قسم الترجمة الذي قد أنشئ بها حديثًا، وفي هذه الفترة بدأت موهبته الشعرية تلفت نظر أستاذه الشيخ 'محمد البسيوني'، ورأى فيه مشروع شاعر كبير، فشجّعه، وكان الشيخ بسيوني يُدّرس البلاغة في مدرسة الحقوق ويُنظِّم الشعر في مدح الخديوي توفيق في المناسبات، وبلغ من إعجابه بموهبة تلميذه أنه كان يعرض عليه قصائده قبل أن ينشرها في جريدة الوقائع المصرية، وأنه أثنى عليه في حضرة الخديوي، وأفهمه أنه جدير بالرعاية، وهو ما جعل الخديوي يدعوه لمقابلته.
السفر إلى فرنسا
وبعد عامين من الدراسة تخرّج من المدرسة، والتحق بقصر الخديوي توفيق، الذي ما لبث أن أرسله على نفقته الخاصة إلى فرنسا، فالتحق بجامعة 'مونبلييه' لمدة عامين لدراسة القانون، ثم انتقل إلى جامعة باريس لاستكمال دراسته حتى حصل على إجازة الحقوق سنة (1311هـ 1893م)، ثم مكث أربعة أشهر قبل أن يغادر فرنسا في دراسة الأدب الفرنسي دراسة جيدة ومطالعة إنتاج كبار الكتاب والشعر.
العودة إلى مصر
عاد شوقي إلى مصر فوجد الخديوي عباس حلمي يجلس على عرش مصر، فعيّنه بقسم الترجمة في القصر، ثم ما لم لبث أن توطدت علاقته بالخديوي الذي رأى في شعره عونًا له في صراعه مع الإنجليز، فقرَّبه إليه بعد أن ارتفعت منزلته عنده، وخصَّه الشاعر العظيم بمدائحه في غدوه ورواحه، وظل شوقي يعمل في القصر حتى خلع الإنجليز عباس الثاني عن عرش مصر، وأعلنوا الحماية عليها سنة (1941م)، وولّوا حسين كامل سلطنة مصر، وطلبوا من الشاعر مغادرة البلاد، فاختار النفي إلى برشلونة في إسبانيا، وأقام مع أسرته في دار جميلة تطل على البحر المتوسط.



شعره في هذه الفترة
ودار شعر شوقي في هذه الفترة التي سبقت نفيه حول المديح؛ حيث غمر الخديوي عباس حلمي بمدائحه والدفاع عنه، وهجاء أعدائه، ولم يترك مناسبة إلا قدَّم فيها مدحه وتهنئته له، منذ أن جلس على عرش مصر حتى خُلع من الحكم، ويمتلئ الديوان بقصائد كثيرة من هذا الغرض.
ووقف شوقي مع الخديوي عباس حلمي في صراعه مع الإنجليز ومع من يوالونهم، لا نقمة على المحتلين فحسب، بل رعاية ودفاعًا عن ولي نعمته كذلك، فهاجم رياض باشا رئيس النُظّار حين ألقى خطابًا أثنى فيه على الإنجليز وأشاد بفضلهم على مصر، وقد هجاه شوقي بقصيدة عنيفة جاء فيها:
غمرت القوم إطراءً وحمدًا وهم غمروك بالنعم الجسام
خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا أضيف إلى مصائبنا العظام
لهجت بالاحتلال وما أتاه وجرحك منه لو أحسست دام
وبلغ من تشيعه للقصر وارتباطه بالخديوي أنه ذمَّ أحمد عرابي وهجاه بقصيدة موجعة، ولم يرث صديقه مصطفى كامل إلا بعد فترة، وكانت قد انقطعت علاقته بالخديوي بعد أن رفع الأخير يده عن مساندة الحركة الوطنية بعد سياسة الوفاق بين الإنجليز والقصر الملكي؛ ولذلك تأخر رثاء شوقي بعد أن استوثق من عدم إغضاب الخديوي، وجاء رثاؤه لمصطفى كامل شديد اللوعة صادق الأحزان، قوي الرنين، بديع السبك والنظم، وإن خلت قصيدته من الحديث عن زعامة مصطفى كامل وجهاده ضد المستعمر، ومطلع القصيدة:
المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والدان
يا خادم الإسلام أجر مجاهد في الله من خلد ومن رضوان
لمّا نُعيت إلى الحجاز مشى الأسى في الزائرين وروّع الحرمان
وارتبط شوقي بدولة الخلافة العثمانية ارتباطًا وثيقًا، وكانت مصر تابعة لها، فأكثر من مدح سلطانها عبد الحميد الثاني؛ داعيًا المسلمين إلى الالتفات حولها؛ لأنها الرابطة التي تربطهم وتشد من أزرهم، فيقول:
أما الخلافة فهي حائط بيتكم حتى يبين الحشر عن أهواله
لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم فمصيبة الإسلام من جُهّاله
ولما انتصرت الدولة العثمانية في حربها مع اليونان سنة (1315هـ 1987م) كتب مطولة عظيمة بعنوان 'صدى الحرب'، أشاد فيها بانتصارات السلطان العثماني، واستهلها بقوله:
بسيفك يعلو والحق أغلب وينصر دين الله أيان تضرب
وهي مطولة تشبه الملاحم، وقد قسمها إلى أجزاء كأنها الأناشيد في ملحمة، فجزء تحت عنوان 'أبوة أمير المؤمنين'، وآخر عن 'الجلوس الأسعد'، وثالث بعنوان 'حلم عظيم وبطش أعظم'. ويبكي سقوط عبد الحميد الثاني في انقلاب قام به جماعة الاتحاد والترقي، فينظم رائعة من روائعه العثمانية التي بعنوان 'الانقلاب العثماني وسقوط السلطان عبد الحميد'، وقد استهلها بقوله:
سل يلدزا ذات القصور هل جاءها نبأ البدور
لو تستطيع إجابة لبكتك بالدمع الغزير
ولم تكن صلة شوقي بالترك صلة رحم ولا ممالأة لأميره فحسب، وإنما كانت صلة في الله، فقد كان السلطان العثماني خليفة المسلمين، ووجوده يكفل وحدة البلاد الإسلامية ويلم شتاتها، ولم يكن هذا إيمان شوقي وحده، بل كان إيمان كثير من الزعماء المصريين.
وفي هذه الفترة نظم إسلامياته الرائعة، وتعد قصائده في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أبدع شعره قوة في النظم، وصدقًا في العاطفة، وجمالاً في التصوير، وتجديدًا في الموضوع، ومن أشهر قصائده 'نهج البردة' التي عارض فيها البوصيري في بردته، وحسبك أن يعجب بها شيخ الجامع الأزهر آنذاك محدث العصر الشيخ 'سليم البشري' فينهض لشرحها وبيانها. يقول في مطلع القصيدة:
ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
ومن أبياتها في الرد على مزاعم المستشرقين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بحد السيف:
قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم
جهل وتضليل أحلام وسفسطة فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
ويلحق بنهج البردة قصائد أخرى، مثل: الهمزية النبوية، وهي معارضة أيضًا للبوصيري، وقصيدة ذكرى المولد التي مطلعها:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابًا
كما اتجه شوقي إلى الحكاية على لسان الحيوان، وبدأ في نظم هذا الجنس الأدبي منذ أن كان طالبًا في فرنسا؛ ليتخذ منه وسيلة فنية يبث من خلالها نوازعه الأخلاقية والوطنية والاجتماعية، ويوقظ الإحساس بين مواطنيه بمآسي الاستعمار ومكائده.
وقد صاغ شوقي هذه الحكايات بأسلوب سهل جذاب، وبلغ عدد تلك الحكايات 56 حكاية، نُشرت أول واحدة منها في جريدة 'الأهرام' سنة (1310هـ 1892م)، وكانت بعنوان 'الهندي والدجاج'، وفيها يرمز بالهندي لقوات الاحتلال وبالدجاج لمصر.
النفي إلى إسبانيا
وفي الفترة التي قضاها شوقي في إسبانيا تعلم لغتها، وأنفق وقته في قراءة كتب التاريخ، خاصة تاريخ الأندلس، وعكف على قراءة عيون الأدب العربي قراءة متأنية، وزار آثار المسلمين وحضارتهم في إشبيلية وقرطبة وغرناطة.
وأثمرت هذه القراءات أن نظم شوقي أرجوزته 'دول العرب وعظماء الإسلام'، وهي تضم 1400 بيت موزعة على (24) قصيدة، تحكي تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة، على أنها رغم ضخامتها أقرب إلى الشعر التعليمي، وقد نُشرت بعد وفاته.
وفي المنفى اشتد به الحنين إلى الوطن وطال به الاشتياق وملك عليه جوارحه وأنفاسه. ولم يجد من سلوى سوى شعره يبثه لواعج نفسه وخطرات قلبه، وظفر الشعر العربي بقصائد تعد من روائع الشعر صدقًا في العاطفة وجمالاً في التصوير، لعل أشهرها قصيدته التي بعنوان 'الرحلة إلى الأندلس'، وهي معارضة لقصيدة البحتري التي يصف فيها إيوان كسرى، ومطلعها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدا كل جبس
وقد بلغت قصيدة شوقي (110) أبيات تحدّث فيها عن مصر ومعالمها، وبثَّ حنينه وشوقه إلى رؤيتها، كما تناول الأندلس وآثارها الخالدة وزوال دول المسلمين بها، ومن أبيات القصيدة التي تعبر عن ذروة حنينه إلى مصر قوله:
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
شهد الله لم يغب عن جفوني شخصه ساعة ولم يخل حسي
العودة إلى الوطن
عاد شوقي إلى الوطن في سنة (1339هـ 1920م)، واستقبله الشعب استقبالاً رائعًا واحتشد الآلاف لتحيته، وكان على رأس مستقبليه الشاعر الكبير 'حافظ إبراهيم'، وجاءت عودته بعد أن قويت الحركة الوطنية واشتد عودها بعد ثورة 1919م، وتخضبت أرض الوطن بدماء الشهداء، فمال شوقي إلى جانب الشعب، وتغنَّى في شعره بعواطف قومه وعبّر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجّل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال.
لقد انقطعت علاقته بالقصر واسترد الطائر المغرد حريته، وخرج من القفص الذهبي، وأصبح شاعر الشعب المصري وترجمانه الأمين، فحين يرى زعماء الأحزاب وصحفها يتناحرون فيما بينهم، والمحتل الإنجليزي لا يزال جاثم على صدر الوطن، يصيح فيهم قائلاً:
إلام الخلف بينكم إلاما؟ وهذي الضجة الكبرى علاما؟
وفيم يكيد بعضكم لبعض وتبدون العداوة والخصاما؟
وأين الفوز؟ لا مصر استقرت على حال ولا السودان داما
ورأى في التاريخ الفرعوني وأمجاده ما يثير أبناء الشعب ويدفعهم إلى الأمام والتحرر، فنظم قصائد عن النيل والأهرام وأبي الهول. ولما اكتشفت مقبرة توت عنخ أمون وقف العالم مندهشًا أمام آثارها المبهرة، ورأى شوقي في ذلك فرصة للتغني بأمجاد مصر؛ حتى يُحرِّك في النفوس الأمل ويدفعها إلى الرقي والطموح، فنظم قصيدة رائعة مطلعها:
قفي يا أخت يوشع خبرينا أحاديث القرون الغابرينا
وقصي من مصارعهم علينا ومن دولاتهم ما تعلمينا
وامتد شعر شوقي بأجنحته ليعبر عن آمال العرب وقضاياهم ومعاركهم ضد المستعمر، فنظم في 'نكبة دمشق' وفي 'نكبة بيروت' وفي ذكرى استقلال سوريا وذكرى شهدائها، ومن أبدع شعره قصيدته في 'نكبة دمشق' التي سجّل فيها أحداث الثورة التي اشتعلت في دمشق ضد الاحتلال الفرنسي، ومنها:
بني سوريّة اطرحوا الأماني وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
وقفتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
وللأوطان في دم كل حرٍّ يد سلفت ودين مستحقُّ
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يُدَقُّ
ولم تشغله قضايا وطنه عن متابعة أخبار دولة الخلافة العثمانية، فقد كان لها محبًا عن شعور صادق وإيمان جازم بأهميتها في حفظ رابطة العالم الإسلامي، وتقوية الأواصر بين شعوبه، حتى إذا أعلن 'مصطفى كمال أتاتورك' إلغاء الخلافة سنة 1924 وقع الخبر عليه كالصاعقة، ورثاها رثاءً صادقًا في قصيدة مبكية مطلعها:
عادت أغاني العرس رجع نواح ونعيت بين معالم الأفراح
كُفنت في ليل الزفاف بثوبه ودفنت عند تبلج الإصباح
ضجت عليك مآذن ومنابر وبكت عليك ممالك ونواح
الهند والهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحَّاح
إمارة الشعر
أصبح شوقي بعد عودته شاعر الأمة المُعبر عن قضاياها، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر سنة (1346هـ 1927م) في حفل أقيم بدار الأوبرا بمناسبة اختياره عضوًا في مجلس الشيوخ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه 'الشوقيات'. وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه، وأعلن حافظ إبراهيم باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلاً:
بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي بشعر أمير الدولتين ورجِّعي
أعيدي على الأسماع ما غردت به براعة شوقي في ابتداء ومقطع
أمير القوافي قد أتيت مبايعًا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

مسرحيات شوقي
بلغ أحمد شوقي قمة مجده، وأحس أنه قد حقق كل أمانيه بعد أن بايعه شعراء العرب بإمارة الشعر، فبدأ يتجه إلى فن المسرحية الشعرية، وكان قد بدأ في ذلك أثناء إقامته في فرنسا لكنه عدل عنه إلى فن القصيد.
وأخذ ينشر على الناس مسرحياته الشعرية الرائعة، استمد اثنتين منها من التاريخ المصري القديم، وهما: 'مصرع كليوباترا' و'قمبيز'، والأولى منهما هي أولى مسرحياته ظهورًا، وواحدة من التاريخ الإسلامي هي 'مجنون ليلى'، ومثلها من التاريخ العربي القديم هي 'عنترة'، وأخرى من التاريخ المصري العثماني وهي 'علي بك الكبير'، وله مسرحيتان هزليتان، هما: 'الست هدي'، و'البخيلة'.
ولأمر غير معلوم كتب مسرحية 'أميرة الأندلس' نثرًا، مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد.
وقد غلب الطابع الغنائي والأخلاقي على مسرحياته، وضعف الطابع الدرامي، وكانت الحركة المسرحية بطيئة لشدة طول أجزاء كثيرة من الحوار، غير أن هذه المآخذ لا تُفقِد مسرحيات شوقي قيمتها الشعرية الغنائية، ولا تنفي عنها كونها ركيزة الشعر الدرامي في الأدب العربي الحديث.

وفاته
ظل شوقي محل تقدير الناس وموضع إعجابهم ولسان حالهم، حتى إن الموت فاجأه بعد فراغه من نظم قصيدة طويلة يحيي بها مشروع القرش الذي نهض به شباب مصر، وفاضت روحه الكريمة في (13 من جمادى الآخرة 14 من أكتوبر 1932م).

















الخاتمة:-
منح الله شوقي موهبة شعرية فذة، وبديهة سيالة، لا يجد عناء في نظم القصيدة،
فدائمًا كانت المعاني تنثال عليه انثيالاً وكأنها المطر الهطول، يغمغم بالشعر ماشيًا أو جالسًا بين أصحابه، حاضرًا بينهم بشخصه غائبًا عنهم بفكره؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية؛ إذ بلغ نتاجه الشعري ما يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف بيت وخمسمائة بيت، ولعل هذا الرقم لم يبلغه شاعر عربي قديم أو حديث.
وكان شوقي مثقفًا ثقافة متنوعة الجوانب، فقد انكب على قراءة الشعر العربي في عصور ازدهاره، وصحب كبار شعرائه، وأدام النظر في مطالعة كتب اللغة والأدب، وكان ذا حافظة لاقطة لا تجد عناء في استظهار ما تقرأ؛ حتى قيل بأنه كان يحفظ أبوابًا كاملة من بعض المعاجم، وكان مغرمًا بالتاريخ يشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية لا يعرفها إلا المتعمقون في دراسة التاريخ، وتدل رائعته الكبرى 'كبار الحوادث في وادي النيل' التي نظمها وهو في شرخ الشباب على بصره بالتاريخ قديمه وحديثه. وكان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها لتحدث النغم الذي يثير الطرب ويجذب الأسماع، فجاء شعره لحنًا صافيًا ونغمًا رائعًا لم تعرفه العربية إلا لقلة قليلة من فحول الشعراء.
وإلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للفرنسية التي مكنته من الاطلاع على آدابها والنهل من فنونها والتأثر بشعرائها، وهذا ما ظهر في بعض نتاجه وما استحدثه في العربية من كتابة المسرحية الشعرية لأول مرة.
وقد نظم الشعر العربي في كل أغراضه من مديح ورثاء وغزل، ووصف وحكمة، وله في ذلك أوابد رائعة ترفعه إلى قمة الشعر العربي، وله آثار نثرية كتبها في مطلع حياته الأدبية، مثل: 'عذراء الهند'، ورواية 'لادياس'، و'ورقة الآس'، و'أسواق الذهب'، وقد حاكى فيه كتاب 'أطواق الذهب' للزمخشري، وما يشيع فيه من وعظ في عبارات مسجوعة.
وقد جمع شوقي شعره الغنائي في ديوان سماه 'الشوقيات'، ثم قام الدكتور محمد صبري السربوني بجمع الأشعار التي لم يضمها ديوانه، وصنع منها ديوانًا جديدًا في مجلدين أطلق عليه 'الشوقيات المجهولة'.


المراجع:

أحمد شوقي: الشوقيات – تحقيق علي عبد المنعم عبد الحميد – الشركة المصرية العالمية للنشر – القاهرة (2000م).
شكيب أرسلان: شوقي أو صداقة أربعين سنة – مطبعة عيسى البابي الحلبي – القاهرة (1355 هـ 1936م).
شوقي ضيف: شوقي شاعر العصر الحديث – دار المعارف – القاهرة (1975م).
عبد الرحمن الرافعي: شعراء الوطنية – مكتبة النهضة المصرية – القاهرة (1373هـ = 1954م).
ماهر حسن فهمي: أحمد شوقي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة (1985م).
محمد مندور: أحمد شوقي – منشورات المكتب التجاري – بيروت (1970م).

البندري
12-27-2005, 07:31 PM
مخطط البحث

· المقدمة

· تعريف الخط

· أول من خط بالعربية

· البعد الآخر للخط العربي

· نشأة الخط العربي وتطوره

· أهل الخط من الأوائل و المتأخرين

· العلوم المتعلقة بعلم الخط

· تطور الخط العربي في كتابة المصحف الشريف

· الخط العربي فن وعلم وإبداع

· أنواع الخط العربي

· المرأة وفن الخط العربي

· أهمية تدريس الخط العربي

· الأهداف التربوية لتدريس الخط

· نموذج لسير درس الخط

· طلابنا والخط العربي
--------------------------------------------------------------------------------

المقدمة:

قال الله عزّ وجل ( ن والقلم وما يسطرون )

وقال تعالى (إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم)

وقال صلى الله عليه وسلّم: ( عليكم بحسن الخط فإنه مفاتيح الرزق )

إنَّ العرب أول من فكر في البحث عن أصل الكتابة وإليهم يُعزى هذا الفضل، وقد ذكر المؤرِّخون أنَّ أول من كتب بالعربية ووضعها إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام فقد ورد عن ابن عباس ( أنَّ أول من كتب بالعربية ووضعها إسماعيل بن إبراهيم على لفظه ومنطقه ) ويقال أنّ الله تعالى أنطقه بالعربية المبينة وهو ابن أربع وعشرين سنة، ولايخفى عليكم أنَّ العرب قبل الإسلام أقرب إلى الأميّة منهم إلى العلم والثقافة وليس معنى ذلك أنه لايوجد فيهم من يُحسن القراءة والكتابة وإنما كانت نسبة المتعلمين منهم قليلةً جداً حتى لتشير بعض المصادر إلى أنّ الذين كانوا يمارسون القراءة والكتابة عند ظهور الإسلام لا يتجاوزون بضعة عشر رجلاً في المدينة وحدها …. ويقول البلاذري ( دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً يستطيعون الكتابة ومنهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبو عبيدة وطلحة، وغيرهم أمَّا النساء اللواتي كنَّ يكتبن فمنهنَّ: الشفاء بنت عبد العدوية من رهط عمر بن الخطاب وحفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم وأمُّ كلثوم بنت عقبة وغيرهنّ..وكانت عائشة تقرأ المصحف ولا تكتب وكذلك أمّ سلمة )……. ولقد انتشر الخطُّ العربي في صدر الإسلام في بداية رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم حيث أنه يٌعدُّ بحقٍّ أول من عمل على نشر تعليم الكتابة بين المسلمين نساءً ورجالاً، وليس أبلغ شاهداً على ذلك من الرواية التاريخية التي تشير أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من بعض أسرى قريش في معركة بدر من الذين لم يقدروا على فداء أنفسهم بالمال أنْ يعلِّم كل منهم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة، ولقد بلغ كتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم اثنين وأربعين كاتباً وأول من كتب له أُبي بن كعب ومن كتّابه علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان و زيد بن ثابت و عبد الله بن الأرقم و خالد بن سعيد بن العاص و العلاء بن عقبة ومعاوية بن أبي سفيان و مُعيقب بن أبي فاطمة … وغيرهم الكثير، ولقد أرسل صلى الله عليه وسلَّم عدداً من الرسائل إلى ملوك وأمراء الدول المجاورة يدعوهم فيها إلى الإسلام ومنهم قيصر ملك الروم وكسرى ملك فارس والنجاشي ملك الحبشة والمقوقس حاكم الإسكندرية وملك عمان جيفر الجلندي وثمامة ابن أثال ملك اليمامة وكذلك المنذر ابن ساوي ملك البحرين والحارث الحميري ملك اليمن، ثُمَّ إنَّ الخطَّ تطوَّر بشكلٍ واضحٍ في عهد بني أمية حيث اشتهر رجلاً يدعى ( قطبة المحرر ) بحسن الخطِّ وكان يُعتبر أكتب أهل زمانه، ثُمَّ إنَّ الخطَّ قفز قفزةً كبيرةً في العهد العباسي وأدخلت عليه العلامات كالفتحة والضمة والكسرة والسكون والشدة وذلك على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي، ثُمَّ إنه وفي كلِّ زمنٍ يقيّض الله رجلاً يطوّر من شكل الخط أو يخترع خطاً جديداً حتى وصل الخط العربي إلى ما وصل إليه حالياً من تطور وإبداع، ومن هؤلاء الرجال إبراهيم الشجري وأخوه يوسف والأحول المحرر، وكان ينافس الأحول الخطاط محمد بن معدان الذي كانَ يُعرف بوجه النعجة ومحمد بن حفص ثم الوزير ابن مقلة وأخيه عبد الله ثم محمد السمسماني ومحمد بن أسد وابن البواب وغيرهم كثير.
--------------------------------------------------------------------------------

تعريف الخط:
لقد جعل الله التفاهم بين الناس باللسان والقلم، وجعل الكتابة وسيلة الإقرار وتبرئة الذمم وتوثيق العقود وحفظ العلوم والتراث الثقافي والحضاري للأمم عبر التاريخ وهي وسيلة هامة للمعرفة والتواصل بين البشر.

وقد قال ابن خلدون في مقدمته عن الخط: ( إنه صناعة شريفة يتميز بها الإنسان عن غيره، وبها تتأدى الأغراض؛ لأنها المرتبة الثانية من الدلالة اللغوية ) .

وقد عرَّفه بقوله: هو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس الإنسانية من معانٍ ومشاعر.

ليس هناك تشريفٌ أرفع لعلم الخطِّ من إضافة الله سبحانه تعليم الخطِّ لنفسه وامتنانه بذلك على عباده. قال صاحب كتاب زاد المسافر: الخط لليد لسان، وللخَلَد ترجمان، فرداءته زمانة الأدب، وجودته تبلغ شرائف الرتب، وفيه المرافق العظام التي منّ الله بها على عباده، فقال جل ثناؤه:
{ وربك الأكرم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان مالم يعلم }.
--------------------------------------------------------------------------------

أول من خط بالعربية:
أول من خَطَّ الخطَّ العربي ـ كما قال ابن عباس ـ إسماعيل عليه السلام وزاد أنه كان موصولاً حتى فرّق بينه ولده.
وقيل: مَرامر بن مرَّة، وأسلم بن جَدْرة، وهما من أهل الأنبار.
وقيل: أول من كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلَّم من أهل الحيرة، وتعلَّم أهل الحيرة من أهل الأنبار...

ويقول ابن دريد في أمالية: عن عوانة قال: أول من كتب بخطِّنا هذا وهو الجزم مَرامر بن مرَّة وأسلم بن جَدْرة الطائيان، ثم علَّموه أهل الأنبار، فتعلَّمه بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، فعلَّم جماعةً من أهل مكة، فلذلك كَثُرَ من يكتب بمكة...
ولذلك يقول رجل من كندة يمنّ على قريش بتعليم بِشْرٍ لهم:


لا تجحدوا نعماء بِشْرٍ عليكـمُ = فقد كان ميمـون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا = من المال ماقد كان شتى مبعثرا

1

2
لا تجحدوا نعماء بِشْرٍ عليكـمُ
فقد كان ميمون النقيبة iiأزهـرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا
من المال ماقد كان شتى مبعثرا


--------------------------------------------------------------------------------

البعد الآخر للخط العربي في تراثنا العلمي:
لا يشكل الخطُّ العربي فقط أداة تجسيد اللغة الحاملة للخصائص الحضارية والتاريخية والثقافية للأمة العربية بل يحمل هذا الخطُّ أقدس رسالة خُصِّ بها العرب إلى جميع بني البشر في كل زمان ومكان، وهي القرآن الكريم وبهذا المعنى أضحى الخطُّ العربي يتمتع بميزة مقدَّسة لم تتوفر لغيره من الخطوط لكل اللغات المتعارف عليها في العالم اليوم. ولهذا الغرض اجتهد العرب وجهدوا ليمنحوا الأحرف العربية المكانة الأعلى والمنزلة الأرفع التي منحها القرآن الكريم للغتهم السامية.
--------------------------------------------------------------------------------

نشأة الخط العربي وتطوره:
أولاً في الجزيرة العربية:
على إيقاع آيات الوحي يتردد صدى إيقاع الكلمات المكتوبة ليحتل الخطُّ العربي في جوٍّ من الصمت مكانة الكلام الشافي ويصل بالنص النهائي إلى ذروة الكمال والجمال الفني للمعاني والصور القرآنية.

ويزيد من جمال هذا الفن الرائع شكل الخط العربي القابل أكثر من أي خطٍّ آخر لجمال الحرف وأناقته ونجد قصة تطوُّر الكتابة العربية التي يمارسها الخطاطون في كلِّ أنحاء العالم الإسلامي.

كما نجد أنَّ عربية القرآن تعود في منشئها إلى لهجة عرب الشمال(شمال الجزيرة العربية) التي اشتُقت بدورها من اللغة النبطية التي كانت مشتقةً بدورها من اللغة الآرامية. وأقدم أصلٍ معروفٍ للكتابة في الجزيرة العربية هو ذلك المدعو بالجزم وقد انتشرت كتابة الجزم شيئاً فشيئاً حتى أصبحت لغة كلِّ العرب عندما نزل القرآن بها وخلّدها.

لقد أدَّى انتشار الإسلام في الأمصار البعيدة بعد الفتوحات إلى تأسيس مدنٍ جديدةٍ مثل الكوفة في العراق وقد تم تأسيسها عام 638 م/39 هـ في ظلِّ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثُمَّ ازدهرت هذه المدينة وأصبحت موئلاً للعلم والعلماء وولّدت بذلك نوعاً جديداً من الكتابة دعيت: بالخط الكوفي

كانت النُّسخ الأولى من مصحف عثمان رضي الله عنه قد كُتبت بالحرف السائد في مكة والمدينة والذي هو عبارة عن تنويعٍ محليٍّ على خطِّ الجزم ثُمَّ أصبح المصحف يُكتب بعدئذٍ بالخطِّ الكوفي وغيره من الخطوط العربية التي انتشرت وتطوَّرت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وإنَّ خطي المشتق والحجازي المشتقين من الجزم يشهدان على الأساليب الأولى التي أدَّت إلى تثبيت كتابة النص الموحى.

لقد اكتسب الخط الكوفي نوعاً من الرفعة والاعتلاء وأصبح الخطُّ الديني الوحيد الذي يستخدم في نسخ القرآن.
ويتميَّز الخطُّ الكوفي بسمتين أساسيتين هما: الحروف العمودية القصيرة والحروف الأفقية الطويلة.
وهذا ما جعل الخطاطين يكتبونه على صحائف طويلةٍ أكثر مما هي عريضة. من هنا تنتج الأشكال الطويلة لمعظم نسخ القرآن المكتوبة بهذا الخط اللهمَّ إلا بعض الاستثناءات القليلة. لم تكن المصاحف المكتوبة بالخط لكوفي تحظى بالزخرفة إلا قليلاً جداً حتى القرن التاسع الميلادي وبعدئذٍ ابتدأت الزخارف والتزيينات تظهر وتأخذ دوراً نفعياً في الغالب. هذا وقد نشأ الخط الكوفي المغربي في مدينة القيروان تلك المدينة التي أسسها العرب عام 670 م وقد كان مسجدها الكبير مركزاً ثقافياً يضمُّ مدرسةً لفنِّ الخطِّ تمَّ فيها نَسْخُ العديد من المصاحف. إنَّ الخطَّ الكوفي المغربي يبدو أكثر تقليداً ومحافظةً ويتميَّز بوجود الدوائر النصفية تحت خطِّ الكتابة، هذه الدوائر التي تشكل حروفها الواطئة المبسوطة وهذه المكورات أو الدوائر تعدّل هيئة النص وتجعله يسيل طبقاً لإيقاعٍ مرنٍ متسلسل.

أمَّا كتابة حروف العلَّة والحركات التشكيلية التي تتيح التفريق بين حرفين صوتيين يتَّخذان نفس الرسم فقد تطوَّرت بتطوُّر أساليب الخطِّ وذلك ضمن إطار إصلاح الكتابة العربية الذي تحقَّقَ على مراحل متعددةٍ من خلال بعض الأسماء اللامعة لكبار النحاة العرب.

ونستعرض فيما يلي أهمَّ هذه المراحل والشخصيات:

أبو الأسود الدؤلي: توفي عام (688هـ ) وهو المؤسس الشهير للنحو العربي بتكليفٍ من الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويكاد اسمه أنْ يكون أسطورة ويُقال أنه هو الذي اخترع نظام التشكيل للتعويض عن حروف العلَّة الناقصة وقد ارتبط نظام التشكيل هذا بالخط الكوفي ومشتقاته. وأمَّا المشكلة بتمييز الحروف الصوتية عن بعضها البعض فقد حلَّت من قِبَلِ الحجاج بن يوسف الثقفي والي الأمويين والمنطقة الشرقية من المملكة بين عامي (694-714 هـ) وكانت الرموز التي تميِّز الحروف في البداية عبارة عن نقاطٍ صغيرةٍ سوداء بعدد واحد أو اثنين أو ثلاثة موضوعة تحت الحرف أو فوقه.ولكنَّ استخدام النقاط السوداء مع النقاط الملونة الأخرى قد أوقع الخلط والارتباك ولهذا السبب استُبدلت الحركات المائلة القصيرة بالنقاط ولكنَّ المشكلة لمْ تحلّ إلا بظهور ذلك العبقريّ
الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم النحو المتوفى عام (786 م) فقد حافظ الخليل على النقاط التي اقترحها الحجاج من أجل التمييز بين الحروف المتشابهة ولكنه وضع مكان رموز حروف العلَّة التي اكتشفها أبو الأسود الدؤلي ثمانية رموز للحركات الجديدة (مثل الفتحة، الكسرة، الضمة..).وهكذا تَمَّ توحيد التنقيط الذي اخترعه الحجاج مع رموز الحركات التي اخترعها الخليل في نظامٍ واحدٍ أعطى للخطِّ العربي شكله الجميل الذي نعرفه حالياً.
--------------------------------------------------------------------------------

تطوّر أنواع الخط العربي:
لقد كانت الكتابة منذ أصولها في الحجاز ولا تزال حتى الآن تنقسم إلى نوعين كبيرين:

1- المقوَّر والمدوَّر: أو الكتابة العادية السريعة.

2- المبسوط المستقيم: أو الكتابة الكوفية المائلة (على شكل الزاوية)

إنَّ هذا الخطَّ الثاني الذي استُخدم تقليدياً في نسخ القرآن الكريم طيلة القرون الخمسة الأولى بَطُلَ استخدامه لاحقاً إلا فيما يخصُّ عناوين السور والبسملة والمصحف الشريف. ثم حَلَّت بعده الكتابة العادية السريعة، وقد تعرضت عبر القرون وفي مختلف المناطق الإسلامية إلى تنوعياتٍ أسلوبيةٍ عديدةٍ جداً.

إنَّ الكتابة العادية السريعة الخاصَّة في المغرب تُدعى بالخطِّ المغربي وقد ظهر هذا الخطُّ بالقرن الحادي عشر الميلادي وهو يتميَّز على شاكلة الخطِّ الكوفي المغربي بمظهرٍ منسابٍ متسلسلٍ عن طريق لعبة خطوطه المقوَّسة المفتوحة التي تنتهي عادةً بحلقةٍ ذهبيةٍ أو بحلقةٍ من الحبر مرسومةٍ على الورق أو الجلد، ونجده أحياناً بشكلٍ استثنائي مكتوباً بحبرٍ ذهبي أبيض على أرضية أرجوانية داكنة. إنّ أناقة الخطِّ المغربي ورقَّته تتعارض غالباً مع سماكة الخط الكوفي المزخرف الذي يستخدم عادةً في رسم العناوين الكبيرة فقط، إنّ أقواسه الدقيقة التي تميل إلى اليسار كالكتابة العربية والتي تكاد تمسُّ الحروف الأخرى للكلمات المجاورة تخلع عليه سمةً فريدةً من التداخل والانسجام. وقد أدَّى نجاحه إلى طول عمره وانتشاره في كلِّ أنحاء إفريقيا الشمالية والغربية وصولاً إلى إسبانيا الإسلامية حيث ظهر تنويعٌ جديدٌ عليه.إنَّ الخطَّ المغربي الأندلسي الذي نشأ في قرطبة قد فرض نفسه على كلِّ إسبانيا الإسلامية. وهو مصحوبٌ بالحركات والتشكيلات، كما أنَّه يبدو أكثر رقَّةً وتماسكاً عن طريق صَفِّ حروفه الصغيرة على طول الخطوط الرفيعة المكثفة.

وفي ذات الوقت أي في القرن العاشر ظهرت في المشرق أيام الحقبة العباسية ستة أساليب من الكتابة العادية السريعة وذلك تحت اسم 'الأقلام الستة' وهي ما يلي: خطُّ الثلث، والنسخ، والمحقَّق، والريحاني، والرقعة والتوقيع. وقد استُخدمت كلُّ هذه الخطوط بكثرة من قبل الحكومات و الإدارات الإسلامية. ولم تُستخدم إلا أربعةً منها لنسخ القرآن وهي الخطوط الثلاثة الأولى المشار إليها بالإضافة إلى الأخير.

وكان مُكتشف هذه 'الأقلام الستة' شخصٌ عبقريٌ يُدعى:أبو علي ابن مقلة الخطاط والوزير وقد أدّت كفاءته ومعرفته الدقيقة بعلم الهندسة إلى تدشين المرحلة الأهمِّ في الخطِّ العربي العادي وهي اختراع القواعد الأساسية لفنِّ الخط التي تعتمد على الوحدات القياسية الثلاث التالية:

1- النقطة المربعة

2- حرف الألف

3- المستديرة الخط أو الدائرة

وقد توصَّل إلى النقطة المربعة عن طريق ضغط القلم بشكلٍ مائلٍ على الورق من أجل تناسب الأضلاع الأربعة المتساوية الطول للنقطة من حجم اتساع القلم.

وأمَّا الألف فهي عبارة عن شكلٍ عموديٍ منتصبٍ يصل قياسه إلى خمس أو سبع نقاطٍ مربعةٍ مصفوفةٍ الواحدة فوق الأخرى.

أمَّا المستديرة الخط فهي عبارة عن دائرةٍ نصف قطرها بطول الألف وقد استُخدمت أيضاً كشكلٍ هندسيٍّ أساسيٍّ.

ثُمَّ جاء بعده خطاطٌ آخر اسمه ابن البواب توفي (عام 1022م ) وقد أغنى هذا النظام وأضاف إليه أسلوباً جديداً أكثر رشاقةٍ يُدعى ' المنسوب الفائق '.

وبعد حوالي قرنين ونصف اخترع ياقوت المستعصمي (1298م)طريقةً جديدةً لصنع الأقلام القصبيّة (الريشة) عن طريق بريها بشكلٍ مائلٍ، وقد أغنى ذلك الأساليب الستة، ثُمَّ بلور ياقوت هذا أسلوباً جديداً لخطِّ الثلث وخلع عليه اسم الياقوتي.
--------------------------------------------------------------------------------

أنواع الخطوط الستة:

الثلث:
يُستمد هذا الأسلوب في الكتابة اسمه من المبدأ الذي ينصُّ على أنه يجب إمالة ثلث كلِّ حرف من الحروف المكتوبة، وقد عاش هذا الخطُّ أكثر من غيره من بقية الأقلام الستة, وهو خطٌّ دينيٌ وفخمٌ.

النسخ:
ويعني المحو أو الإزالة وتعود نشأة هذا الخطِّ إلى القرن الثالث عشر ثُمَّ انتشر وشاع في القرن التالي وقد ساعد على انتشاره اعتماد الورق في الكتابة بدلاً من الرقّ أو الجلد وذلك في كلِّ أنحاء المشرق الإسلامي. وبعد أنْ تَمَّ تحسينه على أيدي نظام ابن مقلة وابن البواب أصبح خطاً لائقاً لكتابة القرآن، وبفضل نوعيته العالية هذه أصبحت المصاحف المكتوبة بالنسخ أكثرَ عدداً من كلِّ المصاحف المكتوبة بالخطوط العربية الأخرى مجتمعة.

إنّ هذا الخطُّ يتميَّز بالكتابة الأنيقة والملائمة التي تَصفُّ الحروف والكلمات على السطر بشكلٍ واضحٍ وتترك مسافاتٍ معقولةٍ بينها وهذا ما يزيد من جمال تناسقها.

المحقَّق:
وتعني التسمية في الأصل الخطُّ المرسوم بقوةٍ ووضوحٍ أو الناتج عن فرط العناية والتدقيق وقد شاع هذا الخطُّ كثيراً في زمن خلافة المأمون (813-833هـ) ثُمَّ اكتسب بمرور الزمن بعض الاستدارة والنضج ولكن تَمَّ تعديله من قِبَلِ ابن مقلة ووصل إلى درجة الكمال على يَدِ ابن البواب. إنَّ المحقَّق خطٌّ رشيقٌ ومتَّسقٌ وهو يتوصَّل إلى تحقيق التوازن ما بين خطّه الأفقي الرفيع المستطيل وبين خطوطه العالية المليئة بالشموخ والجمال وكانَ هذا الخطُّ قد استُخدم طيلة أكثر من أربعة قرونٍ في كتابة المصاحف ذات الحجم الكبير.

التوقيع:
وقد اختُرع هذا النوع من الخطِّ زمن الخليفة المأمون وهو يتميَّز بأنه شديد التلاحم والتماسك، سريع، وقريب من خطِّ الثلث الذي يُقال أنه مشتق منه ويُقال أنه قد اشتقَّ من الخطِّ الرياسي، الذي كان الخلفاء العباسيون يستخدمونه في كتاباتهم ومعاملاتهم الرسمية ويوقعون عليه أسماءهم وألقابهم ونلاحظ أنَّ استخدامه نادرٌ جداً في النصوص الدينية إلا استثناء واحد مصحف أفغانستان الضخم الذي تَمَّ نسخه بين عامي(111 – 1112م).

وتوجد هناك أربع أساليبٍ أخرى للخطِّ العادي بالإضافة إلى الأقلام الستة وهي الغبار، التمار، التعليق، النستعليق.

الغبار:
وهو معروفٌ أيضاً باسم الكتابة المجهرية نظراً لدقَّة حروفه؛ وقد ظهر في القرن التاسع الميلادي وهو مشتق من الخطِّ الرياسي وله حروفٌ مدوَّرةٌ صغيرةٌ جداً استعارت بعض خصائصها من خطي الثلث والنسخ.

النستعليق:
وهي كلمة مركبة من كلمتين هما النسخ والتعليق؛ وهذا الخطُّ عبارة عن كتابةٍ معلَّقةٍ اخترعها الفرس واشتقوها من خطِّ التعليق الذي تشكَّل هناك في نهاية القرن الخامس عشر، وقد أصبحت هذه الكتابة منذ ذلك الوقت بمثابة الخطِّ القومي الفارسي ولكنْ نادراً ما لجأ الخطاطون إلى النستعليق من أجل نسخ القرآن وقد وجدناه فقط في مصحفٍ بالهند يعود للقرن الثامن عشر ولكنه غير مستخدم لكتابة النص العربي الموحى وإنما تَمَّ استخدامه فقط على الهوامش وبين السطور .
--------------------------------------------------------------------------------

--------------------------------------------------------------------------------


ثانياً الخطُّ العربي في البلاد الإسلامية :
انطلق الخط العربي الذي كُتِبَ به القرآن غازياً ومعلِّماً مع الجيوش الفاتحة إلى الممالك المجاورة والبعيدة . فكتب الفرس لغتهم بالحروف العربية وابتكروا الخطَّ الفارسي”التعليق' بيد مير علي التبريزي المتوفى سنة 919هـ كما حوَّروا الخطَّ الكوفي فأصبحت المدَّات فيه أكثر وضوحاً .
أمَّا الترك فحوَّلوا خطَّ الرقاع وابتكروا الهمايوني (الديواني) بيد الأستاذ إبراهيم منيف كما وضع ممتاز مصطفى بك قواعد الرقعة سنة 1270هـ وقد ورد في كتابِ مصوَّرِ الخطِّ العربي رسالةً كتبها الوزير يوسف باشا للسلطان عبد الحميد الأول ـ والرسالة والشرح كانا بخطِّ الرقعة ـ وفي حياة ممتاز مصطفى - المولود عام 1225هـ في اسطنبول - أنه كانَ يقوم بتعليم الخطِّ للسلطان عبد الحميد . وفي الأندلس رأينا صوراً أخرى من الحفاوة التي لقيها الخطُّ العربي بعيداً عن موطنه فقد اهتمَّ الحكَّام بالخطِّ العربي وتعلَّموه ونسخوا به الكتب لا سيما المصاحف كما اهتمَّ سواد الناس بالمخطوطات ذات الخطِّ الجميل، ويذكر المقري قصةً عن الحضرمي، قال: أقمت مرَّةً بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدَّةً أترقَّب وقوع كتابٍ كانَ لي بطلبه اعتناءً إلى أنْ وقع وهو بخطٍّ جيدٍ وتسفيرٍ مليحٍ ، ففرحت به أشدَّ الفرح فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلى المنادي بالزيادة علي إلى أنْ بلغ فوق حدِّه فقلت له يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى أبلغه إلى ما يساوي قال : فأراني شخصاً عليه لباس رياسةٍ فدنوت منه وقلت له : أعزَّ الله سيدنا الفقيه إنْ كان لك غرضٌ في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغتْ به الزيادة بيننا فوق حدها . فقال لست بفقيه ولا أدري ما فيه ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمَّل بين أعيان البلد وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب فلما رأيته حسن الخطِّ جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه.

ثالثاً الخط العربي في ما وراء النهر :
دخل الإسلام بلاد ما وراء النهر (وسط آسيا) مع الفتوحات العربية التي تمَّت في القرن السابع الميلادي، وقد اعتنقت شعوب تلك المنطقة الدين الإسلامي ومِنْ هذه الشعوب كانَ الشعب الأوزبكي الذي تمثَّل هذا الدين كما تمثَّل اللغة التي جاءت معه اللغة العربية ، فأقبل أفراد الشعب عليها تعلُّماً ودراسةً ، ومن ثُمَّ أصبحت العربية سائدةً بين الناس، حتى إنهم ألَّفوا بها كتبهم وعلومهم إلى جانب اللغتين الفارسية والتركية، وتدارسوا مختلف فنون الأدب العربي ومنها الشعر ومن أهمِّ المؤلفات في هذا المجال كتاب الشاعر الخوارزمي شير محمد مؤنس (1829-1878م)، الذي ألَّفه بعنوان 'سوادي تعليم' أي (مبادئ تعليم الكتابة والقراءة)، وهو كتاب مدرسي،وكان لهذا الكتاب أهميةً بالغةً في المجال التعليمي والتنويري، وقد وصف بمهارةٍ تامَّةٍ كلَّ الحروف المبنية على الأبجدية العربية كتابةً وقراءةً على السواء، وكانَ هذا الكتاب يتميَّز بإبداعه حيث أنه في بداية الأمر يتناول حَمْد الله والثناء عليه، ثُمَّ الصلوات على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلَّم، ثُمَّ مَدح حكَّام عهده، ووصْفِ الأساتذة والخطاطين الذين اخترعوا أنواعاً مِنَ الخطِّ، وخلال وصفه لهم كانَ دائماً يذكر أشهر علماء النحو والصرف العربي، ومن بينهم ابن الحاجب الذي اخترع أروع أنواع الخطِّ العربي، وكتب عنه ما يلي:‏ جمع الفضل في كل العلوم‏، وفي كل حكم كان نافذ القول،‏ وفي علمه كان يُوجب احترام أهل العلم.‏
وقام الشاعر مؤنس بشرح كتابة كلِّ حرفٍ في الأبجدية وصيغته وعلاقته بالحروف الأخرى،.‏ وبفضل انتشار الكتابة العربية عند شعوب وسط آسيا تطوَّر في المنطقة فنُّ الكتابة وفنُّ الخطِّ العربي، وقَدْ كانَ هذا الخطُّ من الذخائر المعنوية، وكانَ الخطاط يُقدَّر تقديراً عالياً لإتقانه هذا الفنَّ الرائع ،
وقام العالم الأوزبكي 'مرادوف' ببحوثٍ علميةٍ في دراسة تاريخ الخطِّ العربي وفنّه في وسط آسيا، معتمداً على الرسالة العلمية لخطِّ العلامة 'محمد ابن حسين الطبي' و 'الحبيب'، فقد أشار إلى أنَّ أنواع الخطِّ العربي كانَ عددها يناهز الستة والثلاثين خطاً، علماً بأنها كانت هي نفسها خطوط الكتابة الأوزبكية القديمة المبنية على الأبجدية العربية، وعدَّدها كما يلي:‏
الكوفي، والتمار، والجليل، والمجموع، والرئاسي، والثلثان، والنصف، والجوانهي، والمثلث، وغباري الحلية، والمنصور، والمقترن، والحواشي، والأشعار، واللؤلؤ، والمصاحف، وفزاح النسخ، والغبار، والأحد، والمعلَّق، والمؤامرات، والمعماة،والمحدث، والمدمّج، المكوّر، والممزوج، والمفتاح، والمؤلف، والمخفف، والمرسال، والمبسوط، والتوءمان، والمعجز، والمخلع، والديواني، والسياقة.

‏ يظهر مما سبق أنَّ الخطَّ العربي تطوَّر في منطقة وسط آسيا تطوُّراً كبيراً، وفي أثناء حكم الأمير تيمور اختُرع نوعٌ من الخطِّ الأوزبكي القديم المبني على الأبجدية العربية سمِّي بخطِّ النستعليق ، فقد قام كبير الخطاطين 'مير علي التبريزي' و 'سلطان علي مشهدي' باختراع هذا الخطّ، وشاع استعماله في فنِّ صناعة الكتب في وسط آسيا ، وقد أسس الخطاط 'مير علي هراوي' -من هراة- مدرسة بخارى للخطِّ، وتعلَّم عليه خطاطون كبار مثل: حلوان، ومير عبيد، والمولى ساقي محمد، وقولنكي، وعبد الله كاتب، الذين ألَّفوا العديد من كتب الخطِّ العربي في البلاد، واشتُهرت مؤلفاتهم حتى وصلت إلى الشرق العربي أيضاً.‏
وكان ثمّة عاملٌ مهمٌ لتصبح بخارى من أكبر المراكز للخطِّ العربي، فبعد الفتوحات الإسلامية في وسط آسيا تحوَّلت هذه المدينة إلى مكانٍ مهمٍ للحضارة الإسلامية والثقافة العربية، وشُيِّد فيها الكثير من المدارس والمساجد والمراكز العلمية، وقام أغلب العلماء والفقهاء والمحدِّثين والمؤرخين بتأليف كتبهم في مسائل الدين الإسلامي الحنيف في هذه المدينة بالذات، كما أتى إليها الطلاب من جميع أقطار الشرق للحصول على العلم والمعرفة، فساعد هذا في تطوُّر فنِّ الكتابة والخطِّ العربي، وهكذا أصبحت بخارى من أكبر المراكز العلمية لفنِّ الخطِّ العربي في منطقة وسط آسيا وبلاد السند والهند أو ما وراء النهر .
--------------------------------------------------------------------------------

أهل الخط:
أوائل الكتبة من المسلمين: لقد سمِّي خطُّ هؤلاء الأوائل بالخطِّ الحجازي ، وهو أصل خطّ النسخ.

وقد كان من كتّابه بعض أسرى النبي صلى الله عليه وسلَّم من أهل قريشٍ في بدر، فاشترط على كلِّ واحد منهم تعليم عشرةٍ من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين، وحضَّ صلى الله عليه وسلَّم على تعليمها.

وكانَ من أشهر كتّاب الصحابة رضي الله عنهم عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

ولمَّا فتح المسلمون الممالك ونزلت جمهرة الكتّاب منهم الكوفة، عنوا بتجويد الخطِّ العربي وهندسة أشكاله، حتى صار خطَّ أهل الكوفة ممتازاً بشكله عن الخطِّ الحجازي، واستحق أنْ يسمَّى باسمٍ خاصٍّ وهو ( الخطُّ الكوفي) وبه كانت تكتب المصاحف وتحلّى القصور والمساجد وتسكُّ النقود.
--------------------------------------------------------------------------------

الخطاطون الأوائل:
ورد في كتاب (أبجد العلوم) لصاحبه صدّيق بن حسن القنوجي كلامه في علم الخط _ فصل في أهل الخط العربي _ قال ابن إسحاق: أول من كتب المصاحف في الصدر الأول ـ ويُوصف بحسن الخطِّ ـ خالد بن أبي الهياج ، وكان سعد ابن أبي وقاص والي الكوفة أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد نصَّبه لكتابة المصاحف ، وكان الخطُّ العربي حينئذٍ هو المعروف الآن بالكوفي، ومنه استُنبطت الأقلام كما في كتاب (شرح العقيلة).

ومن كتّاب المصاحف خشنام البصري، والمهدي الكوفي، وكانا في أيام الرشيد.ومنهم أيضاً أبو حُدى وكان يكتب المصاحف في أيام المعتصم وهو من كبار الكوفيين وحُذَّاقهم،
وأول من كتب في أيام بني أمية ( قطبة المحرر ) وقد استخرج الأقلام الأربعة، واشتقَّ بعضها من بعضٍ وكان أكتب الناس في زمانه . ثُمَّ كان بعده الضحاك بن عجلان الكاتب في أول خلافة بني العباس فزاد على قطبة. ثُمَّ كان إسحاق بن حماد في خلافة المنصور والمهدي، وله عدَّة تلاميذٍ كتبوا الخطوط الأصلية الموزونة..

وحين ظهر الهاشميون استُحدث خطٌّ يسمَّى العراقي، وهو المحقَّق، ولم يزل يزيد حتى انتهى الأمر إلى المأمون فأخذ كتّابه بتجويد خطوطهم، وظهر رجلٌ يُعرف بالأحول المحرِّر، فتكلَّم على رسومه وقوانينه وجعله أنواعاً.

ثُمَّ ظهر قلم المرصَّع وقلم النساخ، وقلم الرياسي اختراعُ (ذي الرياستين: الفضل بن سهل)، وقلم الرقاع، وقلم غبار الحلية.

ثُمَّ كان إسحاق بن إبراهيم التميمي المكنَّى بأبي الحسن معلِّم المقتدر وأولاده أكتب أهل زمانه، وله رسالةٌ في الخطِّ أسماها ( تحفة الوامق).

ومن الوزراء الكتّاب أبو علي محمد بن علي بن مقلة المتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة، وهو أول من كتب الخطَّ البديع وخطَّ النسخ الذي انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وهندس الحروف وأجاد تحريرها . ثُمَّ ظهر صاحب الخطِّ الجميل علي بن هلال المعروف بابن البواب المتوفَّى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ولم يُوجد في المتقدمين من كتبٍ مثلَه ولا قاربَه، وإنْ كان ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خطِّ الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطُّه في غاية الحسن ، لكنِّ ابن البواب هذب طريقته ونقّحها وكساها حلاوةً وبهجةً، وكان شيخه في الكتابة محمد بن أسد الكاتب.

ثُمَّ ظهر أبو الدرِّ ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي المتوفَّى سنة ستٍ وعشرين وستمائة، ثُمَّ ظهر أبو المجد ياقوت بن عبد الله الرومي المستعصمي المتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين وستمائة، وهو الذي سار ذكره في الآفاق وعجز الكتّاب والخطاطون عن مداناة رتبته.

ثُمَّ اشتُهرت الأقلام الستة بين المتأخرين وهي: الثلث والنسخ والتعليق والريحان والمحقَّق والرقاع... ثُمَّ ظهر قلم التعليق والديواني والدشتي، وكان ممن اشتُهر بالتعليق سلطان علي المشهدي، ومير علي، ومير عماد، وفي الديواني تاج وغيرهم.
--------------------------------------------------------------------------------

وقفة مع بعض الخطاطين الأوائل :
الخطاط ابن مقلة :
لابد من ذكر جهود الوزير ابن مقلة وأخيه الخطاط أبي عبد الله الحسن، فهما اللذان تمَّت على أيديهما هندسة خطِّ النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن، وهما اللذان قدَّرا مقاييس الحروف وأبعادها وضبطاها ضبطاً جيداً وأنشأا لعلم الخطِّ القواعد المعروفة . وابن مقلة هو الوزير أبو علي محمد بن علي بن مقلة ولد ببغداد في شوال سنة 272 هجرية ، نشأ في أسرةٍ متواضعة الحال ذات فضلٍ وعلمٍ وفنٍّ، اشتُهر عميدها وبعض أبنائها بجودة الخطِّ ،ولقد وصلت أنواع الخطِّ في عصره إلى عشرين نوعاً إختصرها إلى ستة أنواعٍ رئيسيةٍ هي : الثلث ، النسخ ، التعليق ، الريحان ، المحقَّق ، الرقاع ، .. ولقد كتب ابن مقلة المصحف مرتين وله رسالتان في الخطِّ الأولى هي ( ميزان الخطِّ ) وهي موجودةٌ في مكتبة العطارين في تونس والأخرى هي ( رسالة في علم الخطِّ والقلم ) وهي موجودةٌ في دار الكتب المصرية .

الخطاط ابن البواب:
هو أبو الحسن علي بن هلال من أعاظم الخطاطين بالعربية وكان شيخه في الكتابة محمد بن أسد الكاتب ، لُقِّب بابن البواب لأنَّ أباه كان بوَّاباً لدى آل بويه ، أقام الخطَّ على قواعدَ جماليةٍ وخلق بعده مدرسةً في الخطِّ تجري على آثاره … ولم يُوجد في المتقدمين ولا في المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه وإنْ كان ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خطِّ الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة وبذلك كانت له أفضلية السبق ، كتب ابن البواب 64 مصحفاً وتوفي سنة 413 هجرية . وقد هذّب طريقة ابن مقلة ونقَّحها وكساها حلاوةً وبهجةً، فقد أكمل ابن البواب وتمَّم قلم التوقيع وأحكم قلم النسخ وحرَّر قلم الذهب وأتقنه ووشَّى الحواشي وزيَّنه وبرع في الثلث وخفيفه وأبدع في الرقاع والريحان وميَّز قلم المتن والمصاحف وكتب بالكوفي.

الخطاط ياقوت الرومــي :
هو جمال الدين ياقوت المستعصمي الطواشي البغدادي أحد مماليك الخليفة المستعصم بالله العباسي كنيته أبو الدرّـ وأبو المجد أصله من مدينة أماسية في بلاد الروم ، أخذ الخطَّ عن الكاتبة زينب وقلّد خطوط ابن البواب ومن تلاميذه نجم الدين البغدادي وعلم الدين سنجر ، توفي ياقوت في سنة 698هجرية ببغداد.

الخطاط البوصيري :
هو شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري (608-695)هـ صاحب البردة كان جيد الخطِّ و قد تعلَّم على يده أكثرُ من ألف طالبٍ .
--------------------------------------------------------------------------------

الخطاطون المتأخرون :
ومن أشهر هؤلاء الشيخ حمد الله الأماسي، وجلال الدين، ودرويش علي، والحافظ عثمان، وعبد الله زهدي، وهو الذي خطَّ بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي الشريف، ومحمد مؤنس أفندي، وعلى يديه وعلى يدي تلميذه محمد جعفر بك تخرَّج جميع خطاطي مصر فيما بعد.

ومن أشهر الخطاطين في الحقبة الأخيرة: الشيخ عبد العزيز الرفاعي وسامي أفندي، وأحمد كامل، وهاشم محمد البغدادي، وحامد الآمدي، ومحمد عارف، وبدوي الديراني، وحسنى البابا.

لقد عاش الخطُّ العربي في مصر حقبةً تاريخيةً طويلةً . امتدت من 297 هـ إلى 917 هـ لاقى فيها هذا الفنُّ عنايةً فائقةً فانتشر على يد عفيف الدين وطبقته . وبرز الخطاط طبطب الذي يُنسب إليه تجويد مدرسة الخطِّ العربي في مصر خلال العصر الطولوني ثُمَّ ظهر بعد ذالك ابن أبي رُقيبة وشمس الدين الرفتاوي وابن الصايغ الذي أحبَّ طريقة عفيف الدين . وكان لهؤلاء أثرٌ بالغٌ في تطوير الخطِّ العربي.
وبعد هذه الفترة التاريخية عانت مصر كغيرها من البلدان العربية من تخلُّفٍ كان من نتائجها أنْ بسط الاستعمار نفوذه على البلاد وعمل جاهداً على طمس كلِّ ما هو حضاريٍّ وتراثيٍّ ؛ وكان منها هذا الفنُّ الجليل، غير أنَّ مصــراً أبت إلا أنْ تكون رائدةً باهتمامها بتراث الأمة الفنية . فعمدت سنة 1921م إلى استقدام الخطاطين البارزين من الأتراك لتعليم أبناء مصــر . وفتحت المدارس والمعاهد الخاصَّة بذلك،مما أدَّى إلى ظهور مجاميعٍ كبيرةٍ من الخطاطين المصــريين ممَّا أوجب الإشارة إلى أبرز المبدعين منهم والذين هم من خطاطي الفترة المتأخرة :
يوسف أحمد- غزلان بك- محمد حسني- محمد علي المكاوي – محمد إبراهيم- سيد إبراهيم .
--------------------------------------------------------------------------------

الخطاطون المعاصرون :
إنَّ تجويد الخطِّ العربي والدقَّة والكمال في الكتابة, ميدانٌ واسعٌ من ميادين الفنون الإسلامية اشتُهر فيه الكثير من الخطاطين في العصر الحديث ونذكر فيما يلي لمحةً موجزةً عن حياة عددٍ منهم :

الخطاط محمد أوزجاي :
ولد الخطاط محمد أوزجاي بمدينة جاي قره التابعة لولاية طرابزون بتركيا في صيف عام 1961م وتخرَّج عام 1986 من كلية الشريعة التابعة لجامعة أتاتورك بأرضروم ، وتعرَّف هناك على الخطاط فؤاد بشار عام 1982م فتعلَّم على يديه خطَّ النسخ ثُمِّ الثلث ، بعد ذلك تعرَّف على الدكتور مصطفى أوغور درمان فكان الدليل والمرشد له في هذا المجال .

كتب محمد أوزجاي ما يقارب الخمسين حلية نبوية شريفة حازت على إعجاب محبي الخطِّ العربي أينما جال بها في معارضه زيادةً في شرف كتابة المصحف الشريف الذي طُبع عدَّة مراتٍ ، وله مقتنياتٌ كثيرةٌ داخل تركيا وخارجها ، وطُبع العديد من أعماله ونُشر في الدوريات والتقاويم السنوية .

الخطاط إسماعيل حقي :
في عاشر ذي الحجة عام 1289هـ وفي محلة تعرف باسم 'قورو جشمة' في استنبول ولد الخطاط القدير أباً عن جد 'إسماعيل حقي' وكان والده تلميذاً لقاضي العسكر مصطفى عزت أفندي وعمل إسماعيل حقي بعد دراسة الرسم والنقش في ' مدرسة الصنايع النفسية ' موظفاً بقلم الديوان الهمايوني فتعلم فيه الخط الديواني والديواني الجلي والثلث الجلي والطغراء على يد الخطاط الأشهر سامي أفندي ، ثم أصبح كاتب الطغراء الثاني ، ثم الكاتب الأول .عمل بتدريس الزخرفة عقب صدور قانون أتاتورك بتغيير الحروف العربية إلى اللاتينية .ولُقب 'بآلتون بَزَرْ ' أي نقاش الذهب ، لتدريسه فن الزخرفة خارج الأسلوب التقليدي .وقد ترك إسماعيل حقي تراثاً غزيراً متميزاً - خاصة في الثلث الجلي والديواني والطغراء - وتشهد له بذلك الجوامع والقباب باستنبول .

الخطاط جلال أمين صالح :
ولد الخطاط جلال أمين صالح بالأردن عام 1946م ، وحصل على الليسانس في الجغرافيا ، وكذلك درجة الدبلوم في الخط العربي ، عمل بتدريس الخط سنوات عديدة وأقام المعارض الكثيرة في الرسم والخط العربي وله كتاب في الخط بعنوان 'مذكرات في الخط العربي' . عمل خطاطاً لإدارة المراسم الملكية بالمملكة العربية السعودية أثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بالطائف عام 1401هـ . فاز أكثر من مرة بالمسابقة العالمية للخط العربي التي تقام باستنبول في تركيا .

الخطاط بدوي الديراني :
ولد الخطاط السوري الكبير محمد بدوي الديراني عام 1894 بدمشق ، ودرس قواعد التعليق الذي اشتهر به وصار فيه صاحب مدرسة خاصة على يد الخطاط مصطفى السباعي ، ثم درس النسخ والثلث والرقعة والديواني على يد الأستاذ يوسف رسا ، كما درس الكوفي والديواني الجلي على يد الأستاذ ممدوح الشريف الذي صاحبه مدة سبعة عشر عاماً . له زيارات كثيرة إلى مصر واستنبول . وكان ورعاً في كتابة الخط ، فلم يكن يمتهنه أو يبذله لغير هدف أسمى وقد رفض أن يكتب الخط العربي داخل كنيسة مع كل الإغراءات ، وبذل أضعاف ثمن الكتابة ، لأنه كان يؤمن بأن الحرف العربي شريف ولا يكتب به ما لا يرضي الله عز وجل .توفي بدمشق في 25 يوليو 1967 م .

الخطاط مختار البابا :
ولد مختار البابا في بيروت عام 1938 ، تعلم أصول الخط على يد والده الخطاط كامل البابا ، وخرجت أوائل لوحاته في أوائل السبعينيات وأسلوبه تقليدي في توجهه الفني رغم تجربته في ( الحروفية ) التي حاول من خلالها استخراج مكامن الجمال في الحروف العربية التي يجعلها مزيجاً من التماثل الهندسي والتناسق اللوني ، وإلى جانب كونه فناناً فهو خبير خطوط بالمحاكم العدلية اللبنانية . شارك مختار البابا في كثير من الفعاليات التعليمية الهادفة لتطوير مهارات الكتابة العربية، لدى معلمي اللغة العربية طبع عدداً من الأمشق التدريبية لأساليب الكتابة الصحيحة للأطفال والناشئة، ويعمل حالياً معلماً للخط العربي واللاتيني في مدارس جمعية المقاصد كما أنه يعلم الخط والزخرفة العربية في مدرسة عبد الهادي الدبس التقنية. أقام مختار البابا عدة معارض فنية بالعالم العربي له مرسم فني في بيروت.

الخطاط مأمون صقّال:
مأمون صقّال سوري الأصل تلقى دروس الرسم والطباعة بمعهد حلب للفنون بسوريا ثم حصل على درجات علمية من جامعتي حلب وواشنطن.بدأ صقال الرسم في سن مبكرة جداً وتدرب على الأنماط الأوروبية، بعد ترحاله إلى أمريكا عام 1978أمضى وقتاً طويلاً في تعلم وفهم التراث والثقافة العربية، وشيئاً فشيئاً تحولت رؤيته من الفن الأوروبي إلى الفن العربي الإسلامي بدأ تجاربه باستخدام الخط بطريقة تشكيلي وذلك منذ منتصف الستينيات، ونفذ لوحات مائية مجردة مستفيداً من فهمه الذاتي ورؤيته الخاصة بالحرف العربي وتشكيلاته. أخذ في الآونة الأخيرة يستخدم الكومبيوتر لتنفيذ تصميمات خطية معتمدة على أشكال الحرف التقليدية وأصدر مجموعته الأولى من المقتطفات الكمبيوترية للتصميمات العربية عام 1992 والتي ستظل تجارة رائجة بسبب طبيعتها الكلاسيكية. دمج صقال في إنتاجه الأخير الحروف العربية بالقطع المعمارية للمباني التي ترجع إلى العصور الوسطى خاصة تلك القطع التي وجدت في مدينته حلب التي نشأ فيها، حاز صقال جوائز عديدة على إنتاجه الفني وأعماله التصميمية كان آخرها حصوله على المركز الأول في الخط الكوفي بالمسابقة العالمية الثالثة لفن الخط التي عقدت باستانبول في تركيا، بالإضافة لذلك فإن صقال يعمل بالتصميمات الداخلية المعمارية وإعمال الجرافيك بالإستديو الذي يملكه مدينة 'بوذل' بأمريكا ويحاضر في الفن الإسلامي بجامعة واشنطن.

الخطاط محمد عبد القادر:
ولد الأستاذ محمد عبد القادر بالقاهرة عام 1917م، بدأ تعلم فن الخط العربي بمدرسة خليل آغا على يد الأستاذ / محمد رضوان الذي كان مشرفاً فنياً على مدرسة تحسين الخطوط حينذاك. حصل على المراكز الأولى في سنوات دراسته كما نال المركز الأول بدبلوم الخطوط عام 1935 ومنح جائزة الملك السابق فؤاد وعمره ثمانية عشر عاماً. عمل خطاطاً بمصلحة المساحة، كان أول الجمهورية بدبلوم التخصص عام 1937م ومنح جائزة الملك السابق فاروق وعمره عشرون عاماً.عمل أستاذاً منتدباً بمدرسة تحسين الخطوط العربية بالجيزة، كذلك بكلية الفنون التطبيقية.منح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.

توفي محمد عبد القادر بعد أن ترك أجيالاً من التلاميذ ما يزال عطاؤهم مستمراً بمدارس تحسين الخطوط العربية بمصر.
--------------------------------------------------------------------------------

العلوم المتعلقة بعلم الخط:
وإننا ونحن نسرد نبذة مختصرة عن علم الخط يهمنا أن ننبه إلى ماسماه بعض العلماء علوماً متعلقة بكيفية الصناعة الخطيّة.

فمن ذلك علم أدوات الخط : من القلم، وطريق بريه، وأحوال الشق والقط، ومن الدواة والمداد والكاغد. وقد ذُكر أنّ ابن البواب نظم في هذا العلم قصيدة رائية بليغة استقصى فيها أدوات الكتابة، أي معرفة كيفية نقش صور الحروف والبسائط، وكيف يوضع القلم، ومن أي جانب يُبدأ في الكتابة، وكيف يسهل تصوير تلك الحروف. ومن المصنفات في علم أدوات الخط (الباب الواحد) من كتاب صبح الأعشى.

ومن ذلك علم تحسين الحروف : الذي قيل عنه في كتاب (مدينة العلوم): هو علم يعرف منه تحسين تلك النقوش، وما يتعلق به من كيفية استعمال أدوات الكتابة وتمييز حسنها عن رديئها وأسباب الحسن في الحروف آلةً واستعمالاً وترتيباً، ومبنى هذا الفن الاستحسانات الناشئة من مقتضى الطباع السليمة وتختلف صورتها بحسب الإلف والعادة والمزاج، بل بحسب كل شخص، ولهذا لايكاد يوجد خطان متماثلان من كل الوجوه.

ومنها أيضاً علم كيفية تولد الخطوط: عن أصولها بالاختصار والزيادة، وغير ذلك من أنواع التغيرات... الخ.

ومن أهم علوم الخط علم ضبط المصحف الشريف الذي هو مجمع اهتمام الخطاطين جميعا، فللمصحف خط خاص حسبما اصطلح عليه الصحابة رضوان الله عليهم عند جمع القرآن على ما اختاره زيد بن ثابت وفي هذا العلم قصيدة (العقيلة) الرائية للشاطبي.

قال في الكشاف: وقد اتفقتْ في خط المصحف أشياءً خارجةً عن القياس، ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان، لاستقامة اللفظ وبقاء الخط، وكان إتباع المصحف سنة لا تخالف...

وقال ابن درستويه في كتاب ( الكتّاب): خطان لا يقاسان: خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأنه يثُبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه.
--------------------------------------------------------------------------------

تطور الخط العربي في كتابة المصحف الشريف:
المصحف الشريف له مكانة مقدسـة في نفوس المسلمين لما يتضمنه من كلام الله تعالى.. لهذا فقد لقي رعاية بالغة منهم عبر التاريخ من ناحية الشكل والخط والتزيين، فضلاً عن المواد المستخدمة في ذلك من صحف وعسب وورق ولخاف (بعض أنواع الحجارة ) وغير ذلك من مواد الكتابة وفنـون التجليد.

رحلة الخط العربي في أرقى مستوياتها عكسها وأشعها المصحف الشريف عبر العصور من خلال تنافس وتباري الخطاطين في كتابته ونسخه وإجادة خطه وهي تخلد ذكراهم وتقربهـم إلى الله تعالى.يرجع الفضل إلى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في جمع المصحف الشريف من صدور الحفظة بعد استشهاد عدد كبير منهم في معركة اليمامة، واستجابة لاقتراح من عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال له: 'إن القتل قد استحرَّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحرِّ القتل بالقراء في المواطن كلها وأرى أن نأمر بجمع القرآن '
ولكن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تردد في البدايـة خشية أن يفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد فترة شرح الله صدره لما اقترحه عمر بن الخطاب فكلّف زيد بن ثابت وقال له: ' إنك شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فتتبع القرآن '.

يقول زيد بن ثابت: ' فتتبعت القرآن أنسخه من الصحف والعسب واللخاف وصدور الرجال. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من ذلك '.
ومن هنا جُمع المصحف على صحائف من الرقّ متشابهة في الطول والعرض متفقة في النوع مرتبة بين دفتين بعد أن كان مدوناً على قطع كبيرة وصغيرة من العظم والعسب والألـواح واللخـاف.

كان شكل كتابة زيد بن ثابت بأن يترك فراغاً بين كل آية وأخرى أوسع قيلاً من الفراغ الذي كان يتركه بين كل كلمة وأخرى، كذلك كان يترك فراغاً أوسع قليلاً من الفراغ الذي كان يتركه بين كل سطرين متتاليين في حالة الفصل بين السـور وكان يستخدم الخط الجاف الذي يميل إلى التربيع أو الخط ذا الزوايا والخط اللين الذي يميل إلى الاستدارة وكان الخط الأول (الجاف) يستعمل عادة في الشـئون الهامة، بينما يستعمل الخط الثاني في الشئون اليومية العادية، وقد استخدمه الصحابة حينما كان يمليهم الرسول شيئاً من القرآن لسهولته ويسره، والراجح أنّ الخط الذي كتب به زيد بن ثابت صحائف أبي بكر كان من النوع الجاف الذي يمتاز بجلالته وفخامته، والذي تمثله المصاحف المكتوبة بالخط المعروف (الخط الحجازي) والتي وصلت إلينا تطوراً له في شـكل المصاحف المعروفـة.

بعد الفتوحات تعددت اللهجات وحدثت مشكلات من خلال تعدد المصاحف الأمـر الذي جعل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه يوحّد المصحف. ويكتب المصحف العثماني المتداول حتى الآن.

لقد حسـم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذه القضية بعد استشارة الصحابة فأجمعوا على ضرورة نسخ القرآن نسخة موحدة منطلقة من صحف أبي بكر الصديق رضي الله عنه مكتوبة بلسان قريش تكون مرجعاً، ونسخ منها عدة نسخ وأرسل منها إلى الأمصار، أهل الشام ومصر والبصرة والكوفة ومكة واليمن، وأقرّ بالمدينـة مصحفاً، وهذه المصاحف يقال لها (المصاحف الأئمة )، وكلها بخط زيد بن ثابت، ويقال لها المصاحف العثمانية برغم أنها ليست بخط عثمان رضي الله عنه لكن ذلك نسبة إلى أمـره وعهـده.
وقـد أرسل عثمان بن عفان مع كل مصحف من المصاحف المرسلة إلى الأمصار إماماً قارئاً، فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، و عبد الله بن السائب مقرئ المصحف المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ المصحف الشامي، وأبو عبد الرحمن مقرئ المصحف الكوفي، وعامر بن عبد قيس مقرئ المصحف البصري،
ويرجّح أن هذه المصاحف كتبت بالخط المدني الذي كان في المدينة على الرقوق المصنوعة من الجلد حيث أجمع الصحابة على كتابة القـرآن على الـرقّ لطـول بقائه ولأنه الموجود عندهم حينئذٍ.

مصيـر المصـاحف الأئمـة: يـروي ابن كثير أنّ أشهر هذه المصـاحف بجامع دمشق شرقي المقصورة، وقد كان بمدينـة طبرية ثم نُقل إلى دمشق سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رآه ابن كثير (كتاباً عزيزاً جليلاً ضخماً بخطٍ حسن مبين قـوي بحبرٍ محكم في ورقٍ يظنـه من جلود الإبـل ).
بالنسبة للمصحف الذي كـان يقرأ فيه عثمان رضي الله عنه عندما قتل عام 35 هجري كان موجوداً في مطلع القرن الثالث الهجري كما يقول أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 222 هجري: 'رأيت المصحف الذي يقال له الإمام، مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، استُخرج لي من بعض خزائن الأمراء وهو المصحف الذي كان في حجـره حين أصيـب '.
--------------------------------------------------------------------------------

أول مـن كتب المصـاحف:
ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست أنّ أول من كتب المصاحف في الصدر الأول للإسلام ووصف بحسن الخط هو (خالد بن أبي الهياج)، حيث رأى ابن النديم مصحفاً بخطه وكذلك أيضاً شخص يدعى (سعد خصه) كان يكتب المصاحف للخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (86-96هـ /705 –715م)،
ويذكر أنه هو الذي كتب الآيات القرآنيـة الموجودة في قبلة المسجد النبوي في المدينة بالذهب من{ والشمس وضحاها} إلى آخر القرآن،
أما المصحف المعروف بـ(مصحف أماجور) في العصر العباسي بين سنتي (256-264هـ) فيعدّ أقدم المصاحف التي تحمل تاريخاً محـدداً. ويتعـرف الخبراء على المصاحف الحجازية أو الكوفية المبكرة من خلال طريقة شكل كلماتها وغياب الأعجام عن أغلب حروفها المتشابهة، كما تتميز كذلك بأن عرضها أكثر طولاً من ارتفاعها.
--------------------------------------------------------------------------------

مسيرة تطور الخط العربي من خلال المصحف الشريف:
نشـأ الخط العربـي متأثراً بالخـط النبطـي وكان التطور الأول للخط العربي في الحجاز في القرن الأول متمثلاً فيما يطلق عليه الخط الحجازي، هو خط مائل إلى طرف اليد اليمنى، وفي القرن الثاني أصبح الخط الكوفي- نسبة إلى الكوفة – هو الخط الذي كتبت به المصاحف، وهو خط جاف، ولمـا بدأت حركة التأليف والترجمة لجـأ الورّاقون إلى ابتكار أسلوب جديد للكتابة أُطلق عليه الخط الوراقي أو الخط المحقَّق، وهذا الخط هو الذي أَدخَل عليه بعد ذلك إصلاحات مهمة كل من ابن مقلة في القرن الرابع الهجري، وابن البواب في القرن الخامس الهجري، فقد جعل ابن مقلة للخط العربي نِسَباً هندسيّـة بالقياس إلى حرف الألف، ثم أضفى ابن البواب مسحة جمالية على الخط طوّرهـا بعد ذلك ياقوت المستعصمي حيث بلغ الخط العربي في مدرسة بغـداد قمة ازدهـاره. وبعـد سقوط بغـداد ورثت القاهرة عملية تطوير الخط العربي مع ابن الوحيد وابن الصائغ والطيبي حتى ظهور المدرسة العثمانية التي أدخلت تطوراً مهماً على الخط النسخ والثلث، وأصبح خط النسخ يعرف بخادم المصحف بحيث أصبح المصحف لا يكتب إلا بالنسخ.
--------------------------------------------------------------------------------

مجموعـات المصاحف النـادرة:
توجـد أكبر وأروع مجموعات المصاحف في العالم دون شك في مكتبة متحف باستنبول، وهي المصاحف التي كانت في الخزانة الخاصة بالسلاطين من آل عثمان،
كما توجد مجموعات أخرى في إيران بقبـة الإمام الرضي ،
ومجموعة ثالثة بدار الكتب المصرية بالقاهـرة، وكذلك في الهند والقيروان،
ومع الأسف توجد مجموعات خارج العالم الإسلامي في المكتبـة البريطانية بلندن والمكتبة الوطنية بباريس ومكتبة الفاتيكان بروما، ومكتبة شيستربتي بدبلـن، ومع الأسف الشديد أيضاً فإنه باستثناء مجموعة مكتبة شيستربتي التي جُمعت بعناية فائقة فإن اقتناء بقيـة المكتبات خارج العالم الإسلامي لهذه المصاحف لم يكن بشكل منظم ودقيق مثل مخطوطات الأدب والتاريخ والعلـوم.

ونستطيع أن نضيف إلى هذه المجموعات مجموعتين خاصتين ذاتـي قيمة كبيرة: الأولى المجموعة التي بدأ في تكوينها ناصر خليلي منذ أكثر من عشرين سنة وتوجد الآن في لندن )، والثانية التي جمعها الدكتور عبد اللطيف جاسم كانو وأهداهـا (بيت القرآن) الذي أسسه في البحرين 1990ميلادية.·
كما تميـز العصر المملوكي بالثـراء الثقافي وخلف العديد من نسخ المصحف المخطوطة ومن بينها المصاحف التي تحتفظ بها دار الكتب المصرية ( مصحف السلطان الناصر محمد بن قلاوون) الموقوف على جامعة بالقلعة سنة 730هـ، وهو مكتوب بالخط المحقق بماء الذهب المشعر بالأسود مقاسه(54×38سم ) ثمانية أسطر، ومصحف أمر بكتابته السلطان الناصر بن محمد بن قلاوون سنة( 575هـ /1356م ) ثم وقفـه السلطان أبو المظفر شعبان على المدرسة المعروفة بأم السلطان بخط التبانة في ذي القعدة سنة 769هـ. ومصحف السلطان 778هـ على مدرتـه وهو بالخط المحقق كتبه في (5) محرم سنة 477 علي بن محمد وذهّبـه إبراهيم الآمدي مقاسه (73 ×52سم ) 13 سطراً ومصحف في جزأين بالخط الريحان وقفـه السلطان شعبان سنة 770هـ وهو من تذهيب إبراهيم الآمدي مقاسه 75.5× 56سم ) 7 أسطر ، ومصحف السلطان برقوق كتبه عبد الرحمن بن الصائغ بقلم واحد في مدة ستين يوماً وفرغ منه في (6) ذي الحجة 801هـ مقاسه (105×80سم ) 11 سطراً ، ومصحف السلطان فرج بن برقوق كتبه أيضاً عبد الرحمن بن الصائغ سنة 814 هجري مقاسه ( 95×75سم ) 11 سطراً ، ومصحف السلطان المؤيد شيخ 820هـ (98×78سم ) 11 سطراً ، و9 مصاحف للسلطان الأشرف برسباي ما بين سنتي 821و841هـ وعدد من المصاحف للسلطان الأشرف أبي النصر قايتباي 889هـ. ومصحف الغوري سنة 908هـ.

مسيرة المصحف في الدولـة العثمانية: بعد سقوط دولة المماليك في مصر في مطلع القرن العاشر الهجري، أصبحت اسـتانبول عاصمة الخلافة الإسلامية بمقر الخلفاء العثمانيين هي مركز الفكر والفن في العالم الإسلامي الأمر الذي سـاعد على انتشار أسلوب الخط الجديد الذي طوره الخطاط التركي الشيخ حمد الله الأماسي. ومن ثم أصبح خط النسـخ منذ هـذا التاريخ هو الخط المفضل لكتابة المصاحف ووصفتـه المصادر العثمانية بأنـه خادم القـرآن فقد كانت المصاحف قبل ذلك تكتب بخطوط المحقق والريحان وأحياناً الثلث، بالإضافة إلى النسخ، فكتب ياقوت على سبيل المثـال المصاحف بخط النسخ وخط الريحان، كما أنه استخدم جميع هذه الخطوط في الصحيفة الواحدة في المصاحف ذات الحجـم الكبير، وقد أطـلق العثمانيون على المصاحف المكتوبة بهذا الشكل (طريقة ياقوت)، واستمرت نفس الأساليب عند التيموريين بالإضافـة إلى المدرسـة المصرية، ولم يستمر من هذه الخطوط سـوى الخط المحقق فقط الذي اسـتخدم في كتابـة البسملة، ثم هجر استعماله نتيجـة لعـدم قبوله للتراكيب لقـلة حـروفـه المقوسـة والمسـتديرة.
--------------------------------------------------------------------------------

الخط العربي فن وعلم وإبداع:
ليس الخط العربي مجرد رسم وكتابة فقط وإنما هو فن وعلم في آن معا وعادة ما يتوصل الخطاط إلى ذروة الإتقان والكمال الفني عن طريق معرفته العالية ببنية اللغة العربية ومدلولها الحرفي، ولهذا السبب احتلّ كبار الخطاطين مكانة كبيرة في المجتمع الإسلامي وذاع سيطهم ليس فقط كخطاطين وإنما أيضا كفنانين وعلماء جديرين بالاحترام، وقد قال عبد الحميد الكاتب ـ الوزير في عهد مروان بن محمد آخر خليفة في الدولة الأموية ـ ( أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم )، لقد ساعدت بنية الخط العربي، وما يتمتع به من مرونة وطواعية وقابلية للمدّ والرجع والاستدارة والتزوية والتشابك والتداخل والتركيب على ارتقاء الخط العربي إلى فن جميل، يُعنى فيه بالجماليات الزخرفية للحروف والكلمات. والخط العربي يعتمد فنًا وجمالاً على قواعد خاصة تنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة، وتستخدم في أدائه فنيًا العناصر نفسها التي نراها في الفنون التشكيلية الأخرى.

لقد انصرف الناس منذ القدم إلى تعلم هذا الفن ودراسته، معتمدين بذالك على استعداداتهم الفطرية ومواهبهم الطبيعية, فبرز فيه أناس قديرون كشفوا كنوزه الفنية وأوضحوا مقاييسه ونسبه، فكثر بذلك الخطاطون الذين مارسوا هذا الفن، ولما كانوا على درجات متباينة من الملكة في ضبط الخطوط العربية, فقد خلقت هذه الحالة التباين والتفاوت في قدراتهم وأوضحت لنا نموذجين من الخطاطين: الأول: الخطاط الاعتيادي.والثاني: الخطاط المبدع. الخطاط الاعتيادي هو من أدرك أساسيات الخطوط العربية وتعرف على أنواعها و بقي في حدود معرفته الضيقة، ولم يتمكن من مسايرة روح عصره وظل خطه دون غاية قدرته وتوقفت تجربته وتعسّرت لديه ولادة أنماط جديدة فأصبح فنه اعتيادياً لا يؤثر في وسطه.

الخطاط المبدع هو من أدرك أساسيات الخطوط العربية وتعرف على أنواعها فكان ولعه بها غريباً وإنتاجه جيداً وتراكيبه جميلة, يتمتع بالقدرة على ابتكار أشكال جديدة تفصح عن مهارته وحذقه وقدرته على الحفاظ على أصالة الخط، واستطاع أن يجد لنفسه أسلوباً مميزاً ويمتلك نظرة فاحصة وملاحظة دقيقة متجردة عن الأنانية واستطاع أن يؤثر في وسطه الفني. والإبداع لغة هو المحدث الجديد ويقال (فلان بدع في الأمر) أي أول ما فعله، والإبداع والابتداع هو عند الحكماء إيجاد شيء غير مسبوق بمكان وزمان، وإذا كان الإبداع يتمثل في الكشف عن زوايا جديدة لم يلتفت إليها أحد فمن الطبيعي أن تكون حالة الإبداع في الخط العربي حالة غير عفوية بل وتمكن وراءها جملة أسباب منها:
مهارة الخطاط المبدع: قدرة الخطاط على ابتكار نماذج فنية جديدة في الخط العربي أو إضافة مبدعة لتكويناته أو معالجة حديثة ومناسبة كل حالة تعبر عن مهارته وحذقه كما أنه يستشعر نشوة الانتصار بالتغلب على مشكلة واجهته للوصول إلى تآلف محبب بين عناصر لوحته ويتمتع الخطاط المتميز برغبة الميل إلى الاستحداث والابتكار وخاصة في فنه وهذا الميل خلق لديه نظرة فاحصة للأشكال والنماذج التي استحدثتها وأثرى بها الخطوط العربية كما أنها ساعدت بنفس الوقت على بثّ روح التطور والنماء في الخط العربي والقضاء على السأم والملل، فالإثارة والإعجاب ناتجة عن مقدرة الخطاطين المبدعين لسعة إطلاعهم وكفاءتهم للوصول إلى أنماط جمالية فريدة أثارت إعجاب الناس وشدت انتباههم، فالخطاط المبدع ينزع إلى الجديد المبتكر الذي يتحدى الخيال ويثير الإعجاب وكان يجمع بين الحيوان والطير والإنسان في صياغة تشكيلية جذابة، كذلك فإن التدريب المستمر والتركيز الذهني الجيد وحالة الإبداع التي يسعى وراءها الخطاط تطلّب منه تدريباً دقيقاً وتركيزاً ذهنياً جيداً لتنمو لديه ملكة الملاحظة الدقيقة، وإن حيوية الخطوط العربية وميزة التعبير الفني في الحرف العربي جعلته عرضة لمحاولات العاملين في الحقل الفني الهادفة لتقديم أشكال جديدة مبتكرة للخطوط العربية منها المقروءة ومنها المجردة، واستطاع الخطاطون أن يستوعبوا هذه الميزات بفهم ودراية عندما اكتشفوا إمكانية كتابة عبارة واحدة بأشكال مختلفة وكل ذالك ترك باب التجديد والخلود اللذين هما شرطان أساسيان لكل فن مفتوحاً أمام مواكبة روح العصر. والتطور الواسع للخطوط العربية يشير وبدلالة واضحة إلى قدرة الخطاطين لمواكبة روح العصر الذي عاشوا فيه حيث تشير إليه المصادر التاريخية علماً أنّ الخطوط اللينة تولّدت من الخط الكوفي وإن الخطاطين العرب الأوائل ينسب إليهم اختراع هندسة الخطوط وإيجاد أنواع جديدة في الخط العربي كالطومار وخفيف الثلث وثقيل الثلث وغبار الحلية التي اندثر معظمها. كما أن الخطاطين الأتراك أوجدوا الخطوط الهيمايونية (الديواني والجلي الديواني ) واخترعوا كذالك الطغراء والسياقة، كما ينسب إلى الإيرانيين اختراع خط النستعليق، كل هذه التطورات عاشت عصرها وجعلت من الخط العربي أبهى جمالاً وأحلى حلة.

التنافس المشروع: لحالة التنافس الشريف والمشروع أثرها البالغ في تطور أي جانب من جوانب الحياة والتنافس الذي حصل بين الخطاطين أدى إلى إتقان الخطوط العربية وتجويدها واستنباط حالة التجديد منها فكان من جرّاء ذلك أن وُلدت خطوط عربية جديدة واندثرت أخرى، وبرزت في مصر حركة إحياء الخط الكوفي واختراع التاج، ومن ثم الشروع بابتكار أساليب فنية مبسطة لتعليم الخط كما حصل في العراق وانتشار كراريس خطية لتعليم الناشئة وانتشار حركة المعارض الخطية هذه الأسباب وغيرها كانت وراء ظاهرة الابتكار والإبداع في الخط العربي.

يعتبر الخط العربي أول الفنون في المجتمع الإسلامي لالتصاقه الوثيق بالثقافة ولسمو معانيه ودقة مراميه. وكانت رتبة الرسام والمهندس دونه بكثير، وكان الخطاط يكتب أولا ويملأ المساحة التي تناسب الكتابة لأنها هي المقصود الأول، ثم يأتي المزخرف فيرسم حول الكتابة الزخارف المناسبة، إلي أن جاء كمال الدين بـهزاد معاصر الدولة التيمورية والدولة الصفوية فكان يرسم أولاً ويترك محلاً مناسباً ليأتي دور الخطاط، وبهزاد كان خطاطاً بالإضافة إلى كونه أعظم رسام أنجبته تلك البلاد فكان بمقدوره أن يترك المساحة المناسبة للخط. ومن الأدلة على أنّ الخطاط كان أعلى الفنانين في المجتمع الإسلامي؛ أنه هو الفنان الوحيد الذي يوقّع على عمله وكان غيره نادراً ما يوقع، وأنّ المؤرخين اهتموا بحياة الخطاطين أكثر من غيرهم، بل إنّ الملوك كانوا يقرّبون الخطاطين ولا يستغنون عنهم ساعة واحدة، ونُقِلَ عن بعضهم أنهم كانوا يحملون الدواة والخطاط يكتب بحضرتهم، كالشاه عباس الأول الصفوي كان يحمل الدواة للخطاط علي رضا، والسلطان بايزيد الثاني العثماني كان يحمل الدواة للخطاط حمدان الأماسي، وكان بعض الملوك خطاطين كالشاه طهماسب الصفوي والسلطان أحمد والسلطان محمود الثاني والسلطان عبد الحميد والسلطان عبد العزيز من العثمانيين. وكان مرتب رئيس الخطاطين في الدولة العثمانية مرتب وزير، وما يزال الخطاط في إيران يُعتبر في طليعة الفنانين، وكان الملوك يحبون أن يستقطبوا الخطاطين في ممالكهم ويزينوا عرائس عواصمهم.وقد ذكر في التاريخ أنّ الشاه إسماعيل الصفوي حبس الخطاط محمود النيسابوري، والرسام بهزاد في مغارة حين شبت الحرب بينه وبين السلطان سليم الأول العثماني خوفاً من فرارهما إلي الدولة العثمانية. وحين استولى عبيد أزبك خان على هراة أخذ الخطاط الكبير والشاعر الشهير مير علي الهروي إلى بخارى بدون رضاه فأقام في بخارى إلي أن مات سنة 951هـ، وهكذا فعل السلطان سليم حين استولى على تبريز فقد أخذ منها ستين فناناً إلى استانبول ليجمّل بها عاصمة ملكه. حتى وصل الأمر بالخطاط أن يتيه دلالاً أمام الرؤساء بفنه وهو مرفوع الرأس عالي المكانة. وأذكر في ذلك قصة الخطاط سنكلاخ أحد خطاطي مدينة تبريز ومؤلف كتاب ( تذكرة الخطاطين ) كان قد طلب منه محمد علي باشا في مصر أن يكتب له قصيدة البردة لتنقش في جامعه الذي أنشأه في قلعة صلاح الدين بالقاهرة، وحين أرسل سنكلاخ الخط قال لرسوله: إن قام محمد علي باشا لخطي فسلم إياه و إلا فلا، وحين وصل الرسول إليه قام محمد علي باشا ومن معه تعظيماً لخط سنكلاخ فدفع إليه الخط. والذي عُرف أنّ محمد علي باشا أعظم رئيس في العصر الحديث ظهر في البلاد العربية أنجز ما لم ينجزه غيره في السلم والحرب.
الخط العربي هو فن تشكيلي: إن من وصفه وصنفه في قائمة الفنون التطبيقية كان ذلك حين رأى الجمعيات الحرفية للخط العربي فظنه حرفة كباقي الحرف الوضيعة ولم يستيقظ هؤلاء من غفلتهم إلا بعد أن رأوا تقدير الغربيين للخط العربي ولا أدل على ذلك من طلب فرنسا من الحكومة السورية إقامة معرض للخط العربي في صالة العرض الكبرى في باريس عام 1976. وقد رأى الجميع كيف كان إعجاب ودهشة الزوار باللوحات المعروضة وكيف ينظرون إليها بعيون مسحورة لجمال تلك اللوحات، وقد طلبتْ أربع دول أوروبية إقامة ذلك المعرض في بلادها. ذلك أنهم وجدوا في الخط العربي ما توصلوا إليه أخيراً من أنّ الفن كل الفن يكمن في الفن التشكيلي التجريدي وأنّ الفن التطبيقي الواقعي مبتذل، وما يرسمه الفنان منه في سنة تصوِّره المصوِّرة في لحظة.

وإذا أردنا أن نعرف حقيقة الخط العربي وعظمته في أعين الغربيين فلنستمع إلي بيكاسو زعيم الرسم الحديث إذ يقول: 'إن أقصى ما وصلت إليه في فن الرسم وجدت الخط العربي قد سبقني إليه منذ أمد بعيد.'

فالفن التشكيلي إذن هو الفن الذي تحقََّق به أشكال جديدة علي يد الفنان التشكيلي فهو يبتكر ويبدع وينوّع في الأشكال ويحلّق في هذا التنويع دون محاكاة لأعمال الآخرين أو تقليد، ودون تقيّد بطريقة معينة أو قواعد مدونة وهذا يحتاج إلي خيال واسع ومراعاة لمقتضى الحال وتكيّف مع الحاجة المطلوب سدّها. ومن الفنون التشكيلية الرسم والنحت وكل عمل فيه تصميم وابتكار.أما الفن التطبيقي فهو الفن الذي يتقيّد فيه الفنان بتقليد عمل معين من أعمال غيره حتى يكون صورة مطابقة للأصل حتى كأنه قد طبّق صورة علي صورة ونقل منها. وهذا يحتاج إلي دقة في الملاحظة وقوة في اليد وإتقان في الأداء والتنفيذ. والفنان فيه تابع لأصله الذي ينقل منه دون أن ينصبَّ خياله في الجري وراء الجديد أو في انتقاء الأفضل من عدة خيارات، ومن الفنون التطبيقية التصوير والزنكوغراف والطباعة وكل عمل فيه محاكاة وتقليد.وتجدر الإشارة إلي أن العمل الفني يكون تشكيليا إذا كان بكراً لم يسبق إليه فإذا أُعيد مرّة ثانية بجملته وتفصيله كان عملاً تطبيقياً.

فالخط العربي هو فن تشكيلي إذ لا بد فيه من توزيع كثافة الخطوط توزيعاً عادلاً، ولا بدّ فيه من اختيار الشكل الأنسب إذا كان هناك أمامه خيارات عدة. ولا نسلّم أنَّ الحرف في الكتابة لا يتبدل ولا يتغير بل إنّ الحرف الواحد تختلف أبعاده حسب موقعه من الكلمة وحسب موقعه من الشكل العام، فالحاء الأولية في خط الثلث مثلاً إذا جاء بعدها امتداد طالت إلي ست نقاط، والنون المفردة أو الأخيرة تكون أكثر من خمس نقاط إذا كان في جوفها حرف كالواو أو غيره، فإن كان جوفها فارغاً كانت بمقدار خمس نقاط فحسب. والخطاط قد يغير في شكل الحرف تغييراً يسيراً في بعض المواطن للحاجة وهو ما يسمّى في عرف الخطاطين بالتصرف. وقد يحتاج إلي تسمين الحرف تسميناً زائداً على ما تقتضيه قواعد الخط المتبعة إذا كانت الكتابة كبيرة وفي موضع بعيد عن الناظر وهو ما يسمّى بالخط الجلي، فإن كانت الكتابة صغيرة وقريبة من العين كانت نحافتها عادية على حسب القاعدة وهذا ما يسمى بالخط الخفي. وقد يعمد الخطاط إلي صبّ الكتابة في إطارٍ عام كالدائرة والمثلث والمربع والمستطيل والشكل البيضي أو الملّوز. وقد يخترع أشكالاً أخري لا حدَّ لها ولا حصر. وقد يحتاج إلي أن يركّب الحروف في طبقات متداخلة ثلاثة أو أكثر، وقد يفضّل التماثل والتناظر في بعض الحروف إن ساعده النص كالألفات واللامات والجيمات والحاءات والخاءات المفردة أو الأخيرة وكالميمات القائمة أو المائلة وكالكافات المنبسطة أو القائمة وغير ذلك مما ليس له حصر. فيقع الحرف في جهة اليسار نظير الحرف في جهة اليمين مما يكّون شكلاً عاماً رائعاً يأخذ بالألباب وينتزع الإعجاب. والأشكال والأوضاع للجملة الواحدة كثيرةٌٌٌٌ جداً لا تكاد تنتهي. وبذلك يمكن تركيب البسملة من مئات الأشكال. ولو طُلب من عدة خطاطين كتابة عبارة واحدة لكتبوها بأشكال مختلفة. ويندر جداً أن تتفق الخواطر على شكلٍ واحدٍ مما يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنّ مجال الإبداع مفتوحٌ في الحروف ومفتوحٌ أكثر في الشكل العام الذي يتألف من الحرف. ولا يغيب عن البال أن الأبنية في البلد تختلف في الشكل والمساحة وإن كانت كلها مبنية من لَبِِن كله بمقاس واحد، فلا غرابة أن يختلف الشكل العام وإن كانت الحروف واحدة الشكل والنص واحد. فإن زاد التصرف والتغيير في الحروف حتى نكوِّن منها خطاً جديداً كان هذا الخط من الفن التشكيلي بغير نزاع.

وقد مالت كثيرٌ من نقابات الفنون الجميلة في البلاد العربية إلي اعتباره واحداً من الفنون التشكيلية الرفيعة.

وعلى الرغم من أن الخط العربي فن تشكيلي فإن هذا لا يمنع أن تكون هناك قواعد عامة للتشكيل في الخط كمراعاة أن تكون الكثافة في جميع النص واحدة وجعل الحروف الطويلة مثل الألف واللام والجيم المفردة ونحوها في الأسفل والحروف القصيرة مثل السين والدال والباء والفاء في الأعلى فتكون الطويلة حاضنة للقصيرة. ولا بدَّ من مراعاة ترتيب الحروف في النص بقدر الإمكان لاسيَّما إن كانت العبارة غير مشهورة بين الناس، ويستحسن مراعاة التناظر إن ساعدت الحروف في النص المراد كتابته، ومن القواعد كذلك أن تكون الكثافة في الأسفل أكثر منها في الأعلى قليلاً لأن الأسافل حوامل للأعالي كما في المباني يراعى فيها أن يكون أسفل البناء أقوى من أعلاه لأنه الحامل له. إلى اعتبارات كثيرة تكون في ذهن الخطاط بحسب ما يستدعيه المقام ولكل مقام مقال.

وينبغي أن يعلم أنَّ قواعد التشكيل غير القواعد التي وضعها الخطاطون لكتابة الحروف وهي أيضاً قواعد مرنة في بعض الأحيان للمتمكن في الخط أن يتصرف فيها بما يناسب المقصود ولا يُخلُُّ بالجمال.

الخصائص الجمالية لهذا الفن: إنّ تنوّع الخطوط العربية وتعدّد أشكالها منحها خصائص جمالية قلّما نشاهدها في خطوط الأمم الأخرى. فالخط العربي يعتبر أرقى وأجمل خطوط العالم البشري على وجه البسيطة فإنّ له من حسن شكله وجمال هندسته وبديع نسقه ما جعله محبوباً حتى لدى الأجانب الغربيين.

إن البدايات الأولى للاهتمام بالخط العربي كان مبعثها المعرفة والتعلم ثم بعد ذلك وُضعت له القوانين والأسس الموضوعية والعلمية واختُرعت له الطرق والأساليب الابتكارية التي أضافت جمالية جديدة إليه
--------------------------------------------------------------------------------

وللتعرف على الأساسيات التي تدخل في صميم هذه الجمالية وخاصة تلك التي هي من طبيعة الخطوط العربية أو ناتجة عن عقلية الخطاط المسلم والعربي أو نابعة من وجدان وروح البيئة التي عاشها، ومعرفة هذه الأساسيات توضح لنا الجوانب الجمالية في هذا الفن وأهمها:
مفردات وأشكال الخطوط العربية

المرونة والمطاوعة

المقياس والنسب

الامتزاج الفني والروح في الخط

قابلية الخطوط العربية على التشكيل

التوثيق والتدوين

كما أن هناك جمالاً معنوياً مضافاً يدركه المرء ببصيرته قبل البصر وهذا الجمال المعنوي هو فوق القواعد الخطية وهو أيضاً غير تناسب الحروف والكلمات، تلك هي روح الجمال أو بعبارة أخرى عبقرية الجمال ولا يدرك هذا الجمال المعنوي ولا يفهم جاذبيته إلا من علا حسّه المعنوي وذوقه الفني. لقد أدرك الفنان المسلم ما للجمال من وقع في النفوس فسخّر أقلامه لتزيين الآيات الكريمة فأطرب العيون بروعة إبداعاته التي استلّها من جمال روحه ورقة عاطفته.

لكلّ عصرٍ خطاطيه المبدعين حيث تحمل الأنباء تجويدهم وامتيازهم على مدى الأيام ولكل عصر متقدم ميزة التجويد عن العصور التي سبقته وظهور مجاميع مميزة من الخطاطين لم تكن سهلة ميسورة بل جاءت بعد أن قضى هؤلاء شبابهم في الدأب والتحصيل والعناية بتجويد الحرف العربي وتهذيبه والتفنن بوصفه وتركيبه، عاشوا بسطاء مغمورين لذا كان من الأجدر الإشارة إلى قدراتهم الفنية العالية والتي تُنبىء عن مقدار ما بذلوه من جهود مضنية تجاه هذا الفن، وهؤلاء الخطاطون الذين نتناولهم بالبحث والدراسة ينتمون إلى أزمان وأماكن مختلفة ومدارس متنوعة لكنهم ينتظمون كاللآليء في سلك واحد هو الإبداع ويجمعهم جيد واحد هو ما أجادت أناملهم من روائع خطية سواء أكان على صعيد الابتكار في أساسيات الخط وأشكاله الجيدة أو على مستوى الإضافة النادرة الذكية في التكوين والإخراج فاقترنت بذلك أسماؤهم بأعمالهم تميزاً فيما عن غيرهم.

لقد كان للمبدعين من الخطاطين في العصرين الأموي والعباسي اليد الطولى في ظهور الناحية الفنية والتي أخذت مساراً تصاعدياً في أزمان لاحقة.
ومن أبرز الخطاطين المبدعين في العصرين الأموي والعباسي هم:

خالد بن أبي الهياج:
اشتهر هذا الخطاط بكثرة كتابته للمصاحف والتجويد بها بحيث أصبحت مؤشراً بارزاً في حياته الفنية.

قطبة المحرر:
لمع نجم هذا الخطاط في العصر الأموي, ويكاد أن يكون نموذجاً فريداً عند أهل الخط في زمانه, ينسب إليه الخروج من الشكل الكوفي إلى ما يقارب الشكل الذي هو عليه الآن, وكان المذكور أكتب أهل زمانه, وهو الذي اخترع القلم الطومار والقلم الجليل وهو ما نسميه الآن بالخط الجلي { الواضح}ْ

لقد فتح قطبة بعلمه هذا باب الاستنباط والاختراع فأخذ كل كاتب يستخدم مواهبه الفنية في إيجاد قاعدة جديدة في الخط حتى كثرت أشكال الكتابة وتنوعت الخطوط أصولاً وفروعاً.

ميزة إبداعه الفني: يبرز الإبداع الفني لدى الخطاط قطبة في قدرته على اختراع وابتكار قلمي الطومار والجليل

الضحاك بن عجلان وإسحاق بن حماد:
اشتهر هذان الخطاطان في جودة خطيهما, وهما من أهل الشام}الأول عاش في خلافة السفاح, وعاش الثاني في خلافة المنصور حتى أدرك المهدي{.

ميزة إبداعهما الفني: يمتاز هذان الخطاطان بأنهما يخطان الجليل، فزاد الضحاك وزاد غيره وبلغ عدد الأقلام إلى أوائل الدولة العباسية اثني عشر قلماً، كما أنهما استطاعا أن يتعرفا وبصورة تفصيلية على ما يحمله ابتكار قطبة في الخط العربي من نواحي الإبداع الفني ويكشفا عن هذا الإبداع، وقد برزوا على من سبقهم من الخطاطين.

إبراهيم الشجري:
أخذ عن اسحق بن حمادة قلمه الجليل وهو أكبر الأقلام الذي كان يكتب بها واخترع منه خط الثلث وخط الثلثين.

أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة:
خطاط بارز من خطاطي العصر العباسي. ولد في بغداد سنة 272 للهجرة, فهو الذي ابتكر القوانين والقواعد لكل حرف من حروف الخط العربي. وتتجلى ميزة إبداعه الفني في أنه أول من أطلق على قلم النسخ اسم البديع وأجاد خطاً عُرف بالدرج وكتب المصحف مرتين.

علي بن هلال البغدادي :
أخذ الخط في حداثة زمانه من محمد بن أسد ومن محمد بن السمسماني , من خطاطي العصر العباسي , بلغ الذروة في الإبداع والتطوير , وقد ملأ الدنيا بإبداعه وقوة قلمه كما امتاز خطه بالتنسيق وجمال التركيب.

كما كانت لديه مواهب متعددة إلى جانب الخط كالتهذيب والتصفيح بنفس الوقت, ينسب إليه الخط المعروف بالمحقَّق.

ياقوت المستعصم:
ويلقّب بأبي الدر جمال الدين ياقوت المستعصم، اشتراه الخليفة العباسي المعتصم بالله، نشأ في دار الخلافة و بلغ مرحلة عالية فقصده الناس من كل حدب وصوب، أخذ عنه الكثيرون منهم نجم الدين البغدادي، شقّ هذا الخطاط طوراً جديداً في قاعدة سلفه ابن البواب، وكتب المصاحف والدواوين والأحاديث، توفي في بغداد سنة 698للهجرة بعد أن عمّ خطه في الآفاق.

هذه اللمحات عن حياة أبرز الخطاطين في العصرين الأموي والعباسي توضح حالة الإبتكار لديهم وبنفس الوقت تفتح الطريق للكشف عن إبداعات خطاطين آخرين تم الكشف عنهم والإشارة إليهم وهم من أزمان مختلفة وأماكن متعددة انفردوا بابتكارات نادرة ميّزت أساليبهم عن بعضهم وكان تأثيرهم واضحاً في الحياة الفنية التي تواجدوا فيها مع قدراتهم العالية في ضبط الحروف والوعي بأشكاله المبتكرة.

لقد كان من احتفاء الأتراك وتقديرهم للفنون أعظم مشجع للأساتذة الخطاطين على بذل همهم ومواصلة جهدهم لخدمة الخط والتفنن فيه وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ أول انتقال للخط من العرب إلى الأتراك كان عن طريق الخطاط الشيخ حمد الله الاماسي، وقد تخرج على يد هذا الخطاط جيل من الخطاطين المبدعين الذين وصلوا هم وتلامذتهم ذروة الإبداع في مجال الخط العربي وبرز منهم خطاطون كبار ذاع صيتهم في العالم الإسلامي، لقد ابتكر هؤلاء الخطاطون أشكالاً وأنماطاً جديدة تنبض بالجمال والإبداع واستطاعوا أن يخترعوا خطوطاً لم تكن معروفةً سابقاً، وكانت تلك الإبداعات من أمهات أفكارهم وعبقرياتهم، ولم تنطفىء شعلة الخط العربي في الأتراك إلا عند استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني سنة 1347 للهجرة ورغماً عن ذلك فلا يزال للخط العربي مكانته ولايزال يتخرج من بينهم خطاطون مبدعون، وبهذا يكون الخط العربي قد عاش بين الأتراك أكثر من خمسة قرون؛
وعلى الرغم من كل ما حدث لهذا الفن فلا بد من الإشارة إلى أولائك الخطاطين المبدعين الذين لازالت آثارهم خالدة على مرّ التاريخ وشاهداً على عظمة إبداعهم واقتصرنا بالدراسة على أبرز الخطاطين المبدعين من الأتراك ويأتي في المقدمة منهم:
حمد الله الأماسي- أحمد قره حصاري- مصطفى راقم- محمد شفيق بك – سامي محمد عبد العزيز- أحمد كامل- عبد القادر أحمد – عارف حكمت – مصطفى حليم- ماجد الزهدي- حامد الآمدي.
--------------------------------------------------------------------------------

أنواع الخط العربي:
بحلول القرن الثامن الهجري أخذ الخط العربي يستقر على أشكال خاصة، وهي الخطوط التي تعرف اليوم، وأهم هذه الأنواع هي :
الثلث
النسخ
والكوفي بأنواعه المتعددة
والديواني
والديواني الجلي
والتعليق
والنستعليق
والرقعة
والتوقيع ( الإجازة )
وخط المحقًّق
والطغراء
وخط التاج.

خط الثلث:
من الخطوط العربية الأساسية المهمة، وهو يعتبر من الخطوط اللينة، جميل وصعب، يتمتع بقابلية كبيرة على التكوين والتشكيل يستعمله الخطاطون في الكتابات التي تزيّن جدران المساجد وواجهاتها ومحاريبها، رافقه التطوير والتحسين لفترة طويلة وعلى أيدي أساتذة بارزين منهم الخطاط ابن مقلة ( سنة 328هـ ) ومن بعده الخطاط المشهور علي بن هلال المعروف( بابن البواب ) ( سنة 618هـ ) وقد بلغ به الخطاطون المسلمون درجة عالية من الإجادة والضبط حتى استقرّ على شكله المعروف حالياً وتعتبر قوانين هذا الخط وإتقانها من أصعب القوانين، وتحتاج إلى وقت طويل كي يتقنها الخطاط، حتى اعتبر من لا يتقن هذا الخط بأنه ليس بخطاط ؛ من باب أنه إذا أتقن هذا الخط على صعوبته سَهل عليه إتقان ما هو دونه.
وقد اشتهر بإتقان هذا الخط كثيرون، نذكر على سبيل المثال لا الحصر ـ الخطاط حامد الآمدي ـ الخطاط سامي ـ الخطاط أحمد الكامل ـ الخطاط رسا ـ الخطاط شوقي ـ الخطاط مصطفى راقم ـ عبد الله ألزهدي ـ الخطاط هاشم البغدادي ـ الخطاط التشكيلي خليل الزهاوي ـ الخطاط يوسف ذنون ـ الخطاط رضوان بهيه ـ الخطاط عباس البغدادي ـ الخطاط محمد حسني ـ الخطاط محمد مؤنس ـ الخطاط عبد العزيز الرفاعي ـ الخطاط سيد إبراهيم .

الخط الكوفي:
هو من أقدم الخطوط إطلاقاً، وبلغ أعلى منزلة في العصر العباسي، وأُدخلت عليه تحسينات في الرسم والشكل، ويُستخدم في الكتابات التي تحتاج إلى مساحات كبيرة مثل المساجد، ومن الخطاطين القدامى الذين اشتهروا به هم: مالك بن دينار وبديع الزمان الهمذاني، ومن النساء أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، وشهدة بنت الإبرى وأم السلطان عبد المجيد خان.وممن اشتهر به حديثاً : الخطاطين ( يوسف أحمد ، ومحمد عبد القادر ، ومحمد خليل وحسن برعي ، وحسن قاسم حبش ... ) ونظراً لأن الخط الكوفي كُتب به عدة قرون منذ القرن الأول، فقد لاقى اهتماماً واسعاً لدى الخطاطين .
ولهذا الخط أنواع كثيرة أهمها :
1ـ كوفي المصاحف البسيط ـ الكوفي الفاطمي ـ الموصلي ـ الإيراني
2ـ الكوفي المورق ـ المخمَّل ـ المضفر .
3ـ الكوفي الزخرفي ـ ذو النهايات العلوية المزخرفة ـ ذو الإطارات الزخرفية .
4ـ الكوفي الهندسي الأشكال ـ المعماري
5ـ الكوفي المربع .

الخط الديواني :
كان الخط الديواني وجلي الديواني والطغراء تسمّى بمجموعة الخط الهمايوني أي الخطوط المقدسة ، ويرجع ذلك لأنها كانت سرّاً من أسرار القصور السلطانية ، لا يعرفها إلا كاتبوها ، وكانت تُستعمل في كتابة التعيينات والأوسمة والنياشين والمناصب الرفيعة والأوامر الملكية والتوقيعات . ثم بعد ذلك سمّي ذلك الخط بالخط الديواني لاستعماله في الدواوين الرسمية الحكومية ، وأول من وضع قواعده هو إبراهيم منيف التركي .ثم جاء الخطاط المصري ( مصطفى غزلان ) المتوفى سنة ( 1356هـ ) فجوّده وزاده جمالاً وحسنا ورونقاً ، حتى أنّ الخط الديواني سمّي باسمه بالخط الغزلاني نسبةً إليه و وضع كرّاسةً تعليميةً فيه .
وممن اشتهر بالخط الديواني من المصريين حالياً الخطاط محمد عبد القادر- والحاج زايد- والخطاط محمد عبد العال.

الخط الديواني الجلي:
الخط الديواني الجلي هو من فروع الخط الديواني الذي يحمل خصائصه ومميزاته. وهو الخط الذي عُرف في نهاية القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر . ابتدعه 'شهلا باشا' ، وقد روّج له أرباب الخط في أنحاء البلاد العثمانية وأولوه العناية بكتابته في المناسبات الجليلة الرسميّة .
وهو يمتاز على أصله الذي تفرّع منه ببعض حركاتٍ إعرابيةٍ ونقطٍ مدوّرةٍ زُخرفيّة رغم أنّ حروفه المفردة بقيت مشابهة أصلها الديواني كما تبدو للناظر لأول وهلة. وقد ضُبطت بقواعد ميزان النقط على غرار حروف الخط الثلث.وممن اشتهر بتجويد هذا القلم في مصرغزلان .
والخط الديواني الجلي يكتب بين خطين متوازيين، العرض بينهما هو طول الألف ، ثم تحشى الكتابة بين الخطين ـ ويكتب بقلمين الأول عريض والثاني ربع عرض الأول ـ ، وتُملاً الفراغات بين الحروف بالتشكيل ونقط مدورة وزخارف عديدة ، وهو خط نادر ما يكتب به الخطاطون ، ولذا فلوحاته قليلة وليست بكثرة اللوحات الأخرى ..

خط الطغراء:
هي شبيهة بأن تكون شارةً أو ختماً أو توقيعاً للملك أو السلطان أو الحاكم .
وهو رسم خاص يدخل فيه الكتابة ، ويتمثل في إدخال الكتابة في الرسم بشيء من التصرف في شكل الخط والخروج على قواعده أحياناً ـ ولا يكتب به إلا نادراً إذ أصبح خطاً مندثراً .
و للطغراء قصة طريفة تفسر نشأتها ؛ تتلخص في أنه :
عندما توترت العلاقات بين تيمورلنك وبايزيد العثماني أرسل تيمورلنك للسلطان بايزيد إنذاراً لم يمهره بتوقيعه لأنه كان يجهل الكتابة ، بل بصمه بكفه بعد تحبيره بالمداد ،
ومنذ ذلك الحين بدأنا نرى توقيع الطغراء شائعاً عند سلاطين آل عثمان
وكان أول من استخدم توقيع الطغراء السلطان سليمان بن بايزيد في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي ـ والمفهوم الآن أن الطغراء العثمانية

البندري
12-27-2005, 07:36 PM
شروط عملية التخاطب:

إن عملية التخاطب عملية معقدة يشترك فيها المرسل والمستقبل ولكي تتم يجب توفر الآتي :
القدرة السمعية
القدرة العقلية .
القدرة العصبية .
القدرة العضلية

كيف تتم عملية الكلام ؟

للإجابة على هذا السؤال لابد من الكثير من الشرح والإسهاب ولكنن سنحاول تبسيط الأمر قدر الإمكان
مثلا إذا أراد شخص أن ينطق صوت (ب) فان ذلك يحدث من خلال سلسلة من العمليات المعقدة تتم في جزء ضئيل من الثانية الواحدة وبشكل آلي فائق الدقة والسرعة.
في البداية يستدعي الدماغ الصورة الصوتية للصوت (ب).
يصدر أمرا للجهاز العصبي المركزي بنطق الصوت (ب).
يقوم الجهاز العصبي المركزي بتوصيل الأمر إلى الجهاز العصبي الطرفي .
يقوم الجهاز العصبي الطرفي بتوصيل الأمر عن طريق الأعصاب المسئولة عن عضلات الشفاه لكي تتحرك وتنقبض .
في ذات الوقت يصدر الأمر وبنفس التسلسل السابق إلى عضلات الجهاز التنفسي لكي يقوم بإخراج الهواء من الرئتين إلى القصبة الهوائية ومن ثم إلى الحنجرة فتهتز الحبال الصوتية نتيجة لاندفاع الهواء من خلالها .
ينتج عن ذلك صوت يتم تشكيلة داخل تجويف الفم .
يصل الهواء إلى الشفاه المنقبضة فتنفتح ويحدث ما يشبه الانفجار (ب).
لماذا لا نخطئ أثناء الكلام ؟
يتطلب إصدار الكلام الاستخدام المنسق والفوري للآليات التنفسية والصوتية والنطقية . وهذا يتطلب شكلا من أشكال الضبط أو المراقبة ويسمى بالتغذية الراجعة مثل :
التغذية الراجعة السمعية.
التغذية الراجعة الملموسة.
التغذية الراجعة الذاتية.
التغذية الراجعة الداخلية

اللــغــــة

الجانب الدلالي للغة : لكل لغة مفرداتها التي يتفق المتحدثون بها على أنها مفهومة لدى كل منهم ومهما زاد عدد المفردات فهو معروف ومحدد حتى وان كان قابلا للزيادة تطورا مع العصر . والمعنى يتوقف على السياق التي جاءت فيه الكلمة .

الجانب النحوي للغة syntax :
بناء الجملة : أن العدد المحدود من الكلمات في كل لغة هو المادة التي تمكننا من خلق وتركيب عدد لامحدود من الجمل ولكن ذلك لا يتم عشوائيا ودون ضوابط وإنما تحكمه مجموعة من القوانين تسمى القواعد النحوية .

الجانب الصرفي للغة morphology :
إن الكلمة في أي لغة تتكون من مقطع أو مقاطع صوتية والمقطع الصوتي عبارة عن تركيبة من الأصوات اللغوية الساكنة والمتحركة . فمثلا صوت (ب) ساكن فإذا نطق مفتوحا (بَ) فانه يمثل صوتيا (ba) وهذا مقطع صوتي مكون من ساكن ومتحرك فإذا أضفنا متحركا أخر (baa) كان النطق (با) وإذا أضفنا ساكناً أخر (baab) تكونت كلمة (باب) وهي كلها من مقطع واحد مكون من أربعة أصوات (cvvc) (ساكن متحرك متحرك ساكن )

الجانب الصوتي (الفونولوجي) للغة (phonology) :
الفرق بين الصوت اللغوي والحرف : إن الحرف يكتب ويقرأ بينما الصوت ينطق ويسمع لأنه عندما نقول (ب) فإننا نعني بذلك صوت الباء وليس حرف الباء فكما ذكرنا في الجانب الصرفي فان صوت الباء هو صوت واحد بينما حرف الباء مقطع صوتي من صوتين ب + فتحة .

وتنقسم أصوات اللغة إلى:

أصوات متحركة vowels وتعرف بالصوامت .
أصوات ساكنة consonants وتعرف بالصوامت .

الأصوات المتحركة :
أهم ما يميز الحركات هو انه عند النطق بها لا يحدث إعاقة للهواء في الفم ولكن تختلف الحركات بمستوى ارتفاع اللسان أو تقدمه داخل الفم أو استدارة الشفاه .

الأصوات الساكنة :
يتم تصنيفها وفقا لثلاث محاور رئيسية هي :
مخرج الصوت.
طريقة خروج الصوت :
‎ انفجاري
‎ احتكاكي

الجهر والهمس :
‎ إما أن يكون الصوت مجهورا حيث تهتز الحبال الصوتية عند النطق به مثل (ب , ج , ز,ع(
‎ أو أن يكون مهموسا حيث لا تهتز الحبال الصوتية عند النطق به مثل (ت, ك, س, ح(
حنجري حلقي لهوي حنكي / لين حنكي/صلب لثوي / حنكي لثوي سني / لثوي سني شفوي / سني شفوي
ء ق جك د,ضت,ط ب مجهورغير مجهور وقف.
عح غخ ش زس,ص ذ,ظ ث ف مجهورغير مجهور احتكاك.
ج مجهور وقف احتكاك.
ر مجهور تكراري.
ل مجهور جانبي.
ن م مجهور انفي.
ي و مجهور نصف صائت.
جدول مخارج الأصوات الساكنة .

الجانب فوق القطعي للغة :
هو الجانب غير المرئي من اللغة بحيث لا يمكن تمثيله بالكتابة العادية ويلعب دورا كبيرا في تحديد المعنى ويتمثل في :التنغيم , النبر , حدة الصوت .

الجانب النفسي للغة :
إن المتكلم هو إنسان له سماته الشخصية التي يترتب عليها فهم الآخرين له كما إن الحالة النفسية والعصبية لأي إنسان تنعكس على انفعالاته وسلوكياته ومنها السلوك اللغوي . لا نستطيع أن نحلل وان نفهم لغة شخص ما دون النظر إلى سماته الشخصية ( تعابير وجهه وحركات اطرافة ) وحالته النفسية والعصبية .

الجانب الاجتماعي للغة :
إن الوظيفة الأساسية للغة هي تواصل الفرد مع المجتمع الذي يعيش فيه فالمجتمع هو الذي يعطي اللغة الصورة التي تظهر عليها ويصبغها بألوان متعددة .
كيف نكتسب اللغة:
اكتساب اللغة عادة يتم على مدار الخمس السنوات الأولى من عمر الطفل فالاستجابة اللغوية تبدأ مبكرة جدا حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن الجنين في بطن أمه يبدي استجابة لبعض الأصوات وبخاصة صوت الأم وعندما يولد الطفل تولد معه القدرة على النطق و فهم الكلام ولكنه يعتمد في الشهور الأولى على السمع ثم تتطور القدرة على النطق واستخدام اللغة ويوضح الجدول التالي العلاقة بين العمر الزمني والنمو الحركي والنمو اللغوي :

مراحل النمو اللغوي النمو الحركي

يبتسم للحديث ويصدر صوت القرقرة يرفع رأسه عند النوم على بطنه 12 أسبوع
يلتفت نحو من يتكلم يلعب بلعبته إذا امسكها 16اسبوع
يصدر أصوات مشابهة لحروف الهجاء يجلس مع مسند 20اسبوع
مناغاة تشبه المقاطع اللغوية يمد يده ليأخذ شيئا 6 شهور
يردد بعض المقاطع اللغوية يقف مستندا أو يلتقط شيئا بإبهامه وسبابته 8 شهور
يميز بعض كلمات الكبار يزحف ويمشي مستندا يمينا ويسارا 10 شهور
يفهم بعض الكلمات ويقول بابا , ماما يمشي بمساعده ويجلس بمفرده 12 شهور
يقول من 3 إلى 5 كلمات منفردة يصعد السلم زاحفا 18 شهر
ينطق كلمتين يجري ويصعد السلم دون زحف 24 شهر
جملة تحتوي على 3 كلمات أو خمسة مع زيادة في المفردات اللغوية يقف على رجل واحده لمدة ثانيتين ويمشي على أطراف الأصابع 30 شهر
نطق واضح حوالي ألف كلمة يستطيع أن يركب دراجة ذات ثلاث عجلات 3 سنوات
لغة واضحة ينط الحبل 4 سنوات

تجدر الإشارة إلى أن هناك فروق فردية وان الأطفال يتفاوتون في تطورهم اللغوي وقد يتأخر البعض عما هو موضح بالجدول ثم يستأنف تطوره اللغوي بشكل طبيعي أما إذا تأخر كثير فلابد من عرضه على المختصين للبحث في أسباب المشكلة وعلاجها .

مشكلات التخاطب وعلاجها :

المشكلات الرئيسية : تنقسم مشكلات التخاطب إلى ثلاث مشكلات رئيسية هي :
مشكلات اللغة
مشكلات النطق والكلام
مشكلات الصوت

أولا مشكلات اللغة :
أسباب التأخر اللغوي :
نقص القدرة السمعية : يجب التأكد أولا من القدرة السمعية للطفل وحيث أن السمع هو أول خطوات تعلم اللغة واكتسابها فإذا كان ضعف السمع هو السبب فيمكن التغلب علية بواسطة سماعات الأذن أو زراعة القوقعة لبعض الحالات التي تعاني من ضعف شديد
نقص القدرة العقلية : كلما زاد التأخر العقلي زاد التأخر اللغوي وقلت فرص تدريب الطفل وتنمية مهاراته اللغوية .
أسباب بيئية (اجتماعية - نفسية) : من ضمنها المبالغة في تدليل الطفل أو القسوة علية , المشاحنات المستمرة بين الأبوين , تمييز أحد الاخوة عن الأخر.

العلاج :
‎ التأكد من القدرة السمعية والعقلية للطفل
‎ عرض الطفل على أخصائي التخاطب لتحديد سبب التأخر اللغوي ووضع برنامج لعلاج هذه المشكلة .
‎ التأكيد على دور الأهل في التغلب على الأسباب التي أدت إلى هذه المشكلة ودورهم في تنفيذ البرنامج العلاجي .

الحبسة :
تتأثر بعض مراكز اللغة في الدماغ نتيجة التعرض للحوادث أو انسداد في شرايين الدماغ مما يؤدي إلى ما يعرف بالحبسة aphasia , وهي عدة أنواع أهمها :
‎ الحبسة التعبيرية.
‎ الحبسة الاستقبالية.
‎ الحبسة الشاملة.
‎ الحبسة التوصلية


ثانيا مشكلات النطق والكلام :

التأتأة أو اللجلجة :
هي عدم الطلاقة وتعتبر طبيعية من عمر 2 إلى 5 سنوات بعد ذلك تحتاج لبرنامج علاجي .

أشكالها :
‎ تكرار الحرف أو الكلمة عدة مرات.
‎ التوقف المفاجئ والطويل أحيانا قبل نطق الحرف أو الكلمة.
‎ إطالة النطق بالحرف قبل نطق الذي يليه .

الأسباب:
في الغالب تعود لمرحلة الطفولة المبكرة حيث يتأثر الطفل سلبا بأحد الأسباب التالية :
القسوة في المعاملة , الخوف الشديد من شخص أو أي شيء آخر , التهكم والسخرية من لغته الطفوليه , فقد شخص عزيز عليه خاصة الأم .
هنالك نظريات ترجعه للدماغ آو الجهاز العصبي أو اضطراب الوظيفة العصبية - العضلية.

العلاج :
يعتمد على الفهم الدقيق والجيد للأسباب ولطبيعة الشخص المصاب والظروف المحيطة وفي الغالب يحتاج الشخص لعلاج نفسي إلى جانب العلاج الكلامي .

عسر الكلام :
بعض الحالات مثل الشلل الدماغي يكون لديهم القدرة على الفهم والتعبير ولكن نتيجة لاضطراب في الجهاز العصبي الطرفي يجد الشخص المصاب صعوبة قي تحريك أعضاء النطق للقيام بوظيفتها .

العلاج :
لعلاج مثل هذه الحالات يحتاج المصاب إلى التدريب المستمر للعضو أو الأعضاء التي يصعب تحريكها .
قد يتطلب الأمر تدخلا من أخصائي التنفس أو أخصائي العلاج الطبيعي وبعض الحالات يصعب الوصول إلى نتيجة مرضية بل قد يستحيل تدريب المريض على التواصل مع الآخرين بالكلام فنلجأ إلى وسائل التواصل البديلة.

ثالثا مشكلات الصوت :

‎ مشكلات حدة الصوت : إن زادت أو قلت حدة الصوت عن المعدل الطبيعي لها فان ذلك يعتبر مشكلة لابد من
علاجها .و وحدة قياسه الهرتز. Hz

‎ مشكلات شدة الصوت : إن قلت شدة الصوت اصبح غير مسموع وان زادت اصبح مزعجا مما يتطلب تدخل علاجي لذلك ووحدة قياسه الديسبل .dB

‎ مشكلات نوعية الصوت : نعني طبيعة الصوت فان كان هناك ما يعيق اهتزاز الحبلين الصوتيين كانت النتيجة ما يعرف بالبحة , وتتغير طبيعة الصوت أيضا تبعا لطريقة خروج الهواء وتكبيرة داخل التجويف الفمي والتجويف الأنفي مما يؤدي أحيانا إلى ما يعرف بالخنف بنوعيه المفتوح والمغلق .

مشكلات الصوت قد تكون عضوية أو نفسية أو وظيفية وهذا يحدد طريقة العلاج .

وسائل التواصل المساعدة:
بعض الأشخاص لا تفلح معهم الجهود التدريبية للنطق فلابد لهم من الاستعانة بوسائل أخرى بما لديهم من قدرات أيا كانت للوصول إلى الهدف وهو التواصل مع الآخرين , وهذه القدرات قد تكون إشارات اليد , تعبيرات وإيماءات الوجه , الأصوات التي تقوم مقام الكلمات .

الحالات التي نلجأ فيها لوسائل التواصل المساعدة :

عسر الكلام .
أبرا كسيا ( عدم التحكم بإنتاج الكلام بشكل إرادي نتيجة عدم القدرة على التنسيق بين الجهاز العصبي والعضلي .)
افيزيافقدان الكلام التام.
استئصال اللسان كما في حالات السرطان .
أمراض الصوت.
التأخر العقلي .
التوحد
الصمم أو العمى والصمم .

الإجراءات المتبعة مع الحالات السابقة :

تحديد نوع الوسيلة ثم تأمين الأدوات المستخدمة إذا تطلب الأمر , القيام بتدريب المريض على استخدامها , المتابعة المستمرة .
للوصول لتقييم موضوعي وإيجابي لابد من الإجابة على الأسئلة التالية :

ما هو سبب المشكلة وهل هو دائم أم مؤقت ؟
ما مدى ( تطور الحالة عصبيا ) تأثيرها على عضلات الوجه والجسم والأطراف والرقبه ؟
ما مدى تأثيرها على الوظائف الحسية والادراكية ؟
ما مدى تأثيرها على الناحية النفسية ؟
كيف يتواصل الشخص في الوقت الحالي ؟
ما هي حاجة الشخص التواصلية ؟
ما هي حالة اللغة الداخلية والاستقبالية والإرسالية لدى الشخص ؟

تحديد نوع الوسيلة المناسبة :

يجب أولا تقييم الأداء الحركي ( الأطراف الأربعة , الجذع , الوجه الرقبه ) , الوظائف الحسية , الوظائف الادراكية .
إن الدقة في التقييم تمنع حدوث إحباط للمريض بسبب محاولة تعليمه استخدام إحدى الوسائل وفشله في ذلك نتيجة قصور في إحدى الوظائف أو اكثر .

أساليب التواصل المساعدة :
‎ الإشارة مثل إشارات الصم باليد أو الوجه أو العينين .
‎ رموز أو أدوات أو أجهزة بسيطة .
‎ أجهزة إلكترونية معقدة

البندري
12-27-2005, 07:40 PM
الألفاظ المشتركة المعاني في اللغة العربية طبيعتها ــ أهميتها ــ مصادرها

ملخص البحث

تشكل الألفاظ العربية المشتركة المعاني مع ما صدر لها من شروح ودار حولها من مناقشات جزءاً مهماً من تراثنا اللغوي والأدبي . غير أن موقف الباحثين واللغويين العرب حيال هذه الألفاظ وحديثهم عن طبيعتها وعن أهميتها ودورها في مجال التعبير كان وما يزال خلافياً غير مستقر ، كما أن الكتب المحتوية على هذه الألفاظ تنقصها المنهجية ويعوزها التنظيم . وهذا ما جعل من هذه الألفاظ قضية لغوية جديرة بالدراسة ، لاسيما وأن الظروف اللغوية الراهنة تقضي بالبحث عن ما يثري اللغة ويبعث على التمكن منها . وهذا البحث يعالج هذه القضية من زوايا مختلفة : لغوية وأدبية وبلاغية ، معالجة تعتمد الفحص والتحليل والطرح الموضوعي ومناقشة الآراء وفق منهج نقدي جديد يهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد حلول جذرية للخلاف الدائر حول الألفاظ المشتركة المعاني في اللغة العربية ، كما يسعى إلى توضيح طبيعة نشوئها وإثبات أهميتها ومدى فاعليتها في مجالات التعبير في حياتنا الحاضرة . ثم إلى دراسة أهم الكتب التي تضمها ، بنحو يمهد لوضع معجم عصري موحد شامل متطور لها . هذا كله بالإضافة إلى ما يثيره هذا البحث من أسئلة وموضوعات تتعلق بجوانب جديرة بالدراسات المستقبلية ، من مثل ارتباط المشترك اللفظي بالشعر بنوعيه القديم والحديث ، وارتباطه ببعض الأساليب البلاغية كالمجاز والتورية والاستعارة والجناس . وأخيراً ما يمكن أن تكون له من صلة بمستقبل المصطلح العلمي .

• • •

تقـديم :

بالإضافة إلى الاختلاف القائم حول حقيقة الاشتراك اللفظي في اللغة العربية ، هناك تباين في الآراء حول أهميته ، أو مدى إيجابية وجوده ، أو كثرته في اللغة : فمن مدع أن المشترك اللفظي يشكل دليلاً على ضعف اللغة ، وعدم قدرتها أو قدرة رصيدها على التعبير عن معاني الحياة وأغراضها المختلفة ، لذلك يجب تنزيه اللغة عنه . ومن مدع أن المشترك اللفظي يشكل عاملاً مهـماً من عوامل الغموض في النصوص ، ولاسيما النصوص الشعرية ، وإذاً فلا يعد وجوده أو تزايده في العربية صفة إيجابية محمودة ؛ لأنه يسلبهـا جانباً من وضوحها وجلائها المفترض . وهذا مذهب تؤيده بعض النزعات التقليدية التي تشترط وضوح العبارة على عمومها ، وترى أن أحسن الكلام ما كشف القناع عن معناه ، وأفهم سامعه مضمونه دون جهد أو عناء . بينما ترفضه الاتجاهات التي تعد الغموض سمة إيجابية في النص الأدبي ، لاسيما إذا كان شعراً ، وتعتبر كثرة المشترك اللفظي دليلاً على ثراء اللغة ، وطواعيتها ومرونتها ، وشاعريتها ، واتساعها في التعبير ، وليس فقرها وضعفها كما يزعم الآخرون . من جانب آخر فقد كان للمشترك اللفظي عند أهل البديع مقام كبير ؛ لأن عدداً من فنون البديع كالجناس والتورية والترصيع وغيره من فنون البلاغة الأخرى قائم عليه ، مستمد وجودها من وجوده . وهذا من جملة ما جعل المشترك اللفظي موضع اهتمام الفقهاء والأصوليين والمفسرين والباحثين في بلاغة القرآن وإعجازه من علماء العرب ونقادهم القدامى .

الإشكالات والآراء المختلفة أو المتضاربة التي سبقت الإشارة إليها جعلت من المشترك اللفظي قضية تستوجب الاهتمام ، وتحفز على البحث ، من أجل الوصول إلى معادلة صريحة ، أو قرار حاسم حول طبيعة المشترك اللفظي وحقيقته ، وحول ما يمكن أن يكون له من دور في إثراء الرصيد اللغوي وتنمية القدرة على التعبير ، وفي واقع الحياة اللغوية عامة ، والتحقيق في ما يرتبط بظاهرة الاشتراك اللفظي من شبهات أو ملابسات ، هذا بالإضافة إلى التنبيه إلى أهم وأبرز مصادر المشترك اللفظي نفسه ، وإلى ما يمكن أن يجعل هذه المصادر أكثر فاعلية . وهذه الدراسة تبحث هذه الجوانب في إطار نقدي مختصر جديد ، تسعى إلى أن تكون فيه بعيدة عن تلك الاستطرادات والسرديات والطروحات المتكررة التي حفلت بها معظم الدراسات أو الكتابات السابقة ذات الصلة بالقضية ، كما تطمح إلى أن تكون حافزة وممهدة لدراسات مستقبلية أكثر عمقاً وشمولية واتساعاً .


طبيعة الاشتراك اللفظي
يفرق بعض علماء اللغة المعاصرين من حيث المفهوم([1>) بين الاشتراك اللفظي ، أو ما يسمونه بـ 'homonymy ' وبين ' تعدد المعنى للفظ الواحد ' أو ما يطلقون عليه ' polysemy' ، وينظرون إليهما على أنهما موضوعان مستقلان ، يتناول أولهما - كما يستفاد من كتاباتهم أو طروحاتهم - تلك الألفاظ التي تتطور في شكلها وبنيتها الخارجية تطوراً متوازياً ممتداً حتى تتقابل وتتقارب وربما تتفق اتفاقاً تاماً وبطريق المصادفة في أصواتها وصورة نطقها ، رغم اختلاف معانيها وصورة كتابتها ، كما في الكلمتين الإنكليزيتين: see التي تعني بالعربية (يرى) و seaالتي تعني (البحر) ، وكذلك الكلمتين flour التي تعني (الدقيق أو لب القمح) وكلمة flower التي تعني (الزهرة) ، بينما يتناول الموضوع الثاني تلك الكلمات التي تنشأ عن تطور مدلولات الكلمة الواحدة منها إلى أن تتباعد (( بعضها عن بعض في خطوط متفرقة))([2>) وبهذا فإن مصطلح ' المشترك اللفظي ' وفق هذا المفهوم يعني التكرار مع التغير، ولكنه يتضمن وجود أكثر من كلمة بصيغة واحدة . بينما يتضمن المصطلح الآخر وجود كلمة واحدة بنفس الصيغة والشكل لأكثر من معنى واحد ، أو بمعنى آخر أن الاشتراك اللفظي يعني وجود كلمات منحدرة من أصول مختلفة وذات مدلولات مختلفة أيضاً ولكنها متقاربة أو متطابقة من حيث الصيغة أو النطق . بينما يعني ' تعدد المعنى' وجود كلمة واحدة منحدرة من أصل واحد لها أكثر من مدلول .

رغم ما يوجد من تفريق دقيق بين مفهومي المصطلحين السابقين ، فإن هناك بعض التداخل الملحوظ بينهما، وهذا التداخل ناشئ عن اعتبار بعض الكلمات ' متعددة المعنى ' عند بعض من أشرنا إليهم من العلماء من ضمن ' المشترك اللفظي ' لمجرد تطابق هذه الكلمات في النطق أو الصياغة ، وعدم إدراك أو ملاحظة العلاقات بينها من قبل المتكلم العادي .

يعتبر (ستيفن أولمان) على سبيل المثال كلمة see التي تعني في العربية (يرى) غير كلمة see في عبارة مثــل

« the bishop's see » التي تعني (عرش الأسقف) ، وكلمة page التي تعني (صفحة في كتاب) منفصلة عن كلــمة page نفسها في عبارة page boy التي تعني (الساعي أو البواب) ، وكلمةflower التي تعني (زهرة) مستقلة عن الكلمة نفسها في عبارة مثل « the flower of the country's manhood » ، أي ( صفوة رجال الأمة) . وعلى هذا الأساس فإن هذه الكلمات تعتبر من ضمن «المشترك اللفظي» وليست من « متعدد المعنى »؛ لعدم وجود ما يشعر متكلم اللغة العادي بوجود علاقة بين كل زوج من هذه الكلمات ، وعدم وجود ما يدل دلالة قاطعة على انحدارهما من أصل واحد([3>).

وهذا تعليل موجب للارتباك والخلط ، كما هو واضح ، وقد أشار أولمان نفسه إلى تحفظ الاشتقاقيين والباحثين في الأصول التاريخية للكلمات على هذا الرأي ، ذلك ؛ لأن التعليل المذكور لا يسهل معه التفريق بين الاشتراك اللفظي ، وتعدد المعنى بنحو ثابت ، فكلمة (الخال) العربية على نحو المثال تعني كما ورد في « المعجم الوسيط » : (أخو الأم) وتعنــى

(لواء الجيش) كما تعنى (ما توسمت به خيراً ) وهي معان مختلفة كما نرى ، قد لا يدرك المتكلم العادي في الأعم الأغلب أدنى علاقة بينها ، فهل يدعو ذلك لإخراج هذه الكلمة عن كونها كلمة « متعددة المعنى » واعتبارها ثلاث كلمات منحدرة من أصول مختلفة! ؟

لا يبدو من كلام اللغويين العرب الأوائل ولا المعاصرين - حسب ما انتهى إليه تحقيقي - أنهم يفرقون بين « الاشتراك اللفظي » و بين « تعدد المعنى » على النحو الذي سبق توضيحه ، فالمفهوم منهما عندهم كما يبدو واحد ، وهو عكس ما يفهم من الترادف تماماً . فإذا كان الترادف يعني اتحاد المعنى وتعدد اللفظ ، أو (إطلاق كلمتين أو عدة كلمات على مدلول أو معنى واحد ) ، فإن الاشتراك اللفظي يعنى اتحاد اللفظ في الصيغة والنطق والكتابة والأصل في أغلب الأحيان أيضاً مع تعدد المدلول ، أو بتعبير آخر (إطلاق كلمة واحدة في اللغة على معنيين فأكثر على السواء )([4>) دون شرط ارتباطها بالسياق
الكلامي . كما تطلق في العربية مثلاً كلمة (الخال) على أخ الأم وعلى الشامة، وكلمة (النوى) على البعد وعلى جمع النواة ، وكلمة (العين) على العين الباصرة، وعلى نبع الماء ، وعلى رئيس أو وجيه القوم ، وعلى الجاسوس ، وعلى النقد والذهب ، وعلى الشيء نفسه ، وعلى معان أخرى غيرها ... ([5>)

ومما يكثر استعماله في عصرنا من هذا النوع من الألفاظ على نحو المثال كلمة (الهاتف) التي نستخدمها للدلالة على الصوت الذي يسمع ولا يرى صاحبه ، أو على الصوت الباطني الخفي فنقول مثلاً : « هتف به هاتف »
و « كأن هاتفاً هتف بي بين النوم واليقظة أن أعلن كلمة الحق » و « كلنا نهتف بعظمة الخالق سبحانه » . كما نطلق هذه الكلمة أيضاً على الذي يصيح بشخص مادحاً إياه فنقول : « هتف القوم بحياة الرئيس » . و نطلقها على آلة التلفون فنقول : « استعمل دليل الهاتف » و « أجهزة الهاتف المتنقل » ، وكذلك على (دائرة البرق والبريد والهاتف) نفسها ، فنقول : « فلان يعمل في الهاتف ، أو في دائرة الهاتف » .. فهذه المعاني المختلفة كلها تشترك في لفظة (هاتف) ، بنفس الصيغة والنطق ونفس الحركات ، وهي وإن كانت تتحدد بالسياق في الغالب ، إلا أنها يمكن أن تتبادر إلى الأذهان في حالة الإفراد أيضاً ، أي بمجرد نطق الكلمة وعدم وجود السياق الذي ينص على مدلول واحد منها دون غيره ..

ولا يختلف مفهوم «الاشتراك اللفظي » عند البلاغيين العرب ، كما يبدو عما هو عليه عند علماء اللغة ، فهو ، أو

« الاشتراك في اللفظ » - كما يطلق عليه أحياناً - يستخدم كمرادف لـ « تعدد المعنى » ، وإن كان هناك من يستخدم هذا المصطلح وكأنه أعم في مدلوله من تعدد المعنى للفظ الواحد . فابن رشيق القيرواني (ت 456هـ) مثلاً يقسم الاشتراك في اللفظ في إطار حديثه عن التجنيس إلى ثلاثة أنواع ([6>) :

النوع الأول : وقد أدرجه ضمن أنواع التجنيس أو المماثلة . وهو « أن تكون فيه اللفظة واحدة باختلاف المعنى » ، مثل قول زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلب :

شعواءَ مشعلة كنبح النابح


فانعَ المُغيرَة للمُغيرَة إذ بَدَتْ




فالمغيرة الأولى : رجل ، والمغيرة الثانية : الفرس ، وهو ثانية الخيل التي تُغير . فهنا اللفظة استخدمت بمعنيين ، فهي مشترك لفظي صريح وفق المفهوم المتعارف عليه آنذاك .

النوع الثاني : وهو أن يحتمل اللفظ معنيين ، أحدهما يلائم السياق الذي يستخدم فيه اللفظ والآخر لا يلائمه ولا دليل عليه وذلك كقول الفرزدق :

أبو أمه حَيٌّ أبوه يُقاربه


وما مثله في الناس إلا مملكاً




فقوله : (حَيٌّ) ، يحتمل القبيلة ، ويحتمل الواحد الحَيَّ . وهذا النوع ، كما هو واضح مشابه للنوع الأول ، ما عدا أن

المعنى الآخر للفظ غير واضح ، أو لا وجود لقرينة لفظية أو سياقية تدل عليه في النص الذي استخدم فيه ، وهذا بالطبع لا يخرجه عن كونه مشتركاً في الأصل .

النوع الثالث : وهو أن يكون اللفظ مشتركاً من حيث أحقية استخدامه بين الناس ، لا أحد من الناس أولى به من الآخر . فالاشتراك عنده هنا يعني شركة الناس في استعماله وتداوله وليس هناك ما يتعلق بمعناه وتعدد هذا المعنى .



ألفاظ الأضداد
ومما يعد من المشترك اللفظي في اللغة العربية نوع آخر متميز يسمى (الأضداد) ، وتعني في اصطلاح اللغويين العرب الكلمات التي يدل كل منها على معنيين متباينين ، أو متعاكسين متناقضين ، مثل لفظة (جون) التي تدل على الأسود والأبيض ، و (المولى) التي تطلق على العبد والسيد ، و (السليم) التي تطلق على الصحيح وعلى الملدوغ و (البصير) التي تطلق على المبصر وعلى الأعمى ، و (الحميم) التي تطلق على الحار وعلى البارد ، و (الجلل) التي تطلق على الكبير والصغير ، و (الزوج) التي تطلق على الرجل وعلى المرأة ، فيقال : (( الرجل زوج المرأة والمرأة زوج الرجل ... )) ([7>) فهذه الكلمات وأمثالها تجري ، كما ينص السيوطي : (( مجرى الحروف التي تقع على المعاني المختلفة ))([8>) لما تنطوي عليه من تعدد أو اختلاف الدلالة . وقد جمع محمد بن القاسم الأنباري في كتابه « الأضداد » - الذي سنعود للحديث عنه فيما بعد - ما يزيد على (300) ثلاثمائة ضد - كما يتبين من فهرس- « الألفاظ الأضداد » الملحق بالنسخة التي اعتمدناها في هذا البحث - ، معظمها تجاوز الدلالة على معنيين متعاكسين أو متناقضين إلى الدلالة على عدد من المعاني ذكرها المؤلف . والضد كما تحدث عنه بعض اللغويين العرب لا يعني النقيض أو العكس بصفة مطلقة ، فهناك أصناف عدت من الأضداد ، مع أنها لا تفيد معنى التناقض أو العكس ، وإنما يدل كل لفظ منها على معنيين متباينين يربط بينهما رابط معين من قريب أو بعيد ، كما يحصل لكثير من باقي الألفاظ المشتركة المعاني ، مثال ذلك : كلمة (الظعينة) التي تدل على الهودج وعلى المرأة في الهودج ، و كلمة (الكأس) التي تطلق على الإناء ذاته وعلى ما فيه من الشراب، وكلمة (الغريم) التي تدل على الدائن وعلى المدين وعلى الخصم أيضاَ ، وربما تندرج تحت ذلك كل الصيغ الصرفية المماثلة التي تستعمل للفاعل والمفعول مثل: سميع وعليم وقدير وكحيل وقتيل ودهين وجريح وطريد ...([9>)



مدى توافر المشترك اللفظي في اللغة العربية
في اللغة العربية ، كما تظهر المصادر التي بين أيدينا مجموعات كبيرة من الألفاظ المتعددة المعاني ، ومجموعات أخرى من الأضداد لا يستهان بها خصصت لإحصائها مؤلفات عديدة سنذكر لاحقاً بعضاً منها . وقد تضمن كتاب « المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه » لمؤلفه المعروف بكراع النمل (ت 310 هـ) ، تضمن هذا الكتاب وحده (900) تسعمائة كلمة منها .. أما الكتاب الذي جمع فيه أوغست هفنر أربعة كتب في الأضداد لكل من الأصمعي وأبي حاتم السجستاني ويعقوب بن اسحق بن السكيت والصغاني فقد احتوى - وفق تسلسل ترقيم الألفاظ الواردة فيه - على (706) سبعمائة وستة من الأضداد .. ([10>) وإذا كان لا يمكن القطع بصحة نسبة كل هذه الأعداد إلى الألفاظ المشتركة المعاني فإن هذه الأرقام تشير بلا شك إلى كثرتها . رغم ما دار حولها أو حول بعضها من نزاع أو وجد من خلاف .

هـنـاك في الحقيقة نزاع بين عدد من الباحثين حول مبلغ ورود المشترك اللفظي عامة في العربية ، بل إن منهم من ينكره ويعمل على تأويل بعض أمثلته ونسبة الاشتراك في الألفاظ إلى المجاز أو إلى عوامل أخرى تنفي وجوده أصلاً أو تشير إلى قلة وروده ([11>) . ونحن لا نجد مبرراً للخوض في النزاع الذي قام حوله ، بل لا نرى جدوى من الجدل أو كثرة النقاش حول شئ لا يمكن تجاهله فضلاً عن إنكاره .

إن ظاهرة تعدد الدلالات للمبنى اللفظي الواحد وإن بالغ البعض في القول بكثرتها وشيوعهـا في العربية وبالغ آخرون في إنكارها أو التقليل من شأنها ودار حولها النزاع كما أشرنا ، فإن الواقع الفعلي يشهد بوجودها كظاهرة لغوية بارزة مألوفة ، ليس في اللغة العربية وحدها ، وإنما في اللغات السامية على عمومها، والنصوص الموروثة ونشاطات هذه اللغات على اختلافها تجسدها([12>)، كما أن القوانين اللغوية تقرها وسنن الحياة البشرية تقتضيها وتسلم بوجودها في كل اللغات المتطورة . ( إن قدرة الكلمة على التعبير عن مدلولات متعددة إنما هي خاصة من الخواص الأساسية للكلام الإنساني .

وإن نظرة واحدة في أي معجم من معجمات اللغة لتعطينا فكرة عن كثرة ورود هذه الظاهرة ، بل إن شحنة المعاني التي تحملها بعض الكلمات تدعو إلى الدهشة ، لاسيما تلك الأفعال الكثيرة الشيوع والذيوع مثل : يعمل ويقوم ويضع ... الخ (([13>)

أما بالنسبة لبروز ظاهرة الاشتراك اللفظي في اللغة العربية فقد صرح السيوطي بقوله : (( وذهب بعضهم إلى أن الاشتراك أغلب - قال : لأن الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة ، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء ، والمضارع كذلك ، وهو أيضاً مشترك بين الحال والاستـقـبـال والأسماء كثير فيها الاشتراك ؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب )) ([14>) وفي موضع آخر ضمن حديثه عن المشترك اللفظي وعن الأضداد يقول أيضاً : (( وهذا الضرب كثير جداً ، ومنه ما يقع على شيئين متضادين كقولهم : جلل للكبير والصغير وللعظيم أيضاً والجون للأسود والأبيض ... وهو أيضا كثير )) ([15>).

إن كلمة (يعمل) في اللغة العربية مثلاً لها من المعاني المتعددة التي لا يمكن بأية حال من الأحوال رفضها أو تجاهلها ؛ لأنها في حيز الاستخدام الفعلي ، فنحن نقول فعلاً ، وعلى سبيل الحقيقة : « عمل خيراً » أي بمعنى فعل، و « عمل بالقانون » أي طبقه ، و « عمل على نشر الكتاب » أي سعى لنشره و « عمل في مصنع ، وعمل تاجراً » أي صنع أو مهن ، و «عمل بجد» أي اشتغل أو تصرف أو قام بالعمل .. ولا نجد هذا التعدد لمعاني هذه الكلمة في نصوص الشعر والنثر العادية فحسب ، وإنما نجده في آيات القرآن الكريم أيضاً .

لقد وردت الآيات التالية من قوله تعالى : ( وَأمّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ) . (وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِه ) . ( لمِثِلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ ) . ( أَمَّا السَّفِيَنة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِيْ البَحْرِ ) . ( لاَ يَسْبقُوْنَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) . ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِنْ مَحَارِيْبَ وَتَمَاثِيْلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ ))[16>) وفي كل آية من هذه الآيات معنى خاص لكلمة (عمل) لا يتطابق مع المعنى الآخر ، وإن تقارب أو تشابه بعضها . ولا شك أن التعدد في معنى (عَملَ) الفعل يتبعه تعدد معنى المصدر « عَمَلْ » . هذا وفي كتاب « الأشباه والنظائر في القرآن الكريم » لمقاتل بن سليمان البلخي
(ت 150هـ) أمثلة كثيرة مشابهة لما أوردناه من الأسماء والأفعال والصفات([17>) .

وفي المعاجم العربية عدد كبير من الألفاظ ذات الدلالات المتعددة ، ربما يفوق عدد الألفاظ التي تنفرد بمعنى واحد . ولا يقتصر ذلك على المعاجم القديمة الواسعة ، وإنما يشمل المعاجم الحديثة الوسيطة أيضا . وتصل المعاني التي ترد للكلمة الواحدة في المعاجم الحديثة الراصدة للتطورات الدلالية الجديدة منها أحياناً إلى عدد كبير من المعاني المستعمـلة في الحياة الفعلية الحاضرة . فقد جاء في تفسير الفعل (فتح) على نحو المثال في « المعجم العربي الأساسي » الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، وهو من أحدث المعاجم المتطورة ، ما نصه :

(( فَتَحَ يَفْتَحُ فَتْحا فهو فاتح : 1 البابَ والصُّندوقَ ونحوهما : خِلاف أغلقهما ، 2 الطّريقَ : هيَّأه للمرور فيه ، أذِنَ بالمرور فيه ، 3 الاجتماعَ ونحوه : بدأ عمله ، 4 المدينةَ أو البلدَ : احتلّها ، 5 الكتابَ : نشَرَ طَيَّهُ ليقرأ منه / فتح اعتماداً في المصرف : خصّص مبلغا للصرف منه على عمل معيّن . فتح اللّه عليه : هداه أرشده . فتح الباب على مصراعيه لعمل ما : أفسح المجال له ، سمح به دون قيود . فتح البخْت : تنَّبأ بالمُستقبل . فَتَح بين الخصمين : قَضى ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ) [قرآن> . فتح حِسَابا في المَصْرِف : أودع مبلغا من المال صالحا للسحب منه . فتح شهته : جعله راغبا في الأكْل . فتح صفحة جديدة : غيَّر طريقته « فتحت العراق صفحة جديدة مع مصر » . فتح عيْنَيْه جيدا : انتَبَه ، حَذِرَ . فَتَحَ عيْنَيْه على شيء : شاهده أو اختبره وهو لا يزال طِفْلا . فَتَحَ له َقْلبَهُ : باح بسِرِّهِ له ، وثق به فأَطْلَعَهُ على سِرِّهِ . فَتَّحَ يُفَتِّحُ تَفْتِيحاً : الأبوابَ ونحوها : بالَغَ في فَتْحِها ( لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ) [قرآن> ([18>).

فنحن نجد هنا أن كلمة (فتح) قد اتسعت لأكثر من (16) ستة عشر معنى ، بين محسوس ومجرد ، وكلها جارية متداولة ، متعارف على استعمال الكلمة فيها ضمن سياقاتها الخاصة . ويمكن أن تتسع لمعان مجازية أخرى متعددة أيضاً كما اتسعت غيرها .

نظم المعلم بطرس البستاني صاحب معجم « محيط المحيط » قصيدة تصل إلى (30) ثلاثين بيتاً تنتهي كل أبياتها بكلمة (الخال) بمعان مختلفة . ولهذا سميت بالقصيدة الخاليِّة ، وربما أراد بذلك إظهار مدى اتساع التعدد الدلالي للألفاظ العربية وسعة اطلاعه وإحاطته بهذا التعدد . ومن هذه القصيدة :

فسح من الأجفان دمعك الخـال


أمن خدها الوردي أفتنك الخال



لعينيك أم من ثغرها الومض الخال


الومض برق من محيا جمالها



تلاعب في أعطافه التيه والخـال


رعى الله ذياك القوام وإن يكن



وإن لام عمي الطيب الأصل والخـال ([19>)


مهـاة بأمي أفتديها ووالــدي




ومعاني كلمة (الخال) في هذه الأبيات على التوالي : الشامه في الوجه /السحاب الممطر/البرق/ الغرور أو التكبر/ أخو الأم

إن تعدد المعاني أو المدلولات للكلمة الواحدة إلى الحد الذي رأيناه ليس في الحقيقة ظاهرة غريبة ؛ لأن معنى الكلمة كما يقول رائد الفلسفة اللغوية في العصر الحديث (لودفج فتجنشتين) L Wittgenstein : (ليس له ثبات أو تحديد .. واللغة ليست حساباً منطقياً دقيقاً لكل كلمة معنى محدد ولكل جملة معنى محدد ولكل الجمل وظيفة واحدة .. وإنما تتعدد معاني الكلمة بتعدد استخداماتنا لها في اللغة العادية ، وتتعدد معاني الجملة الواحدة حسب السياق الذي تذكر فيه .. وأن الكلمة مطاطة تتسع وتضيق استخداماتها حسب الظروف والحاجات )([20>) ومع ذلك فإن لهذا التعدد مبررات وأسباباً ثابتة ومحسوسة يفرضها الواقع الاجتماعي وظروف الحياة المختلفة المتغيرة .



أسباب نشوء المشترك
إن تعدد المعنى للكلمة الواحدة قد يحدث - كما هو ثابت ومشهود - نتيجة لاختلاف اللهجات واختلاف استخدامهـا للكلمات ، فكلمة القرءُ ، كما يقول ابن السكيت (( عند أهل الحجاز الطهر وعند أهل العراق الحيض ))([21>) بينما القروء في واقعها الأوقات التي يحصل فيها الطهر أو الحيض . وقد يحصل أن تداخل اللهجات عن طريق التجاور والمعاشرة والاختلاط بين أفراد الجماعات ، مما يؤدي إلى حدوث عملية التراكم الدلالي .

وقد يتعدد المعنى للكلمة الواحدة كذلك نتيجة للاستخدامات المجازية الإرادية لهذه الكلمة ، أو نتيجة لاستعمالها في معنى معين ، ثم استعارتها لمعنى أو معان أخرى ، يكثر ويغلب تداولها حتى تصير بمنزلة المعنى الأصلي في الاستعمال والشيوع . وهذا ما نص عليه أبو علي الفارسي بقوله : (( إن اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ينبغي أن لا يكون قصداً في الوضع ولا أصلاً ، ولكنه من لغات تداخلت ، أو أن تكون لفظة تستعمل لمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتصير بمنزلة الأصل ))([22>) فكلمة سيارة في اللغة العربية على سبيل المثال تعني في الأصل القافلة ، ثم استعيرت واستعملت بمعنى (العربة الآلية التي تستخدم في نقل الناس والبضائع ) وقد شاع استعمال الكلمة بهذا المعنى في عصرنا الحاضر حتى أصبح بمنزلة المعنى الأصلي لها ، وهكذا كلمة مبلغ التي تعني في الأصل ( منتهى الشيء أو غايته )، ثم استعملت بمعنى ( مقدار من المال ) . وقد غلب استعمال هذا المعنى لها في العصر الحاضر كما نرى حتى صار بمنزلة الأصل ...

وينشأ المشترك أحياناً في ظروف لغوية معينة يُعدل فيها عن المعنى الأصلي للفظ إلى معنى آخر مباين أو مضاد لمعنى اللفظ المتعارف عليه بهدف التفاؤل أو التأدب أو التهكم والسخرية أو التهويل والتعظيم أو اجتناب التلفظ بما يمجه الذوق أو بما يكره أو يحرج أو يؤلم المخاطب أو يحدث له أو للمتكلم ضرراً أو بصورة عامة لغرض ما اصطلحت اللغات الأوروبيّة على تسميته باسم «Euphemism » أي تلطيف التعبير عن شئ بغيض ([23>). ثم يرجع إلى استعمال المعنى الأصلي في ظروف لاحقة أخرى ، وهكذا يحصل التناوب والتبادل بين المعنيين أو المعاني وقد تصبح هذه المعاني نتيجة لكثرة هذا التناوب والتبادل في مستوى واحد من الاستعمال والدوران ، ولا ينفك أي منها عن الارتباط باللفظ .

نحن نقول للأعمى بصيراً ونقول لمن ذهب بصر إحدى عينيه كريم العين ، للتأدب أو لتفادي إحراج المخاطب وإيلامه أو للتطلف في التعبير عامة . ويطلق على المهلَكة لفظ المفازة على جهة التفاؤل كما يسمى العطشان رياناً والأسود أبو البيضاء ([24>). تماماً كما كان العرب يطلقون على عبيدهم أسماء يتفاءلون بها مثل : ميمون ومبروك وكافور .. ويسمى الملدوغ سليماً للتفاؤل كذلك أو الدعاء أحياناً.. كما يقال للمهرة الجميلة شوهاء خوفاً من أن تصيبها العين ، وللغراب أعور تعبيراً عن حدة بصره ، وتطلق عبارة « بيضة البلد » على من انفرد بميزة ممدوحة حسنة ، كما يجوز أن يراد بها عكس ذلك ، حيث تطلق على من يراد أن يهزأ به ويسخر منه كما يقول السجستاني ([25>) .

وقد تحدث ظروف معينة تفرضها السياقات أو المواقف المختلفة التي تستعمل فيها الكلمات ، توجه الذهن بشكل لا إرادي إلى اتجاهات جديدة أحياناً ، مما يوحي بخلق معان جديدة لهذه الكلمات ، وذلك لما يوجد في هذه الكلمات نفسها ، كما يعبر (جوزيف فندريس) Vendryes - من قابلية على التأقلم ؛ أي ( القدرة على اتخاذ دلالات متنوعة تبعاً للاستعمالات المختلفة التي تستخدم فيها وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات ومن ثم أداء عشرات من وظائفها بسهولة ويسر . حيث إن خلق معانٍ جديدة لها لا يقضي بالضرورة على المعاني السابقة ، فيمكن لكل المعاني التي اتخذتها أن تبقى حية في اللغة . وحركة التغيرات المعنوية تسير في كل الاتجاهات حول المعنى الأساسي ، ولكن كل واحد من المعاني الثانوية يمكن أن يصبح بدوره مركزاً جديداً للإشعاع المعنوي ([26>) .

ولا يمنع أن يوضع أو يستعمل اللفظ الواحد للدلالة على معنيين قصداً ، كما تصور أبو علي الفارسي ، بل من الممكن أن يكون ذلك من قبل واضع واحد أو من قبل واضعين اثنين ، يضع أحدهم لفظاً لمعنى ، كما يقول السيوطي ، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر ([27>) ، ويستمر استعمال اللفظ بالمعنيين الموضوعين كليهما ؛ فالكلمات على نحو ما تبين رموز طيعة مرنة . كما أن الكلمة (( لا تدل بنفسها على شئ ، ولكن المفكر يستعملها فيصبح لها معنى ، إذ يتخذها أدوات )) ([28>) ونحن نعلم أن مجموعات كبيرة من مفردات اللغة توضع من قبل واضعيها قصداً للدلالة على معان اصطلاحية خاصة قد تكون متعددة ، مع الإقرار أو الوعي بمعانيها اللغوية العامة ، وقد يحصل التزامن في اتخاذ كلمة ما للدلالة على أكثر من معنى اصطلاحي واحد من جانب واحد ، كما هو الشأن في المجامع أو المؤسسات اللغوية عامة حين تتولى لجانها الخاصة وضع المصطلحات العلمية والفنية مثلاً .

ولنشوء المشترك اللفظي أو حدوثه أسباب وتبريرات وآراء أخرى كثيرة ذكرها اللغويون العرب وغيرهم ، يمكن الرجوع إليها في مظانها ([29>) تجنبنا تعدادها والحديث عنها تفادياً للإطالة والتكرار . واعتقاداً منا بأن الواقع العملي الفعلي بحد ذاته يكفي لإثبات وقوع المشترك اللفظي . وتوضيح الكثير من أسبابه وملابساته وإدراك طبيعة نشوئه . كما أنه لا يعنينا في هذا المجال تعداد أسباب حدوث المشترك اللفظي بقدر ما يعنينا وجوده ، وتهمنا وفرته وفاعليته في واقعنا اللغوي ، ثم حل الإشكاليات التي تحوم حوله ، بغية التوجيه لمزيد من العناية به والتمكين منه ، واستغلاله كجزء هام من الثروة اللفظية التي تتسع لها لغتنا العربية .



إشكاليات حول المشترك
مهما كانت عوامل نشوء ظاهرة التعدد الدلالي ، وأسباب تطورها ، فإن الألفاظ العربية المشتركة المعاني التي يمكن أن نلحظها في معاجم اللغة العامة، أو نمر بها ونشهدها في ما نسمع من الكلام وما نقرأ من نصوص شعرية ونثرية قديمة وحديثة في هذه اللغة تشكل ــ كما سبق القول ــ قدراً لا يستهان به من الثروة اللغوية . وليس صحيحاً ما زعمه أحد الدارسين المعاصرين من أن المشتـرك اللفظي في العربية (يكثر في الألفاظ الحوشية أو الغريبة غير الدائرة على الألسنة ولا كثيرة في نصوص الأدب ، من مثل : السرداح ، والسرداحة ، والدردبيس ، والخلابيس ، والقردوع ) . وأن كثرته تنهك اللغة وتثقل عليها([30>) . وليس صحيحا كذلك ما رآه الدكتور إبراهيم أنيس ، وأيد فيه ابن درستويه ، من أن غالب المشترك من الألفاظ العربية ناتج عن التوسع المجازي ، وأن ما كان ناتجاً عن التوسع المجازي من قريب أو من بعيد لا يعد من المشترك([31>) .

هذه المزاعم - كما سبقت الإشارة - فيها نوع من المغالاة ، وهي تفضي بلا شك إلى التقليل من شأن هذا النوع من الألفاظ ؛ فهناك مجموعات كبيرة من الألفاظ المشتركة المعاني الفاعلة المتداولة في معظم النشاطات اللغوية الحيوية في عصرنا الحاضر ، وقد أوردنا بعضاً منها، ولو اتسع لنا المجال لأوردنا المزيد . ولقد ورد في كتبها المخصصة ومعاجم اللغة العامة وعدد من مصنفات اللغة ألفاظ قديمة كثيرة مماثلة لها([32>) . كما ورد الكثير منها في المعاجم العربية الحديثة على نحو ما تبينا فيما سبق .

علاوة على ما ذكر فإن المعاني الوظيفية التي تعبر عنها المباني الصرفية في اللغة العربية هي بطبيعتها . كما يقرر أحد الباحثين في هذه اللغة : (( تتسم بالتعدد والاحتمال ، فالمبني الصرفي الواحد صالح لأن يعبر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامة ما في سياق ما ، فإذا تحقق المعنى بعلامة أصبح نصاً في معنى واحد بعينه تحدده القرائن اللفظية والمعنوية والحالية على السواء . ويصدق هذا الكلام على كل أنواع المباني التي سبق ذكرها ، سواء في ذلك مباني التقسيم ومنها الصيغ ومباني التصريف ومنها اللواصق ومباني القرائن اللفظية وكذلك مباني بعض التراكيب ... إن مباني الأقسام قد تتعدد معانيها ، كالمصدر من الأسماء ، ينوب عن الفعل نحو ضرباً زيداً ، ويؤكد الفعل كضربته ضرباً ، ويبين سببه كضربته تأديباً له ، وينوب عن اسم المفعول نحو « بِدَمٍ كَذِبٍ » ، واسم الفاعل مثل ( أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً ) . ويكون بمعنى الظرف
نحو : آتيك طلوع الشمس وهلم جرا ))([33>) ...

ومن جانب آخر فقد ثبت أن المجاز يعد أصلاً وأساساً في تكوين العديد من مفردات اللغة ومعانيهـا ، ومظهراً مهماً من مظاهر التطور الدلالي فيها. والعربية لغة التوسع المجازي ، وباب المجاز مفتوح على مصراعيه فيها . كما يقول أحد المجمعيين العرب . ([34>) و (( المجاز القديم مصيره إلى الحقيقة )) ([35>) كما يصرح د. أنيس ذاته . وسبب ذلك - كما يعلل باحث آخر- هو أن
(( المعاني الفنية المجازية يكثر ترديدها على الألسنة مع إطلاقها المجازي الفني ، فحين يطول عليها الأمد في هذا الاستعمال يميل الناس إلى اعتبار دلالتها على المعنى المجازي الجديد دلالة عليه على سبيل الحقيقة ومن ثم يصبح معنى الكلمة متعدداً وترصد لها هذه المعاني المتعددة في المعجم فتكون الكلمة بين جلدتي المعجم محتملة لكل معانيها المعجمية المختلفة المنشأ حتى توضع في سياق يحدد لها واحداً من هذه المعاني ))([36>).

علماً بأن د . إبراهيم أنيس نفسه قد عارض رأيه السابق الذكر ، وأقر في كتابه « في اللهجات العربية » بأن المعاجم العربية مليئة بالألفاظ المشتركة ، وأن ما نشأ من هذه الألفاظ عن التطور الصوتي قد بلغ المئات ، وصرح هو نفسه أيضاً بما يفيد بأن ( الألفاظ تنشأ لها نتيجة للاستعمال دلالات هامشية بالإضافة إلى دلالاتها المركزية ويشترك الناس أحياناً في استعمال هذه الدلالات ، ومع مرور الزمن يتضخم الانحراف وتصبح هذه الدلالات شائعة ، ويرث الجيل التالي ما شاع من دلالات مركزية وهامشية على حد سواء ) ([37>). وهذا القول في الوقت الذي يشير فيه الباحث المذكور إلى عامل مهم من عوامل حصول الاشتراك اللفظي أعم من المجاز - وهو (نشوء دلالات هامشية للألفاظ ثم شيوعها نتيجة لكثرة الاستعمال وبقائها جنباً إلى جنب مع الدلالات المركزية) - يؤكد على أهمية هذا الاشتراك وضرورة التسليم بتوالي حصوله واعتباره كظاهرة بارزة في اللغة . إلا أن قائله لم يثبت عليه . وقد لاحظ عليه بعض الباحثين هذا التناقض أو التذبذب في الرأي ([38>).

وقد كان لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني (ت 250هـ) بعض التحفظ على عدد مما نسب للأضداد من الألفاظ ، إذ لم ير إطلاق اسم الأضداد على كل ما سمعه منها ، فلم يعد كلمة (السليم) مثلاً من الأضداد كما فعل غيره ، وإنما استثناهما بقوله : « قالوا السليم السالم ، وقالوا السليم الملدوغ . وهو عندي على التَفَؤُّل . » . ويقصد بذلك أن هذا المعنى الأخير لا يعتبر معنى ثابتاً مرتبطاً باللفظ بنحو دائم إذ اللفظ مزال عنه جهته بنحو موقت . ومثل ذلك كلمة (شوهاء) التي تستعمل عندهم بمعنى قبيحة وجميلة . أما هو فيقول : (لا أظنهم قالوا للجميلة شوهاء إلا مخافة أن تصيبها عينٌ كما قالوا للغراب أعور لحدة بصره) ([39>). وعلى أساس من هذا الاعتقاد سمى السجستاني كتابه « كتاب المقلوب لفظه في كلام العرب ، والمزال عن جهته ، والأضداد » وبذلك أخرج مجموعة مما شاعت نسبتها للأضداد وهي ليست كذلك في رأيه ، وميز ما يصدق عليه صفة الضد بنحو قاطع ثابت ضمن مجموعة خاصة .

الحقيقة أن السجستاني مصيب فيما رآه من أن بعض الألفاظ تزال عنه جهته ، ويستخدم بمعنى جديد ، وربما يكون مرتجلاً ، ثم يعدل بعد ذلك عنه إلى المعنى الأصلي ، وقد لا يعدل فيظل استعمال اللفظ بالمعنى الثاني الجديد مستمراً وجائزاً . لكنه غير مساو للمعنى الأصلي في دلالته واستخدامه ، وبهذا يمكن أن تخرج مجموعة مما نسب إلى الأضداد العربية . إلا أن استخدام اللفظ بمعنى مرتجل أو وقتي لسبب عابر طارئ ، كإرادة التفاؤل ، أو الحذر من الإصابة بالعين أو غيره ، كاستخدامه بمعنى مجازي ، يمكن أن يكون في حد ذاته عاملاً في نشوء التضاد أو الاشتراك اللفظي بمفهومه الحقيقي الذي تحدثنا عنه ، وذلك كما سبق أن أوردنا بيانه لأحد الباحثين ( عندما يكثر ترديد اللفظ على الألسنة بهذا المعنى ويطول عليه الأمد في هذا الاستعمال يميل الناس إلى اعتبار دلالته على المعنى المجازي الجديد دلالة عليه على سبيل الحقيقة ومن ثم يصبح معنى الكلمة متعدداً وترصد لها هذه المعاني المتعددة في المعجم فتكون الكلمة بين جلدتي المعجم محتملة لكل معانيها المعجمية المختلفة المنشأ حتى توضع في سياق يحدد لها واحداً من هذه المعاني([40>). وبناء على ذلك فلا يصبح في تحفظ السجستاني نفي للمشترك اللفظي أو التقليل من شأنه أو الطعن في القول بكثرة وروده في اللغة العربية .

أما دعوى أن الاشتراك اللفظي يشيع في اللغة أو في ثقافتها الغموض والالتباس ([41>). فإنها مبنية في الأصل - فيما يبدو - على شبهة قديمة مبالغ فيها ، أثارها بعض الشعوبيين زراية بالعرب وبلغتهم ، وتبناها (ابن درستويه) ، الذي نفى حصول الاشتراك اللفظي بالوضع وادعى ندرة المشترك في العربية . كما ألف كتاباً في إبطال الأضداد . وقد نقل عنه السيوطي فيما أورد له بهذا الشأن قوله : « وليس إدخال الإلباس في الكلام من الحكمة والصواب ، وواضع اللغة - عز وجل - حكيم عليم ؛ وإنما اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني ؛ فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين ، أو أحدهما ضدٌ للآخر لما كان ذلك إبانة بل تعمية وتغطية ([42>). فرأي (ابن درستويه) هذا ، كما هو واضح ، مبني أولاً على كون اللغة توقيفية . كما أن فيه الكثير من المغالاة أو ضيق الأفق . وقد تحدث ابن الأنباري في كتابه « الأضداد » بما يرد عليه .

يقول ابن الأنباري([43>) : (( ويظن أهل البدع والزَّيغ والإزراء بالعرب أن ذلك كان منهم لنقصان حكمـتـهم ، وقلّة بلاغتهم ، وكثرة الالتباس في محاوراتهم ، وعند اتصال مخاطباتهم ؛ فيسألون عن ذلك ، ويحتجون بأن الاسم منبئٌ عن المعنى الذي تحته ، ودالٌّ عليه ، وموضح تأويله ؛ فإذا اعتور اللفظة الواحدة معنيان مختلفان لم يعرف المخاطَب ايّهما أراد المخاطِب ، وبطل بذلك معنى تعليق الاسم على هذا المسمّى ؛ فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه بضروب من الأجوبة : أحدهن أن كلام العرب يصحّح بعضه بعضاً ، ويرتبط أوّله بآخره ، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه ؛ فجاز وقوع اللفظة الواحدة على المعنيين المتضادين ؛ لأنها تتقدمها ويأتي بعدها ما يدلُّ على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر ، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد )) .

ويستشهد ابن الأنباري على قوله هذا بأمثلة شعرية وقرآنية ونثرية كثيرة مما يفرض فيها السياق معنى للفظة المشتركة دون غيره ، فلا يلتبس المعنى على القارئ ، كقول الشاعر :

والفتى يسعى ويُلْهيه الأمـَل


كلُّ شيء ما خلا الموت جَلَلْ




ويعقب على ذلك بقوله : « فدل ما تقدم قبل « جلل » ، وتأخر بعده ، على أن معناه كلُّ شيء ما خلا الموت يسير ، ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجَلَل هنا معناه عظيم . » وهذا عكس ما يفرضه السياق في قول الشاعر الآخر :

ولئن سَطوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي


فلئن عفـوتُ لأعفونْ جَللاً



فإذا رميتُ يصيبـني سهمـي


قومي هُمُ قتلوا أُمَيْمَ أخـي




فهذا الكلام يدل ، كما يعقب ابن الأنباري : « على أنه أراد : فلئن عفوت لأعفونّ عفواً عظيما ؛ لأن الإنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب حقير يسير . فلما كان اللبس في هذين زائلا عن جميع السامعين لم ينكر وقوع الكلمة على معنيين مختلفين في كلامين مختلفي اللفظين . » وهكذا يتحدد المراد من كلمة « جلل » المشتركة أو المختلفة المعنى من خلال السياق بيسر وسهولة ، ولا يحدث اللبس المزعوم .

وقد رد ضياء الدين ابن الأثير على دعوى وقوع الغموض عند استعمال المشترك اللفظي بمثل ما رد به ابن الأنباري مؤكداً على أن فائدة البيان أو وضوح الدلالة عند استعمال المشترك اللفظي يمكن استدراكها بالقرينة ، بينما لا يمكن استدراك ما يمكن أن يتحقق بفضل استعماله من التحسين البلاغي أو الجمالي الفني في الكلام في حالة تركه ([44>). وإذاً فالأولى استعماله والقرينة أو السياق كفيل بإزالة ما يمكن أن يحدثه هذا الاستعمال من غموض .

إن للسياق أهميته ومقامه الكبير في التبادل اللغوي ، وبفضله يستطيع الناس أن يستخدموا المشترك اللفظي ويتفاهموا من خلاله فيما بينهم تفاهماً واضحاً صريحاً لا غموض فيه ؛ لأن مقدرة الكلمات على أداء وظيفتها - كما يصرح (ستيفن أولمــان) Stephen Ullmann - « لا تتأثر بحال من الأحوال بعدد المعاني المختلفة التي قدر لها أن تحملها ، بدليل أن بعض هذه الكلمات تستطيع بالفعل أن تقوم بعشرات الوظائف في سهولة ويسر ))([45>) .

والقول بأهمية السياق وبدوره في تحديد المفهوم المناسب أو المراد من بين المفاهيم الأخرى التي قد تشترك في اللفظ الواحد لا يمنع من التسليم بأن بعض المفاهيم المشتركة قد تلتبس أحياناً أو تتداخل فتؤدي إلى نوع من
الغموض . كما يحدث أن تهجر أو تتراجع بعض هذه المفاهيم أو تطغى المعاني الجديدة على المعاني القديمة منها ، فتنسى القديمة ولا يتمكن المتلقي الحديث العهد من معرفتها ، ولاسيما إذا كان ضئيل المحصول من مفردات اللغة ، وربما قاد ذلك إلى صعوبة فهمه للنص الذي ترد فيه ، خصوصاً إذا كان هذا النص شعرياً فنياً متعمق اللغة . إلا أن تعدد المعنى رغم ذلك ليس بحال من الأحوال هو المصدر الوحيد للغموض أو اللبس ، فهناك كما يبين ( وليم إمبسون ) William Empson في كتـــــابه

Seven Types of Ambiguity أنواع سبعة من اللبس أو ازدواج الدلالة([46>) ، وربما كان الاشتراك اللفظي من أقلها سلبية على النص الأدبي ، بل ربما كان من أظهرها إيجابية في إضافة معنى جديد أو ظل موح بمعنى آخر يستخلص مباشرة من صريح العبارة ، ويكون له أثر في توجيه القارئ لاتجاه أو اتجاهات مختلفة فعالة لها أهميتها في إضافة قيمة أو قيم جديدة للنص كما يحصل ذلك في التورية وفي غيرها من الأنواع والأساليب البلاغية .

من خلال ما سبق ذكره نتبين أن كثرة المشترك اللفظي لا تشين اللغة ولا تنهكها ليقال : إن إنكاره أو التقليل من شأنه يعد دفاعاً عن حياض اللغة أو حماية لها . كما أن كثرته لا تدل على ضعف اللغة أو ضيقها وقلة ألفاظها ، بل تدل على اتساعها ومرونتها ؛ لأن استعارة العرب لفظ الشيء لغيره كما يقول ابن رشيق : (( إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتداراً ودالة ، ليس ضرورة . ألا ترى أن للشيء عندهم أسماء كثيرة وهم يستعيرون له مع ذلك ؟ على أنا نجد أيضاً اللفظة الواحدة يعبر بها عن معان كثيرة ، نحو (العين) التي تكون جارحة ، وتكون الماء ، وتكون الميزان ، وتكون المطر الدائم الغزير ، وتكون نفس الشيء وذاته ، وتكون الدينار ، وما أشبه ذلك كثير ، وليس هذا من ضيق اللفظ عليهم ، ولكنه من الرغبة في الاختصار ، والثقة بفهم بعضهم عن بعض . ألا ترى أن كل واحد من هذه التي ذكرنا له اسم غير العين أو أسماء
كثيرة ؟ )) ([47>)

علاوة على ما سبق ذكره فإن قدرة الكلمة على التعبير عن الفكر أو المعاني المتعددة وتأهيلها للقيام بعدد من الوظائف المختلفة في حد ذاتها (( دليل على حيوية اللغة ورواجها . فكيف ننادي لفائدة أحادية المعنى ؟ علماً بأن أحادية المعنى لا يمكن أن تقوم إلا بتحجير اللغة والقضاء على حركتها ، أي قتلها ، وعلماً كذلك بأن المجاز والسياق يعرضان اللفظ للتوسع الدائم ))([48>) .


أهمية المشترك اللفظي
أشير فيما سبق ذكره إلى أن التعرف على الأبعاد أو المجالات الدلالية للكلمات والتراكيب اللغوية المكتسبة تمكن الفرد من استغلال الطاقات المتوافرة في ألفاظ اللغة للتعبير عن مكنونات النفس ودقائق الفكر ونوازع الوجدان ، وبما يتلاءم مع كافة الظروف النفسية والاجتماعية ومع السياقات اللغوية المختلفة . لاسيما أن ألفاظ اللغة ، أية لغة - مهما كثرت فهي محدودة من حيث الكم ، بينما المعاني والأفكار والمدركات متجددة متطورة متنامية لا حدود لاتساعها .

إن المعاني غير متناهية ، والألفاظ متناهية . كما يؤكد علماؤنا العرب القدامى([49>) . (( ولدينا نحن الكبار طائفة لا حصر لها من المعاني لا نجد لها الألفاظ المناسبة وكثرة من الأفكار يستعصي علينا التعبير عنها . من ذلك أننا نقول : إن الطيف الشمسي يحتوي على سبعة ألوان ، مع أن مناطق تداخل هذه الألوان تحتوي على ظلال شتى دقيقة لطيفة من الألوان ليست لدينا أسماء لتسميتها كذلك كثير من حالاتنا الشعورية والوجدانية )) ([50>). وهكذا يبقى المخزون اللفظي للغة - مهما اتسع وتنامى - قاصراً عن الوفاء بمطالب التعبير ولاسيما في مجال الأفكار المجردة ونوازع النفس البشرية وانفعالاتها وأحاسيسها الدقيقة المتشعبة المتنامية ، وبذلك فلا غنى للإنسان في تواصله ونشاطه اللغوي بمختلف أشكاله عن استعمال آخر أو استعمالات أخرى متعددة للكلمات التي يضعها أو يرثها .

إن وجود كلمة مستقلة خاصة بكل شئ يتداوله الناس أمر صعب ، لأنه يفرض عبئاً ثقيلاً على الذاكرة . هذا إن استطاعت هذه الذاكرة أن تحيط بكل ما يتواضع عليه أفراد الجماعة من الألفاظ . لقد ثبت أنه لا قدرة للإنسان على الإحاطة بكل مفردات اللغة ([51>). وأنه حتى لو كرس شخص ما وهب قوة الحفظ جهداً خاصاً لاستظهار قسط وافر من هذه المفردات في فترة معينة من الزمن ، فإن المشكلة أو الصعوبة تبقى قائمة في قدرة هذا الشخص على استرجاع ما حفظ أو استظهر ، بعد توالي الزمن ؛ إذ يتعذر على ذاكرة الإنسان - مهما قويت و اتسعت - كما يقرر علماء النفس - أن تحتفظ بكل ما أودع أو اختزن فيها من معلومات لأمد طويل ، حيث إن الإنسان معرض لأن ينسى الكثير مما حفظ واكتسب من معلومات أو معارف مع مرور الزمن ، وخاصة عندما لا تتوافر الحوافز أو الأسباب لاسترجاع وحضور هذه المعلومات أو المعارف في ذهنه ([52>). ومع هذا الافتراض فإن الإنسان يجد في المشترك اللفظي ما يسعفه في التعبير عن أغراضه حتى وإن كان محصوله من ألفاظ اللغة عامة قليلاً ، ودونما تعرض لما يرهق ذاكرته .

يقول (ستيفن أولمان) « إن الآثار المترتبة على تعدد المعنى للكلمة الواحدة بالنسبة للثروة اللفظية للغة آثار بعيدة المدى . من ذلك مثلاً أن وجود كلمة مسـتـقـلة لكل شيء من الأشياء التي قد نتناولها بالحديث من شأنه أن يفرض حملاً ثقيلاً على الذاكرة الإنسانية . وسوف يكون حالنا حينئذ أسوأ من حال الرجل البدائي الذي قد توجد لديه كلمات خاصة للدلالة على المعاني الجزئية « كغسل نفسه » و « غسل شخصاً آخر» و « غسل رأس شخص آخر » و « غسل وجهه » و « غسل وجه شخص آخر » الخ ، في حين أنه لا توجد لديه كلمة واحدة للدلالة على العملية العامة البسيطة وهي « مجرد الغسيل » . إن اللغة في استطاعتها أن تعبر عن الفكر المتعددة بواسطة تلك الطريقة الحصيفة القادرة ، التي تتمثل في تطويع الكلمات وتأهيلها للقيام بعدد من الوظائف المختلفة . وبفضل هذه الوسيلة تكتسب الكلمات نفسها نوعاً من المرونة والطواعية ، فتظل قابلة للاستعمالات الجديدة من غير أن تفقد معانيها القديمة([53>) .

وحتى لو أحاط الفرد بكل ما يمكن أن يعبر عن جميع أغراضه وأفكاره من ألفاظ اللغة وصيغها ، فإن الموقف أو النمط والأسلوب الكلامي قد يفرض عليه أحياناً الاقتصاد في استعمال الألفاظ ، أو استعمالها في معان وخطابات غير مباشرة ، تجنباً لحرج أو مواجهة غير محمودة ، كما قد تدعوه نزعة فنية إلى نوع من التنميق الجمالي والتنغيم الصوتي المحبب ، مما يحوجه لكلمات ذات أصوات متشابهة ودلالات متشعبة ثرية . وفي مثل هذه الحال يكون المشترك اللغوي عوناً له في تحقيق غرضه ..

كان المشترك اللفظي في اللغة العربية قديماً وما يزال عوناً لأولئك المغرمين بالمحسنات اللفظية وألوان البيان وفنون البديع كالاستعارة والتجنيس أو الجناس والترديد والمماثلة والمشاكلة والترصيع والتورية (( التي كان لها شأن في الرمزية الأسلوبية العربية ))([54>) وما إلى ذلك من المغالطات المعنوية أو الألعاب اللغوية ، كما يحلو للبعض أن يسميهـا([55>). وقد عد ضياء الدين بن الأثير (ت 559هـ) الأسماء المشتركة من جملة أدوات البيان وآلاته ، ومن أهم ما يحتاج الشاعر والكاتب إلى معرفته والإحاطة به كوسيلة للقول البليغ ، على أساس أن فائدة وضع اللغة في رأيه ووفق نظرته التوقيفية لها لا تكمن في البيان وحده ، وإنما في البيان والتحسين : « أما البيان فقد وفى به الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دل على مسمى واحد ، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بيناً مفهوماً ، لا يحتاج إلى قرينة ، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئاً غيرها ، لكان كافياً في البيان .. وأما التحسين فإن الواضع لهذه اللغة العربية ، التي هي أحسن اللغات ، نظر إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر ، ورأى أن من مهمات ذلك (التجنيس) ، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة ، التي هي كل اسم واحد دل على مسميين فصاعداً ، فوضعها من أجل ذلك([56>) .

والتجنيس أو الجناس القائم على الاشتراك اللفظي هو الجناس التام الذي يعد أرقى أنواع الجناس وأكثرها إبداعاً عند رجال البلاغة . وهو لا يقتصر على الأسماء كما يمكن أن توحي عبارة ابن الأثير السابقة ، وإنما يشمل الأفعال والألفاظ عامة . يقول ابن حجة الحموي : (( أما الجناس التام : فهو ما تماثل ركناه واتفقا لفظاً واختلفا معنى ، من غير تفاوت في تصحيح تركيبهما ، واختلاف حركتهما ، سواء كانا من اسمين ، أو من فعلين ، أو من اسم وفعل ، فإنهم قالوا : إذا انتظم ركناه ، من نوع واحد ، كاسمين أو فعلين ، سمي مماثلاً ، وإن انتظما من نوعين ، كاسم وفعل ، سمي مستوفى ، وجل القصد تماثل الركنين في اللفظ والخط والحركة واختلافهما في المعنى ، سواء كانا من اسمين أو من غير ذلك ، فإن المراد أن يكون الجناس تامًّا ، على الصفة المذكورة ، من حيث هو أكمل الأنواع إبداعاً وأسماها رتبة وأولها في الترتيب )) ([57>).

و(التجنيس) أو الجناس التام الذي لا يقوم به إلا الألفاظ المشتركة ، ليس من مهمات الفصاحة والبلاغة عند ابن الأثير وابن حجة الحموي وحدهما ، وإنما كان موضع اهتمام معظم البلاغيين والنقاد العرب القدامى عامة ، إلى درجة أن قدمه بعضهم على الألوان البديعية الأخرى . فقد عده يحيى ان حمزة العلوي صاحب الطراز ( ت 745 هـ) (( من ألطف مجاري الكلام ومن محاسن مداخله ، وهو من الكلام كالغرة في وجه الفرس )) ([58>) ؛ وما ذلك إلا لما للتجنيس عندهم من ارتباط وثيق بالذوق اللغوي للشاعر أو المتكلم البليغ عامة ومن دلالة على رقة طبعه وتعمقه في اللغة وقوة تداعي الألفاظ والمعاني لديه ، ثم لما للتجنيس البديع ذاته من أثر في التجسيد والإيحاء وجمال الإيقاع وجذب النفس وصرف الذهن إلى بديع المعاني . يقول البهاء السبكي (ت 763 هـ) عن عماد الدين بن الأثير - وكان يجد هذا الأخير متعة في الإصغاء إلى التجنيس في الكلام - : (( إن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاء إليها ، ولأن اللفظ المشترك إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوف إليه )) ([59>) .

ومن الجدير بالذكر أن عدداً من الكتاب الأوروبيّين الشكليين ولاسيما كتاب العصور الوسطى وما بعدها ، قد أغرموا باستخدام الجناس - القائم على الاشتراك اللفظي - مثلما أغرم به الكتاب العرب من قبل ، ويظهر ذلك واضحاً في عدد من مسرحيات الكاتب الفرنسي ( جان راسين ( Jean Racine، وكتابات الكاتب والشاعـــــــر الإيطــــالي

(جيوفــاني بوكاشيو) Giuvanni Boccaccio ([60>) .

كان المشترك اللفظي كذلك ملجأً للشعراء في حال احتياجهم لتكرار ألفاظ بعينها في قوافيهم ، سواء لاستغلال النواحي الصوتية في هذه الألفاظ أو الطاقات المعنوية أو الجوانب الشكلية فيها وما يمكن أن تؤديه من دور في النغم والإيقاع العروضي أو المضمون التأثيري عامة .. ولقد أجاز عدد من النقاد وعلماء البلاغة العرب للشاعر تكرار لفظ بعينه في قوافيه إذا كان هذا اللفظ لمعنى مختلف ولم يعتبره أحد منهم (إيطاء) كما صرح بذلك ابن رشيق القيرواني([61>) .

ولقد هيأ المشترك اللفظي تطوير محسن بلاغي كان له شأنه وموقعه الجليل عند أهل البلاغة وكان من الناحية العملية محل اهتمام كثير من الشعراء والكتاب أيضاً . ذلك هو « رد العجز على الصدر ، وهو في الشعر » أن يكون أحد اللفظين المكررين في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو حشوه أو آخره أو صدر الثاني »([62>) ، فقد تفنن الشاعر العربي القديم في استخدام هذا المحسن وأظهر براعة في استغلال الطاقات الموسيقية الجميلة التي يحدثها التماثل اللفظي . وقد اشتملت كتب البلاغة والنقد على الكثير مما يجسد براعته في ذلك([63>) .

يتبين مما سبق ذكره أن المشترك اللفظي قد أتاح فرصاً متنوعة لكثير من الأدباء والشعراء لإشباع هواياتهم في التحسين اللفظي وفي تطلعاتهم الفنية لاستغلال القيم والإمكانيات التعبيرية لأصوات اللغة بالإضافة إلى الطاقات المعنوية للكلمات ، وكان من بين هؤلاء الشاعران المشهوران المتنبي وأبو حية النميري ، اللذان كانا مولعين بالجناس كما يقول القيرواني([64>) ، كما كان منهم أبو تمام الذي اشتهر بمجازاته واستعاراته اللفظية الغريبة الكثيرة . وهكذا فقد كان لتوافر هذا المشترك فضل في كثير مما أنتجه هؤلاء الشعراء وغيرهم من تجارب وأشكال تعبيرية فنية رائعة تجلت فيها براعة الفنان العربي وذكاؤه في استثمار مخزون اللغة من هذا المشترك وطاقاته التعبيرية والإشارية وتطويعها لفنه ولما كانت تتطلبه ثقافة العصر من هذا الفن .

وإذا كانت للمشترك اللفظي أهميته بالنسبة للشعراء القدامى أو بالنسبة للشعر التقليدي عامة ، فلاشك أن شأنه يزداد في اعتبار نظريات الشعر الحديث . حيث تنادي هذه النظريات بتعميق الرؤية وتعددية المعنى وبعد الدلالة وكثافة الصورة في العبارة الشعرية ، وتعتبر (( الشعر استكشافاً دائماً لعالم الكلمة ، واستكشافاً دائماً للوجود عن طريق الكلمة )) ([65>) وتعد (( أولى مميزات الشعر هي استثمار خصائص اللغة بوصفها مادة بنائية )) ([66>). وبذلك تفترض من الشاعر المبدع أن يسعى بكل ما لديه من إمكانيات لاستغلال كل ما يمكن أن تحمله الكلمات من دلالات وكل ما تكمن فيها من طاقات معنوية وإيحائية . ليجعل من تجربته الشعرية نسيجاً فنياً ثرياً مفعماً بالرؤى والشحنات الانفعالية المؤثرة ، تمتزج فيه التوقعات والانفعالية بالمفاجآت وخيبة الظن كما يعبر الناقد الإنكليزي (رتشاردز Richards I.A. . )([67>) ومن هنا تأتي أهمية المشترك اللفظي كرافد يمد الشاعر الحديث بما يمكنه من فنه ويثري تجربته .

والحقيقة أن الشاعر سواء أكان قديماً أم حديثاً لا يكتفي باستغلال ما تحمله الألفاظ من دلالات موروثة . وإنما يسعى لشحنها بدلالات جديدة ، وربما ألغى أو تجاهل تلك الدلالات القديمة كلها وخلق لألفاظه المختارة معاني ومسميات لا عهد لأصحاب اللغة الآخرين بها ، مستفيداً في كل ذلك مما يتيحه المجاز ويحققه له من إمكانيات لغوية للتعدد الدلالي المستمر للفظ أو التركيب اللغوي الواحد حيث يصبح المجاز في العبارة الشعرية وسيلة أساسية للشاعر للاختراق والنفاذ إلى عوالم الكون اللامحدودة ، أو أداته للانتقال والامتداد والاتساع والعبور باللفظ من معناه الحقيقي ودلالاته المعتادة المألوفة . كما هو في تصور علماء البلاغة العرب القدامى([68>) . وحيث يكون هذا المجاز ، كما يعبر النقاد المعاصرون وسيلة للعدول وإعادة البناء والانزياح باللفظة من وظيفتها المرجعية ودلالتها الذاتية الوضعية السابقة إلى دلالات أخرى قد يصعب حصرها([69>) . وبهذه الدلالات الجديدة المتنامية تتولد المفاجآت وينشأ الإدهاش والإبهار والغموض والإبداع في الشعر لغة ومعنى وصورة ، وتتبلور وتتميز لغة الشاعر الخاصة . كما تتوسع وتتنامى في الوقت نفسه طاقات المشترك اللفظي كماً ونوعاً . ويصبح الشاعر مستثمراً لإمكانيات المشترك اللفظي المتاحة ، ومجدداً ومطوراً لهذه الإمكانيات في آن واحد وكان المشترك اللفظي وما ينتج عن استعماله أحياناً من تباين في تحديد المفاهيم وإدراك المقاصد والأهداف في التوريات والاستعارات والتعميات والمغالطات المعنوية أو في النصوص الأخرى ذات المعاني الدقيقة المعمقة ، كان سبباً لاختلاف النقاد واللغويين في فهم كثير من النصوص الشعرية وعاملاً في طرح التفسيرات المتعددة وإثارة الكثير من الخلافات والمناقشات الأدبية المثرية بشأنها أحياناً([70>) ، وربما كان ذلك من أسباب الاتجاه لتفسير النصوص وشرح المعلقات والقصائد ثم تعدد شروحها وعقد الدراسات حولها ، وما يعقب هذه الأعمال في العادة من توسع في الحديث عن المجاز والاستعارة وعن القرائن اللفظية والمعنوية والسياقية وعن الأساليب البيانية وغير ذلك من المسائل اللغوية والبلاغية والنقدية ذات العلاقة .

تضاربت الأقوال واختلف اللغويون والنقاد في تفسير كلمة ( عَيْر) التي وردت في بيت للشاعر الجاهلي الحارث بن حلّزة اليشكري نصه :

رَ موال لنا وأنى الولاء !


زعموا أن كل من ضرب العَيْـ




فقيل : إنه أراد بـ (العير) الوتد ، وقيل : إنه أراد بها الضاربين العرب ؛ لأنهم كانوا أصحاب عمُد وأوتاد وخيام ، كما قيل أنه أراد عير العين ، وهو ما نتأ منها ، أي كل من ضرب عير عينه بجفنة ، وقيل : أراد بالعير ما يطفو على الحوض من الأقذاء ، وقيل إنه قصد جبلاً في الحجاز ، وقيل غير ذلك ؛ لأن كلمة (عير) تعني هذه المعاني كلها ومعاني غيرها([71>) ، وليس من قرينة بيّنة توضح المراد ولا من سبب يمنع إرادة أي من هذه المعاني ، والشاعر فحل مشهور لا يستهان بقوله أو يطرح ويتجاهل .. وهكذا كان التضارب ومن ثم التعليق والنقاش حول هذا البيت . وأصبح لغموض الكلمة والتباس معناها فيه دور فعال في التفكير والتعليق والاستشهاد بالإضافة إلى استحضار معاني الكلمة المفسَرة نفسها ، ما كان قريباً منها وما كان بعيداً عن الأذهان ربما من قبل بعض النقاد([72>) .

وقد احتوى القرآن الكريم والحديث الشريف على طائفة من الألفاظ المشتركة المعاني عنى بجمعها وتصنيفها عدد من علماء اللغة([73>) . سنذكر في أثناء حديثنا عن مصادر المشترك لاحقاً بعضاً منهم . وكان ذلك سبباً في اختلاف المفسرين وعلماء الفقه والأصول في تأويل كثير من آيات القرآن وتفسير مجموعة من الأحاديث النبوية ، مما أدى إلى الاختلاف في استنباط أو تقرير كثير من الأحكام الفقهية وفي تحديد بعض الأفكار والمواقف العقائدية . ودفع الأصوليين والفقهاء والمتكلمين للاهتمام بالمشترك اللفظي وبالمسائل الأخرى المتعلقة بدلالات الألفاظ عامة([74>) . كما دفع بعض للغويين أنفسهم إلى المزيد من الاهتمام بالمشترك اللفظي والتوجه لجمعه أو التأليف فيه والخوض في مناقشة ما يتعلق منه بألفاظ القرآن .

يقول أبو حاتم السجستاني في مقدمته لكتابه « كتاب المقلوب لفظه في كلام العرب والمزال عن جهته والأضداد » ، مبيناً ما حمله على تأليف هذا الكتاب : (( حملنا على تأليفه أنا وجدنا من الأضداد في كلامهم والمقلوب شيئاً كثيراً ، فأوضحنا ما حضر منه إذ كان يجيء في القرآن الظن يقيناً وشكاً ، والرجاء خوفاً وطمعاِ ، وهو مشهور في كلام العرب ، وضد الشيء خلافه وغيره ، فأردنا أن يكون لا يرى منْ لا يعرفُ لغاتِ العربِ أنّ اللهَ عزَّ وجلَّ حينَ قالَ : إنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعينَ * الذينَ يظنونَ مدحَ الشاكينَ في لقاءِ ربهمْ ، وإنما المعنى يستيقنونَ ، وكذلكَ في صفةِ منْ أوتيَ كتابهُ بيمينهِ منْ أهلِ الجنةِ هاؤم اقرءوا كتابيهْ * إنِّي ظننتُ ، يريد إنِّي أيقنتُ ، ولوْ كان شاكًّا لمْ يكنْ مؤمناً ، وأماَّ قولهُ : قلتمْ ما ندري ما الساعةُ إنْ نظنُ إلا ظناًّ فهؤلاء شكَّاكٌ كفاَّرٌ ))([75>).

ولا بد أن يكون المشترك اللفظي وفقاً لما سبق ذكره مدعاة لاهتمام المشرعين والقانونيين والمفكرين أو العقائديين في وقتنا الحاضر . حيث تتوقف كثير من القضايا الشرعية والقانونية والفكرية أيضاً على تحليل وفهم الوثائق والنصوص ذات الصلة فهماً صحيحاً دقيقاً مانعاً للتردد أو الشك . وما دام هناك ألفاظ مشتركة في اللغة سارية المفعول جارية الاستخدام ، نافذة التأثير فلابد أن يكون هذا الاهتمام موجوداً .

ومع ما تشهده اللغة من تطور مستمر وسريع لدلالة الألفاظ ومفاهيم الصيغ اللغوية وما يتبع ذلك من زيادة للمشترك اللفظي كماً ونوعاً واتساع معانيه أو تغيرها . يزداد تعلق هذا الجزء من اللغة بشؤون الحياة وقضايا العصر على اختلافها ، ولاسيما تلك القضايا التي تتوقف الأمور فيها على الفهم الصحيح الدقيق للوثائق المدونة والنصوص والعهود والمواثيق المحكية أو المسموعة فيها ، أو تترتب نتائج خطيرة أو مواقف حساسة فيها على الاختلاف في دلالة الألفاظ والصيغ اللغوية المستعملة في هذه الوثائق أو النصوص . كالقضايا السياسية ، وقضايا العلاقات الدولية والدبلوماسية والمعاملات التجارية والاقتصادية . ثمة تلك الموضوعات المتعلقة بصناعة المصطلحات العلمية وتحديد المفاهيم المرتبطة بها . ومن هنا يصبح المشترك اللفظي محط اهتمام رجال العلم والسياسة والفكر ، كما هو مجال اهتمام اللغويين والأدباء وعامة المثقفين والمتعلمين .

إن كل ما سبق ذكره يؤكد أن « المشترك اللفظي » في اللغة العربية لم يكن دليلاً ثابتاً على سعة اللغة ومرونتها وعاملاً في زيادة ثرائها وطواعيتها فحسب ، وإنما كان أيضاً سبباً في ظهور وتبلور كثير من الأعمال العلمية والأدبية وإنماء وتوسيع النشاطات الفكرية وفي إثراء العقل العربي عامة . وأن فاعليته في كل ذلك ما زالت قائمة في حياتنا الحاضرة ، ولاشك أن هذه الفاعلية ستكون أوسع وأكبر ما بقي الاهتمام باللغة وبتطوير القدرات التعبيرية والإنتاجية فيها، وما دام باب الاجتهاد مفتوحاً في التفسير والتأويل والاستنباط والاستنتاج والحكم ، وكانت هناك حرية للفكر والرأي والتعبير . وما دام التطور مستمراً في مستجدات الحياة ومستحدثات العصر وشؤونه . ومن هنا تنشأ الضرورة في وجود معجم متطور شامل جامع لكل ما وجد في اللغة العربية من ألفاظ مشتركة المعاني متمشية مع أصول اللغة ملبية لمتطلبات الحياة مناسبة لذوق العصر ومعبرة عن مستجداته ومستحدثاته المتطورة وفاعلة في مجال التعبير بأشكاله وأنشطته المختلفة.



مصادر المشترك
لقي المشترك اللفظي عناية اللغويين والمفسرين وعلماء الفقه والأصول القدامى كما سبق القول ، وألفت لجمعه وتصنيفه كتب عديدة منها ما اختص بالموجود منه في القرآن أو في الحديث الشريف ، ومنها ما عنى بعامة المشترك دون تخصيص . ومما وصل إلينا وتم طبعه ونشره من الصنف الأول كتاب « الوجوه والنظائر » لمقاتل بن سليمان البلخي (ت 150هـ)، و « الوجوه والنظائر » أيضاً لهارون بن موسى الأزدي (ت 170هـ) ، و « كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد » للمبرد (ت 285هـ) ، وكتاب « الأشباه والنظائر في الألفاظ القرآنية التي ترادفت مبانيها وتنوعت معانيها » للثعالبي (ت 429هـ) ، ومن الصنف الثاني كتاب « الأجناس من كلام العرب وما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى » لأبي عبيد القاسم بن سلام
(ت 224هـ) ، و « المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه لعلي بن الحسن الهنائي الأزدي الملقب بكراع النمل ( ت 310هـ ) ... أما ما ورد ذكره ولم يصل إلينا أو وصل ولم يطبع وينشر من هذه الكتب فكثير([76>) .

وبالنسبة لكتب المشترك اللفظي التي وضعت تحت عنوان « الأضداد » فإنها على كثرتها وتفاوت أحجامها وأشكالها لا توحي بعناوينها بالاختلاف أو التباين من حيث المضمون . ولم يصل إلينا منها - على حد علمي - ما يشير عنوانه إلى خصوصية معينة أو تفرد بنوعية مميزة من المشترك اللفظي ، أو الضد . ومن أبرز وأشهر ما ظهر من هذه المؤلفات : كتاب « الأضداد » لمحمد بن المستنير بن أحمد الملقب بقطرب (ت 206 هـ) ، و « الأضداد » لعبد بن محمد ابن هارون التوزي (ت 233 هـ) . و« الأضداد » ، لمحمد بن القاسم الأنباري (ت 327هـ) . و «الأضداد في كلام العرب » لأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي (ت 359هـ) . و « الأضداد في اللغة » لناصح الدين بن المبارك الأنصاري (ت 569 هـ) . وقد قام الدكتور ( أوغست هفنر) Haffner , A في عام 1913م كما سبقت الإشارة بنشر أربعة كتب للأضداد الـعربـيـة في مجلد واحد لكل من أبي سعيد عبد الملك بن قُريب الأصمعي (ت 216هـ) وأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني (ت 250هـ) وأبي يوسف يعقوب بن اسحق السكيت (ت 244هـ) ، والحسن بن محمد بن الحسن الصغاني (ت 650 هـ) . علماً بأنه قد نشر بعض هذه الكتب كل على حدة في طبعات مستقلة([77>) .

ويعد كتاب « الأضداد » ، لمحمد بن القاسم الأنباري في نظر محققه محمد أبو الفضل إبراهيم . أكثر معاجم هذا النوع شواهد وأوضحهـا عبارة وأوسعها مادة ، لأنه كما يقول : أتى على جميع ما ألف قبله وأربى عليه([78>) ، إلا أن كتاب «الأضداد في كلام العرب » لأبي الطيب اللغوي ــ الذي ألف كما يبدو من تاريخ وفاة مؤلفه بعد كتاب ابن الأنباري ــ يضاهيه في الواقع في سعة المادة وبسط الشرح وكثرة الاستشهاد وجودة التنظيم ، فقد اشتمل هذا الكتاب على (370) ضداً مرتبة في أصل الكتاب وفق التسلسل الهجائي([79>) ، بينما تضمن كتاب ابن الأنباري (296) ضداً . وردت في أصل الكتاب على غير ترتيب معين . أما « كتاب الأضداد » للصغاني ، فهو وإن لم يكن كسابقيه في الاستشهاد وزيادة الشرح والتوضيح إلا أنه تضمن كما يشير تسلسل الأرقام فيه (337) ضداً مرتبة على حروف المعجم([80>) .

ومع أن المؤلفات المذكورة وكتب ورسائل أخرى غيرها ([81>) مطبوعة ومنتشرة فإن أياً منها لا يمكن أن يشكل في الحقيقة معجماً متكاملاً ، يشتمل على كل ما ورثناه من الأضداد ويتناسب من حيث المادة والمنهج في التصنيف والترتيب والشرح مع معطيات هذا العصر وحاجاته ومع طرق التصنيف اللغوي والتأليف المعجمي ومناهجه المتطورة .

في بعض هذه الكتب ما لا يوجد في بعض آخر ، وفي بعضها حوشي غريب يمكن الاستغناء عنه ، لعدم حيويته وفاعليته في لغة العصر أو لمحدودية هذه الحيوية وهذه الفاعلية أو تخصيص كتب مستقلة بما يؤمل أن تكون له فائدة منه في المستقبل ، بينما لا يشتمل أي من هذه الكتب بطبيعة الحال على ما خلقته ظروف الحياة الجديدة أو الحاضرة منها . هذا كله بالإضافة إلى ما ينقصها من التنظيم المحكم في الفهرسة والتبويب والترتيب والتصنيف والإخراج . وما يعوز أكثرها من دقة التحديد واختصار الشرح والاقتصار على ما يهم القارئ . حيث يغص الكثير منها بالروايات والاستطرادات والشواهد القرآنية والأبيات الشعرية والشروحات المطولة والتداخل في تفسير المواد ، وما إلى ذلك مما عبر عنه وأيده ناصح الدين بن المبارك الأنصاري من قبل في مقدمته لكتابه المذكور (( الأضداد في اللغة )) ([82>).

يتألف كتاب « الأضداد » ، لمحمد بن القاسم الأنباري في طبعته التي بين أيدينا ([83>) على نحو المثال من (428) صفحة ، لا تتضمن سوى (300) من ألفاظ الأضداد أو الألفاظ المشتركة ([84>) ، غارقة في حشد كبير من الشواهد القرآنية والشعرية والأحاديث النبوية الشريفة والأرجاز والأقوال المأثورة الأخرى التي تثبت صحتها أو صحة استعمالها أو تبين الاختلاف في نطقها أحياناً ، مما يبلغ عدده (270) آية ، و (53) حديثاً نبوياً و (762) بيتاً من الشعر و(100) من الأرجاز ، هذا عدا أنصاف الأبيات ، وأسماء الرواة والمحدثين والشعراء والمفسرين والفقهاء ، وغير ذلك مما استغرق إحصاؤه وفهرسته بمجموعه (88) صفحة ، أضيفت لصفحات المتن المبينة فجعلت من الكتاب سفراً ضخماً تبلغ مجموع صفحاته (517) صفحة .

وقد تضمنت الشروح الواردة لعدد من ألفاظ الأضداد التي اشتمل عليها الكتاب المذكور كثيراً من الحشو والاستطراد والتوسع في ذكر أوجه الخلاف في تفسيرها وتحديد المفهوم منها وتباين القراء في نطقها إن كانت مما ورد في القرآن الكريم ، وما قد يرد من اختلاف اللهجات في معناها أو في استعمالها . هذا عدا سلسلة الروايات التي تسرد أحيانا لتوثيقها وعدا ذكر الفروق بين كل كلمة منها وبين ما قد يقاربها في النطق أو يشابهها في الرسم والشكل وذكر بعض الفوائد النحوية والصرفية ، وشرح بعض الشواهد الواردة على الكلمة وما إلى ذلك مما يدل على سعة اطلاع المؤلف وعميق معرفته وحسن تتبعه ويثري الكتاب ويفيد الباحث المتخصص المتعمق أو الأديب المتوسع ، ولكنه لا يهم المثقف العام أو المتعلم الناشئ ، بل إنه قد يصرفه عن الكتاب وعن متابعة البحث فيه عن مراده من الألفاظ التي عقد الكتاب في الأصل من أجلها ..

ورد شرح كلمة (الساجد) وحدها في الكتاب المذكور على نحو المثال في ما يقرب من أربع صفحات([85>) ، تضمنت من الشواهد ثلاث آيات قرآنية و (18) بيتاً من الشعر مع شروحات وتعليقات عليها، وأسماء لثمانية من الشعراء ورواة الشعر ، وشرحاً لستة من تصاريف الكلمة المذكورة . وإذا كان القارئ غير المتخصص محتاجاً لمعرفة مدلولات الكلمة التي تضمنتها الصفحات الأربع ومعرفة أوجه استعمالها في معانيها المجازية المتعددة ، فإنه غير محتاج لذلك الكم من الشواهد والاستطرادات في الشرح والتعليق وبيان مختلف تصاريف الكلمة ، وإن كان في الشواهد ما ينمي ذوقه الأدبي ويزيد من إطلاعه ، فليس لديه من الصبر على استقصاء وتتبع كل التفاصيل والشروح أو التعليقات الملحقة بهذه الشواهد ليصل إلى بغيته من معرفة المعاني المشتركة للكلمة المقصودة ، ولاسيما إذا كان في هذه التفاصيل وهذه الشروح كلمات وعبارات غامضة تحتاج بذاتها إلى شرح وتفسير .

إن الكتاب المذكور بالصورة التي ورد ذكرها لا يمثل معجماً بالمفهوم الحديث و الدقيق لهذا المصطلح ، فالمعجم وفق هذا المفهوم لا يهمل الجمل السياقية ولا الأمثلة التوضيحية ، ولكنه (( يشترط أن يكون مجموع الكلمات المستخدمة في الشرح محدودة العدد ، ومقتصراً على الكلمات التي يفترض مسبقاً أن يكون مستعمل المعجم على علم بها ))([86>) علماً بأن هذا الكتاب بصورته المبينة لا يختلف في الواقع كثيراً عن بقية كتب الألفاظ المشتركة التي سبق ذكرها وغيرها . فهي وغيرها مما لم يذكر تقريباً تحمل طابع الكتب الأدبية اللغوية العامة . ولذلك فالحاجة تبقى ماسة لمعجم شامل لكل ما ورث أو نشأ في عصرنا الحاضر من الألفاظ المشتركة المعاني .

ولقد أحسن الدكتور (أوغست هفنر) Haffner , A حين جمع مصنفات كل من الأصمعي والسجستاني وابن السكيت والصغاني في الأضداد كلها في كتاب واحد وأخرجها في تحقيق موفق وتنسيق مقبول([87>) ، إذ جعل ما احتوته هذه الكتب الأربعة من ألفاظ الأضداد كلها ضمن تسلسل رقمي واحد، بحيث يسهل على الدارس إحصاؤها ، ووضع لهذه الألفاظ فهرساً موحداً جامعاً لها مرتباً إياها على حروف المعجم ، فسهـل على القارئ إمكانية الرجوع إليها والإحاطة بها ، كما أرفق كل ذلك بفهارس مستقلة لأسماء الشعراء وقوافي الأبيات التي وردت ضمن شروحها فأفاد القارئ بها ونبه الدارس على ما في كتب المجموعة من مخزون أدبي واسع رائع . وبذلك يكون هذا المحقق قد جمع الكثير مما كان مفرقاً مشتتاً في إطار موضوعي واحد سهل المأخذ ، يهيئ للباحث في موضوع هذه الألفاظ بلا شك جزءاً كبيراً من مادته .



رغم ما سبق ذكره فإن هذا الكتاب في شكله ووضعه الحالي وبمجموع ما احتواه لا يصلح أن يكون معجماً لألفاظ الأضداد فضلاً عن كونه معجماً للألفاظ المشتركة المعاني بنحو عام ، وإن كان يمكن أن مهيئاً ومشجعاً على تكوين معجم شامل جامع لها . فمناهج السرد والشرح والتعليق باقية فيه على صورتها الأصلية ، وكثير من الألفاظ يتكرر ورودها وشرحها فيه ، والنقل أو الاقتباس في بعض المصنفات المجموعة من بعضها الآخر وارد وكثير ، ولم يكن بوسع المحقق بطبيعة الحال أن يحذف أو يغير في الأصول أو أن يعمد إلى تصفيتها مما تخللها من نواقص أو شوائب تتعلق بالنصوص ذاتها ..

لا أعرف للألفاظ المشتركة في اللغة العربية على عمومها معجماً أو كتاباً حديثاً خاصاً بها سوى : « معجم الألفاظ المشتركة في اللغة العربية » ، لعبد الحليم محمد قنبس ، الصادر عن مكتبة لبنان عام 1987م ، وهو كتاب مقبول الطباعة جيد الإخراج حسن العرض لمادته نوعاً ما ، ولكنه ضئيل الحجم قليل المحتوى ، قاصر عن الإحاطة بما وجد ووضع أو استجد من الألفاظ المشتركة المعاني ، وبما استحدث وتطور من معاني هذه الألفاظ في العصر الحاضر .

بذل صاحب هذا المعجم مجهوداً ريادياً يشكر عليه في جمع بعض الشتات مما كان في متناول يده من بعض المصادر القديمة للألفاظ المذكورة ، معتمداً في أكثر ذلك على ما ورد منها في معجم « لسان العرب » لابن منظور الأفريقي وفي بعض الموروث من كتب اللغة العامة وكتب الأضداد . ولكنه لم يخضع مادة كتابه لغربلة تامة ، كما أنه أهمل الكثير مما احتوته بعض الكتب الخاصة بالموضوع ، وما اشتملت عليه المعاجم اللغوية العربية الحديثة من ألفاظ مشتركة ومن معان للألفاظ التي أوردها في كتابه . إضافة إلى ذلك فإنه لم يتبع في عرض وتوثيق معاني الألفاظ التي اختارها منهجاً موحداً ثابتاً من حيث التحديد والشرح ، فهو يستشهد أو يمثل لبعض هذه المعاني من آيات من القرآن أو الحديث الشريف أو الشعر ، بينما يسرد البعض الآخر منها دون توثيق أو تمثيل أو تعليق ، كما أن الأمثلة ينقلها المؤلف من مصادرها في الغالب على علاتها ، دون تحقيق كاف ، ودون النظر إلى مدى صلاحيتها لتوضيح المعنى أو تحديده وتقريبه ، أو مقدار ما يكتنفها هي نفسها من غموض أو ثقل أو غرابة أو تحريف أو تصحيف([88>) .

حبذا لو اقتدي بمن حرصوا على إغناء لغاتهم وتمكين أهلها منها من أبناء الشعوب المتقدمة ووضع للمتعلمين ولعموم المثقفين والاختصاصيين معجم حديث للكلمات متعددة الدلالات عامة ، بنوعيها اللذين تحدثنا عنهما. يستمد مواده ، ليس من ما ورثناه من كتب أو رسائل خاصة بهذه الألفاظ فحسب ، وإنما يستمدها أيضاً من معاجم الألفاظ اللغوية العامة : القديم منها والحديث ، ثم من النصوص الأدبية القديمة ، لاسيما تلك النصوص الثرية بالألفاظ والمحسنات البديعية اللفظية من جناس وترصيع وطباق وغيره ، كالرسائل الأدبية القديمة والمقامات والتوقيعات ونصوص الشعر, وأخيراً من نصوص التخاطب العصري الفصيح ، المقروء منه والمسموع . (( فالحكم على دلالة اللفظ في نص ما أدق وأوثق مما لو استقيناه من المعاجـم وحدها )) ([89>).

و يجدر الاستعانة بالحاسب الآلي والتقنيات الأخرى ذات الصلة بصناعة المعجم الحديث ، في الرصد والتخزين والإحصاء والتحليل والغربلة والمقارنة والانتقاء والتصنيف والتنسيق والإخراج والمتابعة ، من أجل تحقيق معجم شامل دقيق ميسر للمشترك اللفظي ، أسوة بما تعمله المؤسسات اللغوية المتطورة في صناعة معاجمها .

إن كتب المشترك اللفظي القديمة في معظمهـا - كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق - غنية بالأمثلة والشواهد القرآنية والشعرية والنثرية وبالاستطرادات والفوائد اللغوية والبلاغية والنقدية التي تهم الكثير من الدارسين والباحثين المتخصصين بلا ريب ، إلا أنها قد تكون ثقيلة منفرة أو مشتتة للذهن بالنسبة لعامة المتعلمين والمثقفين في وقتنا الحاضر ؛ لأن الشواهد والأمثلة التي تشتمل عليها هذه الكتب ربما كانت هي نفسها محتاجة للشرح والتفسير ، وهذا ما يسبب التعثر أو الإبطاء في الوصول إلى الهدف المنشود . كما أن هذه الشواهد والأمثلة تظهر أو تجسد في كثير منها إن لم يكن معظمها الاستعمالات القديمة للمشترك اللفظي والمعاني التي لم تعد متداولة في الوقت الراهن ، ولربما كان لذلك أثار إيجابية في فهم النصوص التراثية ، ومن ثم في توثيق الارتباط بالتراث والاستفادة من تجاربه الفكرية والإبداعية النافعة . إلا أن المتعلم الحديث يهمه بالدرجة الأولى الاطلاع على ما بقي من تلك الاستعمالات حياً ساري المفعول مقبولاً في لغة الحاضر ، وعلى ما تجدد وتطور واستحدث أو أضيف منها ، ليتمكن من الجمع بين كل ما تتطلبه أنشطة التعبير في الحياة المعاصرة من المشترك اللفظي .

بناء على ما تقدم ذكره فالحاجة تبقى ماسة لمعجم انتقائي سياقي للمشترك اللفظي في اللغة العربية . يرصد كل ما نشأ منه وتطور واستقر وتجددت حيويته في لغة العصر . ويتنكب الحوشي والغريب الثقيل الذي لم يعد مستعملاً أو ليس فيه من الحيوية والمرونة ما يكفي لإنعاشه وإدراجه في هذه اللغة أو استثماره في فهم النصوص التراثية . كما يتولى توضيح ما صعب تفسيره أو إدراكه من معاني هذه الألفاظ بالأمثلة السياقية المستمدة من لغة الحاضر المرنة الحرة الميسرة . ولا مانع أن تكون هذه الأمثلة منتقاة من النصوص التراثية الثرية الفاعلة المفهومة المقتصرة على تحديد المعنى المقصود ومد مستخدم المعجم بما يزيد من فائدته اللغوية أو البلاغية والفنية والمعرفية في آن واحد ، ولكن دون استطراد أو إطالة . ولابد من الاستعانة في ذلك بما توصلت إليه النظريات الحديثة في إعداد مثل هذا المعجم وإخراجه([90>) .


الحواشي والتعليقات


(1)ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللغة ، ترجمة د. كمال محمد بشر (القاهرة : مكتبة الشباب ، 1975م)، ص ص 60 - ،61 112- 123 ؛ ،

John Lyons. Semantics (London: The Cambridge University Press, 1977), vol.2 p.55 Ladislav Zgusta. Manual of Lexicography (Mouton Hague, Paris. 1971), p.60 ff

(2)انظر أولمان ، دور الكلمة في اللغة ، ص 112.

(3)أولمان ، دور الكلمة في اللغة ، ص ،60 و ص 112 - 113.

(4)انظر جلال الدين السيوطي ، المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، تحقيق أبو الفضل إبراهيم وآخرين ، ( القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، د . ت ) ، ص 369 .

(5)اكتفينا في الأمثلة المبينة بذكر القريب المستخدم من هذه المعاني بغية التقريب والاختصار .

(6)انظر الحسن ابن رشيق القيرواني ، العمدة في صناعة الشعر ونقده ، ط 4 ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد( بيروت : دار الجيل ، 1972م ) ، ج،1 ص 321 ، ج2 ، ص 97 .

(7)محمد بن القاسم الأنباري ، كتاب الأضداد ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (بيروت:المكتبة العصرية ، 1407هـ/1987م ) ، ص 374 . يحتوى هذا الكتاب على (357) من الأضداد .

(8)السيوطي ، المزهر في علوم اللغة ، ص 399 .

(9)لمزيد من التفصيل حول هذه المسألة أنظر د . احمد عبد الرحمن حماد ، عوامل التطور اللغوي ، دراسة في نمو وتطور الثروة اللغوية ( بيروت : دار الأندلس، 1403/1982)، ص ص 71- 84 .

(10)انظر ثلاثة كتب في الأضداد ، للأصمعي وللسجستاني ولابن السكيت والصغاني ، ويليها ذيل في الأضداد للصغاني ، نشر وتحقيق د .( أوغست هفنر) Haffner , A بيروت : مطبعة اليسوعيين ، 1912م ) ، لقد وضع المحقق الألفاظ الواردة في الكتب الأربعة كلها وفق تسلسل واحد آخر رقم فيه هو (706) ، انظر ص248

(11)انظر د. حسن ظاظا ، كلام العرب : من قضايا اللغة العربية ( بيروت : دار النهضة العربية ، ( 1976 ، ص ص 108-113 .

(12)انظر د. ربحي كمال ، التضاد في ضوء اللغات السامية : دراسة مقارنة ( بيروت : دار النهضة العربية ، 1975م. (

(13)انظر ، ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللغة ، ص 114- 116 .

(14)السيوطي ، المزهر في علوم اللغة ، ص 370 .

(15)السيوطي ، المصدر نفسه ، ص 388 .

(16)الآيات على التوالي هي : الآية 88/ سورة الكهف ،18 آية 12/سبأ 34 ، 61/الصافات 37 ، 79/ الكهف 18 ، 27/ الأنبياء 21 ، 13/ سبأ 34 .

(17)مقاتل بن سليمان البلخي ، الأشباه والنظائر في القرآن الكريم ، دراسة وتحقيق د. عبد الله محمود شحاته ( القاهرة : الهيئة المصرية العامة ، 1395هـ/1975م ) .

(18)المعجم العربي الأساسي للناطقين بالعربية ومتعلميها ، تأليف وإعداد جماعة من كبار اللغويين العرب ) تونس : المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، 1408هـ - 1988م ) ، ص 914 .

(19)احمد عبد الرحمن حماد ، عوامل التطور اللغوي ، ص 73 .

(20)انظر د . محمود فهمي زيدان ، في فلسفة اللغة ( بيروت : دار النهضة العربية ، 1405هـ/1985م ) ، ص 106.

(21)يعقوب بن إسحق السكيت ، كتاب الأضداد ، هفنر ، ثلاثة كتب في الأضداد ، ص 163.

(22)علي ابن إسماعيل ابن سيده ، المخصص ( بولاق ، 1316هـ ) ، ج3 ص 259 .

(23)ربحي كمال ، التضاد في ضوء اللغات السامية ، ص 4 .

(24)أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني : « كتاب المقلوب لفظه في كلام العرب ، والمزال عن جهته والأضداد » ، ثلاثة كتب الأضداد : للأصمعي وللسجستاني ولابن السكيت ويليها ذيل للصغاني ، نشر وتحقيق د أوغست هفنر ( بيروت : مطبعة اليسوعيين ، 1912م ) ، ص 127 .

(25)المصدر السابق نفسه ، ص 117 .

(26)جوزيف فندريس Vendryes ، اللغة ، تعريب عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص ( القاهرة : مطبعة لجنة البيان العربي ، 1370هـ /1950 ) ، ص254 .

(27)السيوطي ، المزهر ، ج1 ، 369 ؛ أولمان ، دور الكلمة ص 127 ، اسباب نشوء المشترك ؛ حماد ، عوامل التطور اللغوي ، ص 7

البندري
12-27-2005, 07:43 PM
نهر يستقى ماؤه من ظلال الكلمة العربية
هنا وفي كل عدد تجد أيها القارئ
قلم عربي معاصر ينير الفكر
خالدة سعيد
مدخل حول حركة الشعر الحديث

إذا حددنا حركة الشعر الحديث بأنها مجرد تغيير طرأ في أشكال الشعر فبعثر عمود الخليل وأزال القافية وسخر من فنون البديع والبيان المعروفتين نكون قد أخطأنا فهم هذه الحركة.


لكي لا تأتي نظرتنا إلى حركة الشعر الحديث جزئية يجب أن ننظر إليها كظاهرة لحركة كبيرة شاملة تشهدها حياتنا المعاصرة تتجلى بالثورة على الأسس والمفاهيم التي استقرت عليها طويلا. لنتذكر في هذا المجال التطور الذي لحق بوضع المرأة الاجتماعي والهزة التي أحدثها، لنتذكر أن النساء اضطررن أحيانا للتظاهر وتمزيق الحجب أمام دور الحكومة، كما اضطررن لتقبل شلالات المياه القذرة ترشق بها وجوههن مع سيول الشتائم والاتهامات بالخروج على الدين والأخلاق. لنتذكر أيضا ما كانت عليه فكرة الحرية الشخصية وما صارت إليه، وليس انتقال السلطة الفعلية والمعنوية من أيدي المشايخ والباشوات إلى أيدي الشعب أمرا مستقلا عن هذه الحركة. كان الغني غنيا والفقير فقيرا لحكمة نجهلها. كان الإنسان مخلوقا مكبلا ألقي به في هذا العالم ليمثل دورا أنيط به ثم يمضي كما جاء دون أن يكون غاية في ذاته، دون أن تكون لإنسانيته قيمة كبيرة. كان السلطان يحكمنا بإذن الله وبإذن الله كنا له نعاجا، وكان الله حبيس المعابد. كان الإنسان يباع ويشترى لأن رجلا من الناس يملك ورقة تثبت ملكيته له. وكان الشعر سجين البحور الستة عشر يأتمر بأمر الخليل الذي وهب يوما القدرة على تحديده. كان الشعر ابن البدوي الأول الذي وهب وحده حرية التعبير عن نفسه ثم حكم علينا أن نكون تابعين للموهوب الأول، لأنه ليس في إنساننا الجديد ما يستحق أن يعبر عنه بشكل آخر.


لو أن الشعر الحديث ثورة على الشكل وحسب لكان فقد مبرراته؛ ولكن موقف الشعر الحديث من العالم موقف مختلف. كان الشعر العربي القديم متفرجا على العالم اكتفى بوصف ظواهره وغنى انعكاسات هذه الظواهر السطحية. لم يكن الشعر عنده مغامرة تطمح إلى أن 'تفسر العالم وتغيره' كما يرى بدر شاكر السياب، وإلى 'أن تجعل ما يفلت من الإدراك العقلي مدركا' أو أن تكشف عن 'عالم مجهول لم يعرف بعد' كما يرى أدونيس.. رسالة الشعر اليوم غيرها بالأمس.


فهذه القوة الغامضة السحرية التي أريد لها حين نشأتها أن تكون تعاويذ مبهمة، أو أحجية، وكلاما خاصا معجزا، وسفرا شفويا (بإطار من مفاتيح التذكر) لأمجاد القبيلة أو الحزب، ثم حداء ناقة 'إكليلا للمرأة' و 'تصعيدا للمواقف' هذه الأداة عينها تقفز اليوم لتكون جسرا بين واقع الإنسان المادي العلمي وبين الروح والقوى الغيبية التي احتضرت في هذا الزمن، بين عالمنا المكشوف وعالم الإنسان الخبيء خلف منعطفات الخيال والذاكرة.


يوم كانت للأشياء أرواح وإرادة، يوم كان العالم مملكة الآلهة الجميلة والشريرة، وكانت أحداثه صراعا بين هاتين القوتين، كان الشعر مبثوثا في العالم وكان الشعراء رواة لهذا الصراع. ويوم عاد العالم تفاعلا كيماويا باهتا، يوم تقلص ظل الآلهة وعاد القمر كتلة حجرية بلا روح، والمطر تكاثفا لبخار الماء، غدا الإنسان وحيدا وسط عالم جامد، فلا آلهة تستمع صلواته وتشاركه الهم والفرح، ولا آلهة تدبر شؤون وتمطر له المنّ والسلوى أو الطير الأبابيل، يومئذ أصبح على الشاعر أن يعيد الروح إلى الأشياء، أن يحمل قلق الإنسان وخيبته وشكوكه وتناقضات حياته، أن يكون نبي عصره الذي يقف بين الجموع يحدث الآلهة ويوحي إلى الناس بحديثها. ولذا نرى أدونيس يعتبر الشعر الحديث 'رؤيا'؛ أما بدر السياب فيقول: 'لو أردت أن أتمثل الشاعر، لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التي انطبعت في ذهني للقديس يوحنا، وقد افترست عينيه رؤياه، وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل'.


وهكذا لم يعد الشعر خطابا يمدح السلطان، ولا 'حلية لصدر أنثى' ولا افتخارا بمآثر القبيلة. إن أحب الحديث فلا يتغزل بعينين وثغر ونهد، بل يضعنا أمام المصير الذي ينتزع كيانين من وحدتهما، أمام هذه التجربة الأزلية التي تتجدد، أمام هذا القلق الفرح الدائخ الذي يجري في العروق.


وبالطبع لا بد لهذه الرؤيا الجديدة، لهذه المغامرة التي تخلت عن النظرة والمواقف القديمة من أن تتخلى بالتالي عن كل الشروط الشكلية المسبقة، لا بد لها من أن ترفض النظرة القديمة إلى الشكل وإلى الجمال أصلا. وقد تخلى عصرنا بدوره عن كل الأشكال التزيينية؛ تخلى عن المثال اليوناني- الروماني للجمال الذي تجلى في التناسق والانسجام والفخامة، تخلى عن فكرة النموذج الطبيعية. لقد رفض الفن أن يكون آلة لا قطة،، ورفض الشعر أن يكون بناء هندسيا- صوتيا. اللوحة الحديثة أو التمثال الحديث نموذج فرد لرؤية مبدعها وليست نسخة عن نموذج جامد في الطبيعة. لقد اقتضى منطق التطور أن يتخلى الفن عامة عن القواعد والتقنيات التي جهد عصر النهضة في بنائها، فانطلقت القصة من أسر العقدة، وتخلى التصوير والنحت عن علم التشريح. فالشكل الحديث عامة يتجه نحو رفض القوالب، نحو الحرية وهي غير الفوضى.


ولنذكر أن التعقيد والزخرف اللذين لحقا قوالب الشعر في أواخر العهد العباسي كانا يرسمان الخط البياني المنحدر الذي أوصل الشعر إلى عهد الانحطاط. التلهي بالزخارف والشكليات كان بداية العقم.


كان بديلا عن الإبداع الحقيقي. ولنذكر أن عهد النهضة عندنا بدأ برفض هذه الزخارف جميعها، وأن أذن الجمهور نفسه أصبحت تمقت السجع وتنفر منه.


عندما بدأ الشعراء يتخلون عن الأشكال القديمة ظهر هذا التساؤل: ما هو الوزن أو الشكل الذي سيحل محل أوزان الخليل؟ وقال قائل: المهم أن يتوصل المجددون إلى وزن ما وعندئذ سنرضى عن ثورتهم. وهذا يعني أن العقلية العامة تنتظر قالبا جديدا يحل محل قالب قديم. ثم ظهرت فئة أخرى تقول أن لتطور أوزان الخليل حدا، وتعني أن الشعر قد بلغ المرحلة النهائية من التطور. وطبيعي أن هذه الأقوال والتساؤلات بعيدة عن منطق التطور.


إذن ما هو الشكل المقبل للشعر الحديث؟


بدأت الانطلاقة الحديثة غامضة مترددة واقتصرت في بادئ الأمر على بعض التحول الشكلي بينما ظلت من حيث الجوهر أقرب إلى القديم، تلمست طريقها نحو الشعر الحقيقي وسط صخب الجمهور المستنكر. وفي مدى عشر سنوات استطاعت أن تبرز وتقف على قدمين ثابتتين وأن لم تفرض شخصيتها الحديثة حتى الآن. شهدت هذه الفترة تحولا واضطرابا ونصرا وتراجعا فيما يتعلق ببعض الشعراء. لكن الحركة ظلت ماضية في طريقها تبحث وتحاول أو تمد أصولها بعيدا في تاريخ الشعر العربي، وتفيد من محاولات التجديد التي انقطعت، ومن التجارب الشعرية في العالم. فماذا حققت حتى الآن؟


أولا- كرست الطابع الإنساني.

ثانيا- حررت الشكل من كل شرط سابق، أو قالب لأن الشكل تجسد المعنى وكيانه العضوي وهو يتبدل ليظل منسجما وملائما له.

ثالثا- هذه الحرية لا تعني الفوضى، بل تفترض دائما شكلا معينا لكل قصيدة.

رابعا- الشكل لا يعني الوزن والقافية أو انعدامهما بالضرورة.

الشكل الحديث أكثر من وزن وقافية. هو حركة القصيدة وطريقة تكونها، وعلاقة أجزائها ببعضها، والأصوات الداخلية فيها، أهي متقابلة، أم متتابعة، أم متجمعة حول بؤرة واحدة، ثم صورها وطبيعة الصور وأبعادها، وتراكب هذه الصور، وهي كلها من عناصر الشكل في القصيدة الحديثة.

خامسا- أن الإيقاع الصوتي بمعناه المعروف ضروري دائما في القصيدة لأن القصيدة الحديثة ليست للإنشاد أو الطرب.

سادسا- كل الكلمات شعرية إذا استعملت بشكل يعطيها دلالة جديدة شعرية. كذلك كل أنواع المعرفة يمكن الاستفادة منها في الشعر.

سابعا- تخلصت من الجزئية فرفضت الحادثة وخدمة الأغراض السياسية أو الشخصية أو الحزبية، وبالتالي تخلصت من الخطابية والتعليمية.

ثامنا- التعبير غير المباشر والاستعانة بالرموز التاريخية ليتمكن الشعر 'من التعبير شعريا عن اللاشعر' كما يقول بدر السياب. وسيظل الشعراء يمدون هذه العناصر بعناصر جديدة أو يمحون منها بعضها. وعلينا أن نتهيأ باستمرار لكشوف جديدة أخاذة تفتح في آفاقنا رحابا جديدة وتعلم قلوبنا مغامرات وانخطافات جديدة.


وطبيعي أن الشعر الحديث هذا قد ابتعد عن مدارك الجمهور الذي تسيطر عليه الأفكار المسبقة المشتركة التي تقف جدارا في وجه حركات التجديد. بالإضافة إلى أن هذا الجمهور يجهل الرموز التاريخية والأسطورية، لأنه يجهل تاريخه وأساطيره. فضلا عن أن أذنه قد تربت على وقع القافية الرتيبة والأوزان المتكررة التي تكتفي بأن تطرب أذنه. وطبيعي أن ينفر جمهور المحافظين من هذه الحركة التي تعبث باستقرار مفاهيمه وتزعزعها، وهو الذي يتشبث بقواعد الماضي وقوانينه كأنها آيات منزلة لا ريب فيها. فلا عجب إذن إن نحن رأينا الشعر الحديث يرشق بأمثال هذه النعوت المضحكة: 'مؤامرة على اللغة العربية'، 'وتهرب من صعوبة الوزن والقافية'، 'مسخ لن يكتب له البقاء'؛ فضلا عن 'المؤامرة الاستعمارية' و 'البورجوازية' إلى آخر هذه التعابير الغريبة.


لكن لا بد من إنصاف الجمهور فنعترف بأن كثرة الشعر المزعوم حديثا واختلاط الجيد بالرديء قد بلبل الأفكار وحمل الشعر الحديث وزرا كبيرا. بالإضافة إلى القفزة التي قام بها الشعر الحديث مبتعدا بها عن التراث الشعري العربي مخلفا بينه وبين هذا الجمهور هوة كبيرة.


فمن يزيل هذا الالتباس؟ من يمد الجسور بين الشعر الحديث والقارئ؟


هكذا يبدو لنا أن ناقد الشعر الحديث في موقف حرج. فهو يقدم مجهولا إلى جماعة تتهمه مسبقا ولا رغبة لها في التعرف إليه ولا ثقة لها به. فما هو سلوك ناقد الشعر الحديث والحالة هذه؟


يقول ستانلي هايمن: 'عندما تتسع الهوة بني الأدب وذوق الجمهور تصبح لمهمة الناقد التي تتطلب منه أن يكون جسرا بين الأثر الغامض والقارئ أهمية كبيرة. أي مهمة ترجمة غموض الشاعر. حيث يقتنص لمحاته الأسطورية ويفسرها، ويضيء الصور الغامضة ويحلل المركبة مهنا ويدرس دلالات الكلمات واقترانها، ويبين اتجاه حركات القصيدة ويسمي أصواتها ويوضح علاقة هذه الأصوات ببعضها ويشير إلى أبعادها؛ وبالنتيجة يقدم القصيدة للقارئ مدروسة محللة وقد هتكت أستارها وبطل سحرها، وتحولت إلى موضوع مدروس، وهو ما يفقد القصيدة الحديثة شيئا من رسالتها، ويحرم القارئ متعة الجهد والخلق، ذلك أن قراءة القصيدة الحديثة، جهد يخلق القصيدة - الصدى، التي تولد في مشاعر القارئ وتنمو فيها. ولكن معظم الناس يجهلون حتى قراءة القصيدة الحديثة، لأنهم يقرأونها على ضوء النظرة القديمة إلى الشعر، يقرأونها فيصابون بخيبة أمل عندما لا يدغدغ أذنهم صليل القافية ولا تفجأهم لعب التورية والطباق والجناس، وعندما لا تتأرجح الكلمات في دوامة الوزن . فما السبيل إلى فتح النوافذ في نفس القارئ على عالم القصيدة؟


يبرز أمامنا منحى آخر وهو عرض نماذج للقراءة الراقية الخالقة، القراءة- المشاركة، القراءة - المعاناة والحضور الفعلي. وهي فكرة جيدة، لكنها غير مجدية بالنسبة للذين لم ينفتحوا على الشعر الحديث ويهربون من غموضه. ذلك أن نماذج القراءة هذه غالبا ما تكون أكثر غموضا من القصيدة نفسها، لأنها ليست تبسيطا بل عرض لاستجابة القارئ والأصداء التي لاقتها في نفسه، والآفاق التي فتحتها في هذه النفس. ولأن هذه القراءة قد توقظ كوامن الذكريات أو تثير المشكلات وتفتح الجراح القديمة. وهناك رد آخر على هذه الطريقة وهو أن هذه أن هذه القراءة تتضمن كثيرا من العناصر الشخصية، مما يجعل تعميمها متعذرا وقليل الفائدة.


ولكن مهما تكن مزالق الطريقتين لا بد لناقد الشعر الحديث من الأخذ بطرف من كل منهما ليؤدي مهمة الترجمة والإيصال. فيستعيض عن عرض نماذج القراءة بنموذج واحد لبعض القصائد، أو لإحدى الصور، محاولا دائما التبسيط.

ولكي يتجدد النقد ويغدو نقدا حديثا يتمكن من مواكبة الشعر الحديث أو تقدمه، عليه أن يستفيد من كل المعارف في فهمه للشعر وعكسه على القراء، من مذاهب التحليل النفسي، إلى دراسة المجتمعات البدائية، ومن نظريات علم الاجتماع إلى مذاهب النقد القديمة والحديثة. كما أن عليه أن يستفيد من الأساطير القديمة وتعليلها للكون، والمعتقدات القديمة والطقوس التي ارتبط بها، لأن لهذه الأساطير والمعتقدات ذيولا تعيش في حياتنا على شكل حكايات وأمثال وعادات ومعتقدات ننساها عندما نكبر لكنها تظل تجد لها منفذا تطل به على حاضرنا. وقد رأى بعض النقاد الغربيين لهذه الرواسب الأسطورية أهمية جعلتهم يتبعون منهجا يعتمد على دراسة الشعر والرواية على ضوء الأسطورة.


هذه المعارف العامة تجعل للناقد بصيرة نافذة أشبه بالعين السحرية التي ترى ما على الأرض وما تحت الأرض وما غاب وراء الأفق، فتلمح الطيف العابر للجمال وتدرك مدلول أكثر الرموز غموضا، وتكشف ظروف القصيدة، وتتبع خواطر الشاعر حتى طفولته.


هذه البراعة، هذه البصيرة النفاذة تمكن النقد من احتضان حركة الشعر الحديث لا السير في مؤخرتها. تمكن الناقد من تقديمها إلى القارئ على أضواء الثقافة المتعددة، كما تمكنه من فتح الطريق بموكبها المتقدم، تمكنه من تمييز الزائف من الأصيل، وعلى رأس كل ذلك تساعد الشعر في اختباره للتقنيات الجديدة.


النقد الذي يدرس في الجامعات العربية أو في كليات الأدب العربي، هو النقد القديم الذي يلبس عقول المحافظين والذي ساد قبل ستمائة عام. هذا النقد يتطاول ويفرض نفسه أستاذا لجيلنا ولكن حركة أدبية تتخطى المألوف. أما النقد الحديث الجدير بتفهم الحركات الحديثة وتوجيهها وتعليلها وتحليل آثارها ومقارنتها بالحركات المماثلة في العالم على ضوء المعارف والاختبارات البشرية الأدبية منها والعلمية، هذا النقد ما يزال وليدا تتجل شخصيته بعد، لم تستكمل مقوماتها، لم يتجل في مؤلف خاص، بل ما يزال مقالات في المجلات أو آراء عابرة في مقدمة ديوان. بالإضافة إلى أن الكتاب الذين يعتبرون النقد اتجاههم الوحيد نادرون عندنا. أما معظم الذين كتبوا في النقد وهم كثرة- فيعيش النقد على هامش حياتهم الأدبية، لم يعتبروا النقد رسالتهم، وحين كتبوا في نقد الشعر الحديث لم يستحضروا في أذهانهم الحركة ككل، بكل ملابساتها وعوائقها ومتاعبها ومطامحها وانتصاراتها، وحين كتبوا في النقد كان تذوقهم للشعر الرائد الأول والوحيد تقريبا؛ فهم لم يكونوا ثقافتهم، لم يوجهوا مطالعاتهم وجهة النقد، لم يكن النقد هدفا رئيسيا حاضرا في أذهانهم. وهكذا نرى أن كثيرين ممن كتبوا في النقد، كان الشعر أو القصة أو الفلسفة محور اهتمامهم الأول. وهذا ما جعل نقدنا الحديث يتجلى في متفرقات هي محاولات في النقد غير المنهجي.


ولم يتوفر لدينا النتاج الجدي الذي يمكن أن يحمل اسم 'النقد الحديث'. ولنعترف أن النقد عندنا لم يساعد حركة الشعر الحديث كثيرا إلا في الفترة الأخيرة، لكن الفرصة لم تفت وما يزال أمام النقد الكثير ليعمله. وفي طليعة هذا الكثير، أن يسد الفجوات التي تتخلل أساسه. فقد ظل حتى الآن طفيليا على الشعر، يعتمد في معظمه على نقد المجموعات العشرية أو القصائد، أو يعتمد على التأريخ السريع لفترة بعينها. فليست لدينا الدراسات التخصصية التي تتناول ناحية معينة من نواحي الشعر الحديث، إلا فيما ندر. و إذا كان النقد يطمح لأن يمد الجسور بين الشعر الحديث والقارئ فلا بد من أن يعمل على مد الجسور بين الشاعر الحديث وتراثه. إذ لا يخفى أن الشعر الحديث يواجه مشكلة صميمية هي مشكلة التراث، فإلى أيّ حضارة يمد جذوره وهل هناك تراث يمكن أن يكون خلفية للقصيدة. هذه المشكلة من أهم ما على النقد مواجهته.


لكن أمام النقد الحديث في مرحلته البنائية هذه صعوبات لعلها مسؤولة أيضا عن بعض تخلفه. من هذه الصعوبات:


أولا- أن الشعر الحديث نفسه عبارة عن تجارب فردية، فليس ما يجمع بين الشعراء الحديثين سوى نية التجديد. بينما كل شاعر يعمل منفردا، لتجاربه الخاصة. واتجاهه الخاص.

ثانيا- عدم توفر النتاج الكافي الذي يفرض شخصيته الحديثة. فضلا عن أن بين نتاج الشعراء الذين نعتبرهم حديثين الكثير من القصائد غير الحديثة. وكثيرا ما نسمي شاعرا حديثا من أنتج قصيدتين حديثتين أو ثلاثة، أي لمجرد اتجاهه نحو الحديث. ثالثا - في هذا الحشد من الشعر المزعوم حديثا كثير من القديم الدخيل الذي يدعّي الحداثة لمجرد تلاعب جزئي بتوزيع الوزن، وأحيانا بتوزيع الأسطر. بينما يحتفظ بنظرته القديمة إلى رسالة الشعر وإلى العالم، وفي موقفه وأسلوب التعبير عن موقفه.


رابعا- الأوضاع السياسية في العالم العربي التي تعيق التعاون بين أدباء البلاد العربية كما تعيق الاتصال الثقافي عن طريق المجلات أو الكتب، هذا التعاون الذي يمكنه أن يساعد في قيام حركة نقدية ناشطة، وفي تبادل النظرات والتعليقات.


خامسا- غموض مفهوم التراث، وغموض شخصية التراث، وطغيان الأفكار السياسية على المفاهيم الحضارية مما سبب بلبلة وخلطا في هذا الموضوع، وجعل الكتاب ينقسمون، فمن قائل بأن تراثنا يشمل فترة معينة، ومن قائل أنه بعيد الأغوار في تاريخ هذه البقعة من العالم، إلى ثالث يراه في تراث العالم أجمع.


قد أواجه بهذا السؤال الذي يلقي على كل من يتحدث عن القصور: وأنت ماذا فعلت؟ لا شيء غير هذه المحاولات المتواضعة وغير اعتبار النقد وجهة رئيسية في الكتابة.



المصدر : نظرية الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) البحث عن الجذور - فصول في نقد الشعر الحديث، دار مجلة شعر، بيروت 1960. المدخل

البندري
12-27-2005, 07:45 PM
جماليات التشكيل الإيقاعي

في القصيدة العربية الحديثة


تمثل الحركة والتنظيم الأساس الذي يتولد منه الإيقاع، وإذا كانت الضربة والسكون يمثلان جانبا مهما من الإيقاع في الموسيقى، فإن مادة الإيقاع في الشعر تتحدد بطبيعة الوحدة الصوتية «الحرف والحركة »، إذ تشتمل الوحدات الصوتية على إمكانات إيقاعية كامنة يتم تفجيرها في سياق إيقاعي يشتمل على عنصري الحركة والتنظيم معا، بمعنى أن الشعر» يستمد موسيقاه من مادة صياغته وهي اللغة « [1>ولا يعني هذا أنَّ الإيقاع » لا يتألف من الحركة مطلقة بلا قيد ولا شرط ... الإيقاع يمتاز ... بالنظام « [2> ويخضع هذا النظام لتردد الوحدات الصوتية » على مسافات زمنية متساوية أو متقابلة داخل الوحدة الموسيقية، وقد تكون هذه الظاهرة صمتا خفيفا أو سكونا أو حركة معينة « [3> .

إن الحركة والنظام قد يتوافران في مكونات لغوية عديدة، غير أن هذه المكونات لا تقدم إيقاعا فنيا لخلوها من قيمة التناسب، » والتناسب هو أن تتفق العناصر في الوزن فتكون بالنسب اللازمة لا تزيد عليها ولا تنقص وفي النظام يحسن التآلف وكمال الانسجام، فالتناسب هو اعتدال النسب وتكافؤها به يكسب الإيقاع ثوب الروعة والجمال ويرتقي الفن إلى أسمى درجات الكمال « [4> ويؤكد محمد العياشي أن الغاية من هذا كله تحقيق ثمرتين هما القيمة الجمالية والقيمة التعبيرية، أي أن » جمال الإيقاع مستفاد من تناسب العناصر في وزنها وحركتها وشكل نظامها « فضلا عن قدرة الإيقاع على التعبير والتصوير والتأثير .[5>

ولا بد من التمييز بين نمطين من الإيقاع : إيقاع بسيط يتميز بالرتابة والتكرار ،ويتجلى ذلك في نبض القلب ودقات الساعة، ونمط مركب بالغ التعقيد يتجلى في الشعر، ويحدد علي يونس فوارق بين النمطين على النحو التالي :

أ ـ فالعلاقة بين العناصر في النوع الأول ظاهرة بسيطة يسهل قياسها، أماني النوع الثاني فهي أخفى وأكثر تركيبا .

ب ـ والعلاقات في النوع الأول توشك أن تكون حسية خالصة، ولهذا لا يتفاوت الناس في إدراكها وإن تفاوتوا في الثقافة أو العمر أو غير ذلك، بل أن من صور هذا الإيقاع ما يدركه بعض الحيوان وينفعل له .

أما العلاقات في النوع الثاني فهي عقلية حسية، ولا تكفي الحواس لإدراكها، بل تحتاج كذلك إلي الفكر، ولذلك يتفاوت الناس في فهمها وتذوقها وتقديرها ولا بد أن تتوافر في متلقيها درجة من النضج والعقلي والثقافي .

ج ـ والعلاقات بين العناصر في النوع الأول تنتظم انتظاما تاما أو شبه تام، أما في النوع الثاني فتجمع بوضوح بين النسق والخروج على النسق .[6>





2



ان الشعر لا يغير الوحدات الصوتية للغة، أو الألفاظ التي تتركب منها، ولا يغير من التراكيب، ولكن الشعر ينظم هذه كلها بطريقة خاصة مختلفة، لدرجة يصدق معها القول إن الشعر يمثل ظاهرة » ذات بنية أشد تعقيدا « [7>، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك تمايزا واضحا ـ والوضوح هنا لا يعني أهميته أو تبنيه ـ بين الشعر والنثر يتجلى بداهة في كيفية أدائيهما، وكيفية رسمهما، إذ اعتاد العرب قديما وحديثا تأدية النثر بكيفية تختلف عن الشعر، ولذا نقول : قرأ مقالة، أو رسالة، أو رواية، وانشد قصيدة، ولذلك فإن » الإنشاد عند الأداء إبراز الإيقاع « [8> .

ان كتابة الشعر تختلف وتتباين عن كتابة النثر، إذ بمجرد رؤية فضاء النص نستدل على ان هذا شعر أو نثر، غير أن تحديدا علميا يميز الشعر عن النثر هو التمايز الإيقاعي، أي انه يغلب عليه الانتظام » وهو النظام الذي يحكم عدد المقاطع وأنواعها ) من حيث هي قصيرة أو طويلة أو زائدة الطول ( وترتيبها « [9> .

وفي ضوء هذا فإن الشعر ليس قسيما أو مقابلا للنثر كما انه ليس خرقا أو انتهاكا له ـ بل هو خرق للكلام العادي ـ انه تشكيل جديد يمثل خلقا ليس بالقياس الى شيء موجود مسبقا، وإنما له استقلاله الذي يتجاور معه، ويختلف عنه في آن، أن النثر هو الآخر خرق وانتهاك متعمد للكلام العادي .







3



أقام الخليل بن أحمد الفراهيدي نظريته في الإيقاع على أساس المتحرك والساكن، وقام باستقراء ناقص للشعر العربي، أسس في ضوئه القواعد المعيارية للعروض العربي، وهي النظرية الإيقاعية المهيمنة، ومن الجدير بالذكر ان هناك نصوصا شعرية عديدة خارجه على هذه النظرية، منها جاهلية : لعبيد بن الأبرص وامريء القيس والنابغة .

إن نظرية الإيقاع الخليلية تحكمها فرضيات ذهنية سابقة تصنف الموضوعات وتحددها، وهي جزء من نظرة شمولية تستشري في مجمل النشاط اللغوي والموسيقي، ولقد أسهمت الأسس المنطقية في تدعيم هذه الفرضيات وتأكيد أهميتها وجدواها، وتتحدد الأصول المنطقية في ضوء القياس القائم على : اصل، وفرع، وعله، وحكم، ولذلك لاحظنا اللغويين يحددون أصولا تمثل أساسا ويقيسون عليها الفروع، ويمثل الأصل الأساس وتتولد عنه الفروع . ويصدق هذا على نظرية الخليل العروضية التي أقامت فرضيات مسبقة تتحدد في الدوائر العروضية التي تشتمل الواحدة منها على بحور مستعملة وأخرى مهملة، وان بعض هذه البحور المستعملة لها أساس نظري ليس له وجود في واقع الشعر، ولذلك برر العروضيون مثلا ان هذا البحر لم يرد تاما في الشعر على الرغم من انه في دائرته العروضية ـ وهي فرضية مسبقة ـ ورد تاما . ان العروضيين » افترضوا ... أوزانا » مثالية « لا وجود لها في الواقع الشعري، وافترضوا ان بعض الأوزان الحقيقية صور مشتقة من هذه الأوزان المثالية . ويتضح ذلك إذا قارنا بين صورة » المديد « في الدائرة، وصورته في الشعر وكذلك الوافر والهزج والرمل والسريع والمنسرح والمجتث«[10>.

ان الدرس العروضي بقي معياريا ومتخلفا عن تتبع حركة التطور الإيقاعي في العصور المختلفة لان » العروضيين القدماء أقاموا بناء فكريا بعيدا عن الزمان والمكان، فلا هو يمثل أوزان العرب القدماء، التي زادوا ونقصوا فيها، ولا هو يمثل أوزان المحدثين التي أنكروها واهملوها « [11>.

ولقد واجهت قواعد الخليل العروضية نقدا يتفاوت في حدته، ويبدو ان ادونيس اكثر هذه الأصوات قساوة إذ يرى أن الإيقاع الخليلي يقدم » لذة للأذن اكثر مما يقدم خدمة للفكر « [12> وان قواعده » الزامات كيفية تقتل دفقة الخلق أو تعيقها أو تقسرها، فهي تجبر الشاعر أحيانا ان يضحي بأعمق حدوسه الشعرية في سبيل مواصفات وزنية كعدد التفعيلات والقافية « [13> .ان نظرية الإيقاع الخليلية تصل درجة القداسة لدى عدد من الدارسين وان مناقشتها أو هدمها لا يقل في خطورته عن هدم مقدس، ويبدو لي ان هذا هو الذي دفع أدونيس الى القول بان » الرؤية الخليلية لفن الشعر ترجمه دقيقة للرؤية الدينية . كانت بينهما مطابقة شبه كاملة : أخضعت القواعد والأشكال لمبدأ مطلق وثابت تماما « [14>



4



يحاول بعض الدارسين من القدامى والمحدثين ان يسم كل بحر من البحور الشعرية بسمات معينة تحدد ماهيته وطبيعته ومن ثم يكون ملائما لغرض دون آخر، وتتجلى ملامح ذلك عنده حازم القرطاجني من القدامى مثلا [15> وعند المحدثين مثل: البستاني، وعبد الحميد الراضي، والعياشي، وأتوقف لمجرد الإشارة عند عبد الله الطيب المجذوب الذي قسم الأوزان الشعرية الى البحور الصعبة : كالمديد، والبحور المضطربة :كالسريع، والبحور القصار : كالمجتث والمضارع، والبحور الشهوانية : كالمقتضب . ويصف البحور القصار مثلا بأنها » لا يصلح فيها النظم إلا لمجرد الدندنة والترويح عن النفس بجرس الألفاظ« [16>، ويقول عن البحور الشهوانية إن » نغماتها لا تكاد تصلح الا للكلام الذي قصد منه قبل كل شيء ان يتغنى به في مجالس السكر والرقص المتهتك المخنث «[17> ولم يقتصر المجذوب على هذا الوصف المعياري الثابت للأوزان الشعرية بعامة ولكنه وصف البحور الشعرية بأحكام انطباعية محولا إياها الى معايير ثابتة، فهو يقول عن المديد بان فيه» صلابة ووحشية وعنف، تناسب هذا النوع من الشعر . ولا يستبعد أن تكون تفعيلاته قد اقتبست في الأصل من قرع الطبول التي كانت تدق في الحرب « [18> ويقول عن الخبب بأنه » بحر دنيء للغاية وكله جلبة وضجيج « [19> ويقول عن الرمل إن فيه » رقه وعذوبة مع ما فيه من الأسى « [20> ويقول » ومع التكسر والرقص والتثني تجد في المنسرح لونا جنسيا يشبه لون المتقارب المجزوء«[21> .

ان محاولة الربط بين البحور الشعرية ومعانيها وأغراضها الشعرية أمر تبطله النصوص نفسها، لان مواقف الشعراء وتجاربهم الشعورية وحالتهم الانفعالية تتفاوت وتختلف على الرغم من استخدامهم الأوزان الشعرية نفسها، ولذلك فإن الوزن الشعري يمثل إيقاعا عاما يلونه الشاعر بتجربته الشعورية، ويخضعه لانفعاله فيتلون بخصوصيته، ولذلك فليس هناك وزن شعري جنسي مثلا واخر دنيء أو صلب .



5



تصدر نازك الملائكة في تصوراتها عن التجديد في الشعر العربي الى أمرين : أحدهما : معرفتها بالعروض العربي، وثانيهما : قراءتها للشعر الإنجليزي، غير أن المعرفة والقراءة هاتين لم تخرجا على الأصول العربية، لأن شعر التفعيلة على الرغم من اختلافه عن شعر الشطرين فإنهما يتماثلان في مزايا وعيوب، وإنهما جميعا لا يخرجان عن أصول عروضية معروفة، ولذلك أكدت نازك الملائكة » أن شعرنا الجديد مستمد من عروض الخليل بن أحمد قائم على أساسه « [22>، غاية ما في الأمر أن حركة شعر التفعيلة استعانت ببعض تفاصيل العروض القديم على » إحداث تجديد يساعد الشاعر المعاصر على حرية التعبير وإطالة العبارة وتقصيرها بحسب مقتضى الحال « [23>. إن نازك الملائكة لا تنبذ شعر الشطرين ولا تهدف الى القضاء على أوزان الخليل وإنما ترمي الى » أن تبدع أسلوبا جديدا توقفه الى جوار الأسلوب القديم وتستعين به على بعض موضوعات العصر المعقدة « [24>

وتمايز نازك الملائكة بين نظام الشطرين ونظام التفعيلة، لأن نظام الشطرين يلزم الشاعر بنظامي الصدر والعجز، وان الشاعر لا بد أن يقف في البحور الستة عشر » عند نهاية الشطر الثاني وقفة صارمة لا مهرب منها فتنتهي الألفاظ وينتهي المعنى « [25>، إن نظام الشطرين عند نازك الملائكة يفرض قيودا هندسية صارمة على الشاعر لأن » الأشطر المتساوية والوحدات المعزولة لا بد أن تفرض، على المادة المصبوبة، شكلا مماثلا يملك عين الانضغاط وتساوي المسافات . أو لنقل أن هندسة الشكل، لا بد أن تفرض هندسة مقابلة في الفكر الذي يستوعبه هذا الشكل « [26> أما نظام التفعيلة فإنه يتمرد على نظام الشطرين هذا أولا، ويعتمد التفعيلة ثانيا، ويتعمد ثالثا » تحطيم استقلال الشطر تحطيما كاملا « [27>، وهذا لا يعني أنه ليس هناك من وقفات صارمة يفرضها الإيقاع والمعنى في نهاية كل شطر ،لأن شعر التفعيلة لا يلزم الشاعر » أن ينهي المعنى والإعراب عند آخر الشطر ،وإنما يجعل من حقه أن يمدهما الى الشطر الثاني أو ما بعده « [28> .

وفي ضوء هذا يبدو تمرد نازك الملائكة على نظام الشطرين استجابة لعنصرين، أحدهما : يتجاوب فيه شعر التفعيلة مع الفكر المعاصر الذي » يكره النسب المتساوية ويضيق بفكرة النموذج ضيقا شديدا « [29> ولذلك فشعر التفعيلة هو الآخر يتمرد على هذه السيمترية الصارمة فيخرج على الرتابة » وعلى فكرة النموذج المتسق اتساقا « [30>، اما ثاني العنصرين فإنه يتصل بالمعنى وعلاقته بنظامي الشطرين والتفعيلة على السواء، فإن نظام الشطرين يتحكم في طول العبارة وفي المعنى الذي يحددها، ولذلك يخضع المعنى لهندسة نظام الشطرين، بمعنى أن الأشطر المتساوية في نظام الشطرين تفرض عبارات متساوية [31>، وهذا ما يتجاوزه شعر التفعيلة الذي تهدف نازك الملائكة من ورائه الى أن يكون السطر الشعري خاضعا للمعنى، فيتوقف الشاعر » حيث يشاء المعنى والتعبير « [32> .

إن المعنى وطول العبارة وقصرها خاضعة في نظام الشطرين لطبيعة الوزن وأطوال أشطره، بمعنى أن الخارجي ـ نظام الشطرين ـ يتحكم في الداخلي ـ المعنى ـ، ولكن طبيعة الوزن وأطوال الأشطر خاضعة للمعنى في شعر التفعيلة، أي أن الداخلي ـ المعنى ـ يتحكم في تحديد الخارجي، ومن ثم تكون أشطر شعر التفعيلة غير متساوية، ولا يستطيع أحد أن يحدد أبعادها .

وفي ضوء هذا تخلص نازك الملائكة الى القول إن نظام الشطرين » متسلط، يريد ان يضحي الشاعر بالتعبير من أجل شكل معين من الوزن، والقافية الموحدة مستبدة لأنها تفرض على الفكر أن يبدد نفسه في البحث عن عبارات تنسجم مع قافية معينة ينبغي استعمالها، ومن ثم فإن الأسلوب القديم عروضي الاتجاه، يفضل سلامة الشكل على صدق التعبير وكفاءة الانفعال، ويتمسك بالقافية الموحدة ولو على حساب الصور والمعاني التي تملأ نفس الشاعر «[33>، وتتكرر الأفكار ذاتها لدى رائد من رواد الشعر الحر ـ بلند الحيدري ـ الذي يرى أن القصيدة التقليدية « تنمو طابقيا، هذا طابق فوقه طابق .. الخ ولكل طابق حياته الخاصة، والتي تكاد القافية والروي أن تكون المزلاج الذي يغلق الباب على المعنى الا في القصائد ذات الأشكال القصصية، وهي قصائد موضوعية نجدها عند امريء القيس وأبي نواس بكثرة، وعند الجواهري وخاصة عند أبي ريشة في الفترة الأخيرة«[34>

ويرفض محمد النويهي إيقاع الشطرين لأنه إيقاع حاد » يزيد من رتوبه وإملاله تنظيمه في البحر التقليدي تنظيما هندسيا مسرفا في السيمترية، إذ بعد انقسام القصيدة الى أبيات متساوية تماما ينقسم البيت الى شطرين متساويين متناظرين وينتهي كل بيت بنفس القافية والروي من مطلع القصيدة الى نهايتها « [35>، ويقرن النويهي الإيقاع بما يحدث في العالم الداخلي » فليس الشعر بأوزانه المختلفة وأنظمة إيقاعه المتعددة سوى محاكاة لهذا الاهتزاز الجسمي والتموج الصوتي اللذين يأخذاننا ونحن نعاني الانفعالات القوية «[36> .ويقول النويهي » أما الشكل الجديد فلا يلتزم فيه الشاعر بأي عدد من التفاعيل، بل يزيد منها وينقص بحسب ما تحتاج إليه كل فقرة من معناه وكل موجة من موجات عاطفته في جملة من الجمل الموسيقية المتتالية التي تنقسم عاطفته إليها وتتتابع فيها . فقد يكون البيت تفعيلة واحدة بل جزءا من تفعيلة وقد يكون أي عدد من التفاعيل يحتاج إليها الشاعر لبناء جملته الموسيقية « [37>.

ولا يختلف عز الدين إسماعيل عن نازك الملائكة ومحمد النويهي في تحديد الخصائص التي يتميز بها نظام الشطرين، والفوارق التي يختلف فيها شعر التفعيلة ،إذ يرى عز الدين إسماعيل أن البحور الشعرية إنما تمثل أشياء ناجزة يتعامل معها الشاعر بطريقتين فهو اما » أن يطوع الكلمات لنسق سابق لم يصنعه ولم يشارك في صنعه . إنه بذلك كمن يشكل نفسه من خلال الطبيعة لا كمن يشكل الطبيعة من خلال نفسه «[38>، وبذا نكون في صميم نظام الشطرين الذي يتحكم فيه الوزن في الجور على انفعال الشاعر والمعاني التي يروم التعبير عنها ،إن الخارجي متمثلا في الوزن والقافية يتحكمان في الداخلي، ويحددان نوعه وطبيعته، إن البحر بالنسبة للشاعر » بمثابة الأدراج التي يطلب منه أن يملأها . أما تصميم هذه الأدراج ذاتها فلا دخل له فيه « [39>.

أما شعر التفعيلة فإن الشاعر » ينسق الطبيعة .... تنسيقا خاصا يتلاءم مع حالته الشعورية « [40> أي أن الدفقة الشعورية والانفعالية تتحكم في تحديد طبيعة الوزن، وهذا يعني أن الداخلي متمثلا في الانفعال والتجربة الشعورية يتحكمان في الخارجي ـ الوزن والقافية ـ ويحددان نوعيهما وطبيعتيهما .

إذن هناك علاقة وثيقة بين العالم الداخلي للمبدع والإيقاع لدى بعض نقاد شعر التفعيلة، ويتحكم الداخلي ـ المعنى عند نازك والانفعال عند النويهي وعز الدين إسماعيل ـ بالخارجي ـ الإيقاع ـ، ويبدو لي أن هذه التصورات تلوين وتنويع لتصورات اليوت الذي يرى أن » القصيدة ذات الطول يجب أن يكون فيها صعود وهبوط في درجتها من الحدة حتى تطابق ما يحدث فعلا للعاطفة الإنسانية من تراوح بين الصعود والهبوط . وبهذا التراوح تتم الوحدة الموسيقية الشاملة لبناء القصية ككل « [41>

ويؤكد النويهي في مواطن عديدة أن شعر التفعيلة يمثل خطوة في تجديد القصيدة العربية، وهو مرحلة انتقالية، ويعاني شعر التفعيلة من عيب أساسي كونه » لا يزال مرتبطا بالتفعيلة القديمة لم يتخلص تماما من الموسيقية الحادة « [42>، ويدعو النويهي الى بديل آخر يقوم على أساس النبر، غير أن النبر ليس له تأثير دلالي في اللغة العربية، وان أبعاده الإيقاعية لم تتضح بعد بدليل أن النويهي نفسه يؤكد » أن الإيقاع النبري يحتاج الى تدريب ومراس حتى تألفه آذاننا وتهتدي الى ما فيه من موسيقى خفيفة ونظام سمح مرن « [43>، ولما كان هذا البديل الإيقاعي المقترح لم يتأسس بعد، وإنما هو في طور التكوين ،وحوله خلافات كثيرة، فإننا سندع الحديث عنه الآن .

إن نازك الملائكة ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل يؤكدون أن نظام الشطرين خاضع لنظام هندسي صارم [44>، ولكنهم لا ينفون عن الشعر : من نظام الشطرين والتفعيلة التقيد بسيمترية معينه يحكمها العالم الداخلي، إذ تؤكد نازك الملائكة أهمية المعنى في تحديد تشكيل الشعر، وتحديد أوزانه وأطوال أشطره، وإذا كان المعنى يمثل خاصية تتولد في الذات فإن عز الدين إسماعيل لا يبتعد كثيرا عن هذا التصور، إذ يؤكد أهمية النظام بوصفه عنصرا جوهريا في الأعمال الفنية، ولكنه حريص على جعل » هذا النظام شيئا يصدر عن نفس الشاعر لا شيئا يفرض من الخارج أو يفرضه الشاعر نفسه على نفسه « [45> .

إن المنظور الجديد لتشكيل الإيقاع عند عز الدين إسماعيل يرجع إلى أساس جمالي يغاير الأساس الجمالي القديم تمام المغايرة ،لأن القصيدة القديمة لا تمثل » بنية أو صورة موسيقية ... بل كانت ... وحدة موسيقية مكررة مرة ومرة تكون هذه الوحدة بيتا ينتهي بقافية متكررة، ومرة تكون مجموعة من الأبيات لها نظام وقواف تتكرر في الوحدات الأخرى . كانت القصيدة القديمة شكلا موسيقيا » مفتوحا « ... يمكن أن تتكرر فيه الوحدة الموسيقية الى مالا نهاية، شأنها شأن الزخرفة العربية » فن الأرابسك « [46> أما الأساس الجمالي الجديد لشعر التفعيلة فيتجلى في » أن القصيدة بنية إيقاعية خاصة، ترتبط بحالة شعورية معينة لشاعر بذاته، فتعكس هذه الحالة لا في صورتها المهوشة التي كانت عليها من قبل نفس الشاعر « [47>

وأكدت نازك الملائكة أن الشعر الحر » ظاهرة عروضية قبل كل شيء . ذلك أنه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة ويتعلق بعدد التفعيلات في الشطر، ويعنى بترتيب الأشطر والقوافي، وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد « [48>، بمعنى أنه ليس نفيا لقصيدة الشطرين، وإنما كان هدفها » أن تبدع أسلوبا جديدا توقفه الى جوار الأسلوب القديم وتستعين به على بعض موضوعات العصر المعقدة « [49>، ويماثل هذا التصور ما ذهب اليه عز الدين إسماعيل فهو يؤكد » أن الشعر الجديد لم يلغ الوزن ولا القافية، لكنه أباح لنفسه ... أن يدخل تعديلا جوهريا عليهما لكي يحقق بهما الشاعر من نفسه وذبذبات مشاعره وأعصابه ما لم يكن الإطار القديم يسعف على تحقيقه . فلم يعد الشاعر حين يكتب القصيدة الجديدة يرتبط بشكل معين ثابت للبيت ذي الشطرين وذي التفعيلات المتساوية العدد والمتوازنة في هذين الشطرين، وكذلك لم يتقيد في نهاية الأبيات بالروي المتكرر أو المنوع على نظام ثابت « [50>

ومن الجدير بالذكر أن نازك الملائكة ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل يتحدثون عن تحطيم البيت في قصيدة الشطرين ،إذ تذهب نازك الملائكة الى » تحطيم استقلال الشطر تحطيما كاملا « [51>ويتم ذلك من خلال تجاوز وقفات القافية من ناحية واستخدام التضمين الذي يجعل البيت » مفضيا بمعناه وإعرابه الى البيت الذي يليه « [52>من ناحية ثانية، ويؤكد النويهي أن الشكل الجديد » يهدم السمترية الحادة البارزة للبيت ذي الشطرين « [53>، ويذهب عز الدين إسماعيل الى الوصول الى بنية إيقاعية ذات أثر ودلالة لا يتم بإلغاء الشعراء الوزن والقافية وإنما » أن يحطموا الوحدة الموسيقية للبيت تلك الوحدة التي تفرض على النفس حركة معينة لم تكن في أغلب الأحيان هي الحركة الأصلية التي تموج بها النفس « [54>

وفي ضوء هذا فإن النص الشعري لا يلغي الوزن أو القافية وإنما يقدم مفهوما جديدا لهما، فالسطر الشعري » سواء أطال أم قصر ما زال خاضعا للتنسيق الجزئي للأصوات والحركات المتمثل في التفعيلة، أما عدد هذه التفعيلات في كل سطر فغير محدد وغير خاضع لنظام معين ثابت « [55>

إن المعنى عند نازك الملائكة هو الذي يحدد طول السطر الشعري أو قصره [56>، ويرى محمد النويهي ان الأسطر الشعرية » ليست تطول وتقصر كيفما اتفق، ولا لاستتمام المعنى اللغوي وحده، بل مع تهدجات العاطفة وتلاعبها بالنفس الصادر من الرئتين « [57>، بمعنى أن الشاعر لا تحكمه سيمترية الشطرين، فيتوقف في ضوء القوالب المسبقة، وإنما » يستطيع أن يقف ما أن ينتهي معناه وموجته العاطفية في جملته الموسيقية » [58>ويرجع عز الدين إسماعيل ذلك » لنوع الدفعات والتموجات الموسيقية التي تموج بها نفس الشاعر في حالته الشعورية المعينة « [59>، ولا يختلف عنهم حسن توفيق الذي يرى » أن يكون الإيقاع العروضي متمشيا مع الإيقاع النفسي الذي يتردد في روح الشاعر عندما يشرع في التعبير عن تجربته، ومن الطبيعي أن يختلف الإيقاع النفسي من شاعر الى آخر وان يختلف أيضا عند الشاعر الواحد تبعا لاختلاف تجاربه وتنوعها « [60> .

ويبدو أن محمد بنيس لا يبتعد كثيرا عن التصورات السابقة، فهو يمايز بين زمان الشعر وزمان نصوص أخرى كالتاريخ والنحو مثلا، ويؤكد أهمية الداخلي في تحديد الخارجي، أي أنه يرجع عملية الإبداع كلها الى » منظومة الدواخل « ،وعلى الرغم من إغراء هذه العبارة التي تؤكد الداخل رؤية ولغة فإنه حين يفسرها يرجع بها الى مقولات تكاد تقترب من مقولات بعض النقاد الذين سبقت الإشارة اليهم، يقول : » يخالف الزمان الشعري كلا من أزمنة التاريخ والنحو والتقنية . زمان الشعر متشكل من منظومة الدواخل، إنه النَّفس [61>بكل توتراته وانبساطاته، لا يستسلم حتما لتقعيد مسبق « [62> إن النفس يمثل جوهرا أساسيا تتشكل في ضوئه معطيات الكتابة وتجلياتها فهو الذي يتحكم في تنظيم الوحدات الصوتية والوحدات الدلالية، لأن الربط بين هذه الوحدات صوتية ودلالية » تبعا لإيقاع النَّفس هو ما يؤسس إيقاعا مغايرا له صيحة المغامرة وحجة التجربة والممارسة وألق الخروج « [63>، إن العلاقة بين النفس والإيقاع ليست علاقة التابع بالمتبوع، كما تدل النصوص السابقة وإنما يصل الأمل بالناقد الى قصر أحدهما على الآخر في قوله » وما الإيقاع الا النفَّس، ولذا فإن ما يحدد المتتاليات داخل النص هو هذا النفس، ضوء الجسد النافذ الى عتمة الكلام اليومي وقوانينه العامة . إنه أيضا رؤية المبدع للعالم . تدمير القوانين العامة، وإعادة تركيب المتتالية ـ المتتاليات، حسب إيقاع النفس، مقدمة لتدمير سلطة اللغة وأنماط الخضوع لتراتب مسبق للوجود والموجودات « [64>.

إن الناقد يحيل هنا الى مجهول يتحكم في تحديد بناء الإيقاع فإن النَّفس مفهوم مضبب لا حدود لطبيعته وماهيته، ومن الجدير بالذكر ان الناقد ينبه الى هذا الأمر في قوله » إن قوانين اللاوعي التي نجهل أسرارها تتدخل في صوغ هذا الإيقاع « [65>.

إن هذه التصورات تحيل في بعض تجلياتها الى أن عملية الإبداع الشعري في الشعر الحر ترجع الى قوى غيبية تذكرنا بكهنة معبد كوبيلا ـ التي ذكرها أفلاطون ـ، وبشياطين الشعر ـ عند العرب ـ، وليس الأمر كذلك في تقديري لأن عملية الإبداع ترجع في الحقيقة الى عملية واعية يقصد إليها الشاعر، وهي نتاج عملية جدل بين الذات ت وموضوعها . وأعني بالذات ـ هنا ـ الوعي الإنساني المقصود القار في أعماق الإنسان، وأن الموضوع يقع خارجها، مهما كان نوعه وشكله، وإن الذات في أثناء تفاعلها مع موضوعها تحدث حركة جدل يتم من خلالهما وعي للذات ولموضوعها، ويعبر الإنسان عن هذا بطرائق كتابية مختلفة، شعرا، تاريخا، فلسفة، وقد تكون محصلة الجدل ـ هذا ـ وعيا ناقصا وبسيطا، ومن ثم لا يقدم سوى نتاج هزيل، وقد يكون التجادل عميقا يسهم في التأثير بين طرفي الذات بموضوعها، تأثيرا بالغا .

إن الوعي في حالة إبداع النص الأدبي يلغي التراتبية التي يتم تأكيدها في مواطن أخرى من الكتابة، لأن الشعر ليس وصفا وتحليلا، وإنما خلق، والخلق لا يلتزم بتراتبية مسبقة، وإنما يخلق تراتبيته الخاصة به، وهي وليدة جدل عميق بين الذات وموضوعها، والجدل هذا وعي .





6





تؤكد نازك الملائكة أن الشعر الحر » أسلوب في ترتيب تفاعيل الخليل تدخل فيه بحور عديدة من البحور العربية الستة عشر المعروفة « [66> ،ولذلك فإن شعر التفعيلة لا يعدو كونه مجرد » ظاهرة عروضية تعنى بـ

1- عدد التفعيلات في السطر .

2- ترتيب الأشطر والقوافي

3- أسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد « [67>

وتتبدى ملامح المحافظة عند نازك الملائكة في تأكيدها إحالة عروض شعر التفعيلة، وكأنه فرع من عروض الخليل، إذ تتحدد جدته من خلال :

1- استبدال نظم الشطرين بنظام السطر الشعري .

2- حرية مقيدة لعدد التفعيلات في السطر الشعري .

وما عدا ذلك فإن الشاعر لا يخرج على القانون العروضي » جاريا على السنن الشعرية التي أطاعها الشاعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا « [68>

إن أساس شعر التفعيلة هو وحدة التفعيلة عند نازك الملائكة، إضافة إلى حرية مقيدة في عدد التفعيلات في السطر الشعري الواحد، وتضع نازك قواعد صارمة فهي تخرج عددا من البحور الشعرية لعدم صلاحيتها للشعر الحر، وهي : الطويل، والمديد، والبسيط، والمنسرح، » فهي لا تصلح للشعر الحر على الإطلاق، لأنها ذات تفعيلات منوعة لا تكرار فيها، وإنما يصح الشعر الحر في البحور التي كان التكرار في تفعيلاتها كلها أو بعضها« [69> . وقد نظم الشعراء على هذه البحور، ومن هؤلاء بدر شاكر السياب، يقول من بحر البسيط :



نافورة من ظلال من أزاهير مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن

ومن عصافير مفاعلن فعْلن

جيكور، جيكور، يا حقلا من النور مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن

يا جدولا من الفراشات نطاردها مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن

في الليل في عالم الأحلام والقمر مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن

يتشرت الأجنحة أندى من المطر مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن

في أول الصيف [70> مستفعلن فعْلن



ويقول في سفر أيوب من بحر البسيط أيضا :



يا رب أيوب قد أعيا به الداءُ مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن

في غربة دونما مالٍ ولا سكن ِ مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن

يدعوك في الدُجنِ مستفعلن فعلن

يدعوك في ظلمات الموت أعباءُ مستفعلن فعلن مستفعلن فعْلن

ناد الفؤاد بها فارحمه ان هتفا مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن

يا منجيا فلك نوح مزق السدفا مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

عني أعدني الى داري الى وطني[71> مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن



يقول السياب

رأيت الذي لو صدق الحلم نفسه فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

لمد لك الفما فعول مفاعلن

وطوق خصرا منك واحتاز معصما فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن

لقد كنت شمسه فعولن مفاعلن

وشاء احتراقا فيك، فالقلب يصهر فعولن مفاعيلن فعولن نفاعلن

فيبدو على خديك والثغر أحمر فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

وفي لهف يحسو ويحسو فيسكر [72> فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن



والبحور الصالحة للشعر الحر عند نازك الملائكة هي :

أ ـ البحور الصافية :

وهي البحور التي يتألف شطراها من تكرار تفعيلة واحدة ست مرات، وهذه هي :

الكامل، شطره ( متفاعلن متفاعلن متفاعلن )

الرمل، شطره ( فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن )

الهزج، شطره ( مفاعيلن مفاعيلن )

الرجز، شطره ( مستفعلن مستفعلن مستفعلن )

ومن البحور الصافية اثنان يتألف كل شطر فيهما من أربع :

المتقارب، شطره ( فعولن فعولن فعولن فعولن فعولن )

المتدارك، شطره ( فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن )

أو ( فعلن فعلن فعلن فعلن )

وينبغي لنا أن نضيف هنا ( مجزوء الوافر ) ( مفاعلتن مفاعلتن ) فإنه من البحور الصافية وشطره تفعيلتان . « [73>

وأضافت نازك بحرا آخر تزعم أنها ابتكرته، وهو بحر صاف، » اشتقته من الوزن الخليلي المعروف المسمى » مخلع البسيط « [74> ووزنه مستفعلاتن مستفعلاتن .

ب ـ البحور الممزوجة :

وهي التي يتألف الشطر فيها من أكثر من تفعيلة واحدة على أن تتكرر إحدى التفعيلات، وهما بحران اثنان :

السريع، شطره ( مستفعلن مستفعلن فاعلن )

الوافر، شطره ( مفاعلتن مفاعلتن فعولن ) [75>

وتشترط نازك الملائكة في هذين البحرين شرطا مفاده » أن يكون » التنويع في عددالتفعيلة المتكررة وحسب « [76>، ففي بحر الوافر لا بد أن يجري على النسق التالي :

مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن فعولن

أي أن ينتهي كل سطر شعري بالتفعيلة فعولن .



الضرب :

يشتمل العروض الخليلي على مصطلحات عروضية معروفة حافظ العروض الحر على قسم منها وألغى اخريات، إذ من المعروف ان القصيدة تتكون من شطرين في العروض الخليلي، ويتكون كل شطر من عدد من التفعيلات، يطلق على أخر تفعيلة من الشطر الاول العروض، وتسمى آخر تفعيلة من الشطر الثاني الضرب، ففي بحر الطويل مثلا :



فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

_ــ_______ ______

الحشــــــو العروض





فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

ـــــــــ ______

الحشـــــــو الضرب



ولا بد أن يلتزم الشاعر في قصيدة الشطرين بالعروض ـ باستثناء حالة التصريع ـ في القصيدة كلها، دون أي تغيير، وكذا الأمر في المحافظة على الضرب، إذ يمثلان قانونا صارما لا يجوز كسره بأي حال من الأحوال . ولما كان إيقاع التفعيلة ألغى نظام الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري، فلقد حافظ على حشو البيت والضرب، وألغى العروض تماما ،إذ لسنا إزاء شطرين .

وقد ألزمت نازك الملائكة الشاعر بضرورة المحافظة على قوانين الخليل في اضرب، لأن اختلاف الضرب في قصيدة الشطرين يعني تشكيلات مختلفة من البحر الشعري، ولذلك يجب على الشاعر المحافظة على ضرب واحد دون تجاوزه، لأن » القانون العروضي الذي خضع له الشاعر العربي دائما انه ليس يمكن أن تجتمع تشكيلتان في قصيدة واحدة، وإنما تقتصر كل قصيدة على تشكيلة واحدة يختارها لشاعر منذ مطلع القصيدة ويلازمها في كل بيت « [77>، ففي قصيدة حرة يحق للشاعر أن يكرر عدد التفعيلات في الحشو ،ولكنه ينبغي أن يلتزم بضرب واحد مثل :

متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن فعلن

متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن فعلن

فالضرب هنا هن » فعلن «، وهو ثابت ولا يجوز تغييره، ولذلك ترفض نازك الملائكة تنويع الأضرب في تشكيلات مختلفة من البحر الشعري، كما هو الحال في قصيدة الشاعر :[78>

لكنهم متيقنون لأنهم صرعى حميّا ( متفاعلاتن )

وعزاؤهم أن الحياة تقول للأبطال هيا ( متفاعلاتن )

منا الصدى ( فعلن )

من مقلتي وفمي ( فعلن )

فأحسه نارا ووعدا وارتقابا للغد ( متفاعلن )

إن الضرب هنا متنوع فهو يختلف من سطر إلى آخر، » متفاعلاتن، وفعلن ومتفاعلن «، وترى نازك الملائكة أن » الأذن العربية لا تقبل في القصيدة الواحدة إلا تشكيلة واحدة « [79> وعلى الرغم من أن الأذن العربية لا تدل على قانون محددد، وهي في الحقيقة إشارة إلى قضية ذوقية وانطباعية، فإن نازك أصرت على ذلك وحافظت عليه، وترى » أن وحدة الضرب قانون جار في القصيدة العربية مهما كان أسلوبها :شطرين أو شطرا ثابت الطول، أو شطرا متغير الطول من بحر صاف أو شطرا متغير الطول من بحر ممزوج . ففي الحالات كلها ينبغي ان تحافظ على ثبات الضرب . وإنما تنحصر الحرية التي نملكها في حشو الشطر«[80>

ومن الجديد بالذكر ان اغلب النقاد يخالفون النـزعة التقليدية المحافظة لنازك الملائكة لدرجة يصف يوسف الخال كتابها بانه » يتردى بالانكفاء والرجعية والضيق ـ ضيق النفس ( بفتح الفاء وتسكينها ) وإساءة الفهم ـ فهم الوزن العربي التقليدي، بل وزن الشعر عموماً، وفهم اللغة العربية وإمكاناتها، وفهم الإنسان، خصوصاً العربي بقدرته على التغير والتكيف والتخطي « [81> ويرجع النويهي رفضه لآراء نازك الملائكة إلى ضرورة تجاوز الرتابة في الإيقاع بشكله التقليدي، وتجاوز ما تفرضه نازك الملائكة من قيود تؤكد هذه الرتابة وتعمقها، ولذلك فإنه يدعوا إلى ما يلجأ اليه الشعراء من » تنويع الإيقاع في التفعيله نفسها بادخال ما يطبقون من الزحافات ... وبتنويع صور الأضرب التي يستعملونها، وبالانسياق احياناً انسياقاً هينا لا نشاز فيه من وزن إلى وزن قريب منه يذوب فيه « [82> ويرجع عز الدين إسماعيل ذلك إلى قيمة » التلوين في الإيقاع، سواء في حشو السطر أو في نهايته، وفي علاقة السطور بعضها ببعض، وفيما يتسرب خلالها من حركه نفسية، والإلزام بصورة واحدة ثابته لتفعيله في نهاية كل سطر لا يضمن من الناحية الموسيقيه الا نوعاً من الإيقاع الرتيب « [83> ويرجع شكري عياد ذلك إلى التنويع لان ثبات الضرب في القصيدة كلها، وبخاصة في البحور الصافية يزيد من الإحساس بالرتابة ويستدل على ذلك بقصائد الشعراء المجيدين الذين » يعمدون إلى تغير الأجزاء الوزنية الأخيرة ـ أو الاضرب ـ مخالفين بذلك قاعدة من قواعد الشعر االكلاسيكي « [84>

تنويع الأوزان :

يعد تنويع الأوزان في شعر التفعيلة امراً معيباً وخاطئاً عند نازك الملائكه التي لا تجيز هذا التنويع مهما كانت مبرراته المعنوية أو الفنية ولذلك فهي تعيب على الشعراء الذين »خلطوا بين بحور الشعر نفسها فنظموا قصائد حرة تجاورت فيها اشطر من البحر السريع وأخرى من الرجز « [85>، وتستشهد لذلك بقصيدة سعدي يوسف :

ياطائراً اضناهُ طول السفرْ

قلبي هنا في المطرْ

يرقب ما تأتي به الاسفار

وترى ان الشطر الثالث يخرج على البحر السريع بسبب تفعيلة الضرب » مفعولن « لأنها » لا ترد في ضرب السريع على الاطلاق وانما هي مما يرد في الرجز بحسب قواعد العروض العربي « [86>.

ويبدو ان نازك الملائكه تنفرد بهذا التصور، في حين يجوّز النقاد الآخرون، وهم كثر، تنويع الأوزان في القصيدة الواحدة، ويبرر عز الدين إسماعيل هذا التنويع وفقاً لحالات متعدده وهي :

1- ان يكون السطر الجديد بداية لمقطع جديد من القصيدة .

2- او ان يعبر هذا السطر عن انتقال في الموقف الشعوري .

3- فان لم يكن هذا ولا ذاك فيتحتم عند ئذ ان تكون هناك » علاقة تداخل « بين التفعيلة المستخدمة في السطر الأول والتفعيلة المستخدمة في السطر الذي يليه، على ان يدخل في اعتبار الشاعر استغلال هذه العلاقة فنياً [87> .

ويجيز علي يونس الانتقال من وزن الى آخر، شريطة ان يكون » مصحوباً بالانتقال المعنوي او الشعوري« ويستشهد لذلك بقصيدة لحسب الشيخ جعفر :

يافتى مر طعام الذكريات

يافتى بالله خبر كيف جاء

طائر الموت على عينيك مثقوب الرداء

(اشم شواء لحمي في عيونك استلذ النار تأكلني

وتتركني

رماداً في مهب الريح تعصف بي وتنثرني

فيا وطني ترابك تاج رأسي، قرة العينين ثوبي الرث أو كفني

فلا تهن )

عائد انت الينا حينما يهمي السحر

مطراً من برتقال

فالنص الشعري ينقسم إلى قسمين القسم الأول من بحر الرمل وتفعيلته فعلاتن والقسم الثاني المحصور بين القوسين، وهو من الوافر وتفعيلته مفاعلتن ويرى علي يونس ان » الابيات تصور حواراً بين طرفين وقد اختص كل واحد من هما بأحد الوزنين . فالانتقال من وزن الى وزن مصحوب بانتقال معنوي « [88> .

ويبدو ان التطور الحاصل في الشعر دفع الشعراء لاأسباب دلالية وجمالي’ وفني’ المزج بين الأوزان الشعرية في قصيدة واحدة، وبخاصة في الجانب الدرامي في الشعر، إذ يرى علي عشري زايد ان الشاعر يستخدم » وزنين في قصيدة واحدة لتعبر عن الصراع بين حركتين نفسيتين مختلفتين كما في قصيدة » بور سعيد « للشاعر » بدر شاكر السياب « فتجربة القصيدة تقوم على الصراع بين حركتين نفسيتين : اعتزازه بصمود المدينة الباسلة وانتصارها وإحساسه بفداحة الثمن الذي بذلته، والتضحيات التي قدمتها « [89>

وإذا تجاوزنا التصورات النظرية المعيارية التي شغف بها الرواد والنقاد على السواء الى التحليل، يبدو أن الشاعر الحر لم تكن تعنيه تلك الأصول المعيارية كثيرا بدليل تمرده عليه، ومحاولته التجريب مهما كان نوعه، ولذلك حاولت نازك الملائكة رد الشعراء عن محاولات التجريب تلك، وتحولت الى خليل جديد تفرض على الشعراء قيودها، ويبدو ان الشاعر أخذ يتمرد على قوانين البحور والزحافات، يقول بلندالحيدري « خرجنا الى هذه التجربة بحيث تتحول الموسيقى في كل قصيدة الى موسيقى القصيدة الخاصة ،لا الى موسيقى البحر . ومن الخطأ أن نقول الآن أن شعراء الحداثة مالوا الى استخدام سبعة او ستة بحور فقط، في الحقيقة البحر الغي نهائيا، وهنا في هذه الحالة ملنا الى استخدام موسيقى القصيدة الذاتية، أي أن لكل قصيدة موسيقاها الخاصة » [90>



التدوير :

التدوير هو اتصال شطري البيت الشعري، وإذا أردنا أن نقرأ البيت الشعري دلاليا فإننا ندمج الشطرين معا، دون وقفة عند نهاية الصدر، وإذا أردنا قراءة البيت إيقاعيا فإننا نضطر أن نشق الكلمة التي تصل الشطرين شقين، قسم يقع في صدر البيت والآخر في عجزه . أما التدوير في الشعر الحر فله دلالة تبدو مختلفة عن طبيعة التدوير في نظام الشطرين ،وإن كنا لا نعدم أن نجد مثالا يتيما يماثل مفهوم التدوير بدلالته القديمة، ذلك أن تنشق فيه الكلمة الى شقين، قسم يقع في سطر شعري والآخر يقع في شطر شعري تال له، ولقد استشهدت به نازك الملائكة، وهو :

لأهتف قبل الرحيل

ترى يا صغار الرعاة يعود الرَّ

فيق البعيد

وفي ضوئه تقرر » أن التدوير يمتنع امتناعا تاما في الشعر الحر « [91>، ويتأتى امتناع التدوير عندها لأنها تنظر الى السطر الشعري من منظور لا يزال يحافظ على أغلب مقومات البيت الشعري، أي أنه يمثل وحدة مستقلة إيقاعا ودلالة ،ولذلك فهي تستدل بأن » شعر الشطر الواحد « سواء أكان قديما أم حديثا !! يستقل استقلالا تاما ولا يدوّر، كما أن شعر الشطر الواحد لا بد أن ينتهي بقافية، وان التدوير بهذه الصورة يلغي القافية التي لا تزال تحافظ على مفهوم لها يقترب من مفهومها القديم،، ولا يزال يحافظ بشكل صارم على جلجلة الإيقاع بشكله القديم [92> .

أما التدوير بمفهومه الحديث فإنه يعني » توزع جملة واحدة على أكثر من بيت، أي على أكثر من سطر واحد إذا انطلقنا من جهة الكتابة، وعلى أكثر من منظومة إيقاعية، إذا انطلقنا من جهة الوزن « [93>، أي التأكيد على الخصائص الزمانية والمكانية ،وهذا ما أكده حسب الشيخ جعفر في قوله » القبض على الزمان والمكان هو لعبة التدوير الشعري، الفبض عليهما وتهشيمهما أو المزج بينهما، أي أنك في الوقت نفسه في البؤرة الشعرية نفسها يمكنك أن تكون في العديد من الأزمنة والأمكنة المختلفة « [94>

ويميل الى التدوير أغلب النقاد، إذ يعده محمد النويهي » وسيلة من وسائل الشعر الجديد للتخلص من حدة الإيقاع القديم « [95> ويطلق عليه عز الدين إسماعيل مصطلح الجملة الشعرية، وهي » بنية موسيقية أكبر من السطر وإن ظلت محتفظة بكل خصائصه، فالجملة تشغل أكثر من سطر وقد تمتد أحيانا الى خمسة أسطر أو أكثر « [96> . ويرى إن السطر الشعري على الرغم من ارتباطه موسيقيا بباقي الجزئيات فإنه يمثل » بنية موسيقية تشغل من حيث الحيز سطرا من القصيدة يصل امتداده الزمني في بعض الأحيان وفي أقصى الحالات الى تسع تفعيلات « [97>، فهو يكرر بعض قواعد نازك الملائكة بشكل أقل حدة وصرامة، ويرى في الوقت نفسه أن التدوير ـ الجملة الشعرية ـ تفرضها مبررات إبداعية نفسية، ويحيل ذلك الى التجربة الشعورية، ولذلك فالشاعر » لا يكفيه السطر الشعري وإن امتد زمنيا إلى تسع تفعيلات ... لأن يمزق هذه الدفقة الشعورية الممتدة ويقسمها موسيقيا على عدة أبيات، أي عدة وحدات موسيقية، ينفصل بعضها عن بعض ويستقل . ومعنى هذا أن الدفقة الشعورية الممتدة لا تظفر من الشاعر ببنية موسيقية موحدة وموازية ومساوية لهذه الدفقة « [98> .

إن الأساس الجمالي الذي يصدر عنه عز الدين إسماعيل سواء أكان في التجديد في الإيقاع الجديد أو في التدوير ـ الجملة الشعرية ـ يرجع الى ضرورة المطابقة بين » الشعور وصورة التعبير «، فإن كانت الدفقة قصيرة اقتضت سطرا شعريا قصيرا، وإن كانت طويلة امتدت لجملة شعرية، تنقسم الى عدة اسطر شعرية . غير أن عز الدين إسماعيل لا يزال يغترف من مؤثرات تراثية مرة، ويكرر بعض أفكار نازك الملائكة مرة أخرى، فهو يؤكد أن » السطر الشعري مهما امتد فإن له طولا » معقولا « لا يستطيع أ ن يتجاوزه « [99>، إن هذا الطول المحدد و » معقوليته « تؤكدان الضوابط القديمة التي لا تزال تتبدى من ثنايا تفكيره .

وتبقى هناك مشكلة لا بد من إيجاد حل لها تلك التي تتصل بقراءة الجملة الشعرية مرة واحدة، وذلك أمر مستعص من الناحية البيولوجية، أي أن القاريء لا بد أن يتوقف عند نهاية السطر أو داخل السطور، ويحيلنا عز الدين إسماعيل الى مجهول، لأن هذا التوقف » ليس له قاعدة ولا يمكن أن تكون له قاعدة، وإنما هي مسألة جمالية صرف« [100>، وكأن القضايا الجمالية ـ لدى الناقد ـ لا ضوابط لها ولا قواعد .

ومن الجدير بالذكر أن أحمد المعداوي يتلقف مصطلح الجملة الشعرية ولكنه يقسمه الى ثلاثة أنماط تعتمد المعيار الكمي، وهو معيار سطحي، وليس معيارا فنيا، فالجملة الشعرية القصيرة » تبدأ من ثلاث عشرة تفعيلة لتصل الى حدود الست عشرة تفعيلة، وما زاد على ذلك يعتبر جملة شعرية طويلة، شريطة أن تتكرر هذه الأخيرة عددا من المرات في القصيدة الواحدة او تتناوب عليها الأسطر والجمل الشعرية القصيرة « [101>، وهناك جملة استغراقية » وهي الجملة التي تستغرق القصيدة كلها إيقاعيا، فلا ينقي ثمة مجال لمساهمة أي من السطر الشعري ولا الجملتين القصيرة والطويلة « [102> .





--------------------------------------------------------------------------------

[1> ـ محمد مندور، الأدب وفنونه، معهد الدراسات العربية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1963 م ص 29 .

[2> ـ محمد العياشي، نظرية إيقاع الشعر العربي، ص 63 .

[3> ـ محمد مندور، الأدب وفنونه، ص 37 .

[4> ـ محمد العياشي، نظرية إيقاع الشعر العربي، ص 68 .

[5> ـ نفسه، ص 68 ـ 69 .

[6> ـ علي يونس، نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة
الطبعة الثالثة، 1993 .، ص 18 ـ 19 .

[7> ـ يوري لوتمان، تحليل النص الأدبي ،ترجمة محمد أحمد فتوح، دار المعارف، مصر، 1995 ،ص 2 .

[8> ـ محمد العياشي، نظرية ايقاع الشعر العربي، ص77 .

[9> ـ علي يونس، نظرة جديدة، ص26.

[10> ـ نفسه، ص6.

[11> ـ شكري عياد، موسيقى الشعر العربي، دار المعرفة، القاهرة، 1968 .، ص15 .

[12> ـ ادونيس، قصيدة النثر، مجلة شعر، ربيع 1960، ص75 .

[13> ـ نفسه .

[14> ـ ادونيس، النص القرآني وآفاق الكتابة، دار الآداب، بيروت، 1993، ص 113.

[15> ـ ينظر بالتفصيل علي يونس، نظرة جديدة، ص102.

[16> ـ عبد الله الطيب المجذوب، المرشد الى فهم أشعار العرب وصناعتها، د . ت، 1/87 .

[17> ـ نفسه، 1/ 90 .

[18> ـ نفسه 1/ 77 .

[19> ـ نفسه1/ 83 .

[20> ـ نفسه 1/140 .

[21> ـ نفسه1/188، وينظر شكري عياد، موسيقى الشعر العربي، ص18 ـ 19 .

[22> ـ نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت، 1983 م .، ص 7 .

[23> ـ نفسه، ص 52 .

[24> ـ نفسه، ص 64 .

[25> ـ نفسه، ص 42.

[26> ـ نفسه، ص 59 .

[27> ـ نفسه، ص 42 .

[28> ـ نفسه، ص 42 .

[29> ـ نفسه، ص 60 .

[30> ـ نفسه، ص 60 .

[31> ـ ينظر : نفسه، ص 50 .

[32> ـ نفسه، ص 60 .

[33> ـ نفسه، ص 63 .

[34> ـ عبد العزيز المقالح، الشعر بين الرؤيا والتشكيل، دار العودة بيروت، 1981 . ،ص 42‏

[35> ـ محمدالنويهي، قضية الشعر الجديد،، معهد الدراسات العربية، المطبعة العالمية، القاهرة 1964م ص 95 .

[36> ـ نفسه، ص 33 .

[37> ـ نفسه، ص 87 ـ 88 .

[38> ـ عز الدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967 م، ص 54 .

[39> ـ نفسه .

[40> ـ نفسه .

[41> ـ محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، ص 22 .

[42> ـ نفسه، ص 100، وينظر 102 و 231 و232 وغيرها .

[43> ـ نفسه، ص 244 .

[44> ـ ينظر نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص 59 ومحمد النويهي، قضية الشعر الجديد ص 95 وعز الدين اسماعيل، قضايا الشعر المعاصر، ص 56 .

[45> ـ عز الدين اسماعيل، قضايا الشعر المعاصر ،ص 56 .وتتكرر هذه الأفكار لدى نقاد آخرين، إذ يؤكد أدونيس أن (( الذهنية العربية تميز بين الأنواع وترغب في أن يظل النظام الهندسي سائدا في الشعر والفن عامة )) أدونيس، قصيدة النثر، مجلة شعر، ص 76 . وينظر : محي الدين اللاذقاني، القصيدة الحرة، مجلة فصول العدد الأول صيف 1997.

[46> ـ عز الدين اسماعيل، قضايا الشعر المعاصر، ص 63 ـ 64 .

[47> ـ نفسه، ص 64 .

[48> ـ نازك الملائكة ،قضايا الشعر المعاصر، ص 69 .

[49> ـ نفسه، 64 .

[50> ـ عز الدين اسماعيل ،الشعر العربي المعاصر، ص 65 .

[51> ـ نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص 42 .

[52> ـ نفسه، ص 10 .

[53> ـ محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، ص 100 .

[54> ـ عز الدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر، ص 66 .

[55> ـ نفسه، ص 66 .

[56> ـ نازك الملائكة، قضايا الشعر العربي المعاصر، 60 .

[57> ـ محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، 104 .

[58> ـ نفسه، 107 .

[59> ـ عز الدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر ،ص 67 .

[60> ـ حسن توفيق، اتجاهات الشعر الحر، ص 27 .

[61> ـ التشديد من الكاتب .

[62> ـ محمد بنيس، حداثة السؤال، ص 24 .

[63> ـ نفسه. ولا يختلف عبد العزيز المقالح عنهم إذ يقول : يقول عبد العزيز المقالح : )) التشكيل الموسيقي ـ إذن إيقاع وزني، أو وحدات موسيقية صوتية تخضع لاختيار الشاعر نفسه، وهو بدوره يضعها ـ ما يشاء ـ في الاطار النفسي أو اشعوري الذي يجد نفسه خاضعا له أثناء الكتابة اشعرية . وليس هناك بالضرورة وزن حزين ووزن مبهج، وإنما هناك لحظة شعرية تعبر عن الحالة الشعورية للشاعر، وهذه اللحظة هي التي تتحكم في الأوزان وفي حركة التشكيل الموسيقي، موقعة ما تشاء من الألحان الحزينة أو السارة (( ينظر : عبد العزيز المقالح ،الشعر بين الرؤيا والتشكيل، ص 116 .

[64> ـ نفسه، ص 28 .

[65> ـ نفسه .

[66> ـ نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص 74 .

[67> ـ نفسه، ص 69.

[68> ـ نفسه، ص 79 .

[69> ـ نفسه، ص86 .

[70> ـ عبد الرضا علي، العروض والقافية، ص 109، وانظر ديوان السياب مج 1 : 186، 248 .

[71> ـ عبد الرضا علي، العروض والقافية، ص 110، انظر ديوان السياب مج 1 : 492، 660 ،707 .

[72> ـ نفسه، ص 117 وينظر ديوان السياب ،قصيدة (( ها .. ها .. هوه ))مج 1 ص 635 .

[73> ـ نفسه، ص 83 ـ 84 .

[74> ـ نفسه، ص 84 .

[75> ـ نفسه، ص 85 .

[76> ـ نفسه، ص 86 .

[77> ـ نفسه، ص 90 .

[78> ـ نفسه، ص 91 .

[79> ـ نفسه، ص 91 .

[80> ـ نفسه، ص 82 .

[81> ـ يوسف الخال، نحو شكل جديد لشعر عربي جديد، مجلة شعر ع31 ـ 32، 1964 ص122

[82> ـ محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، ص256 .

[83> ـ عز الدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر ص120 .

[84> ـ شكري عياد، موسيقى الشعر العربي، ص124 .

[85> ـ نازك الملائكه، قضايا الشعر المعاصر، ص81 .

[86> ـ نفسه، ص82

[87> ـ عز الدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر، ص102 .

[88> ـ علي يونس، النقد الادبي وقضايا الشكل الموسيقي في الشعر الجديد ص60 .

[89> ـ نفسه ص62 .

[90> ـ عبد العزيز المقالح ،الشعر بين الرؤيا والتشكيل، ص 41 .

[91> ـ نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص 116 .

[92> ـ ينظر :نفسه، ص 117 .

[93> ـ كمال خير بك، حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 275 .

[94> ـ حسب الشيخ جعفر، لقاء معه، جريدة : الفينيق، العدد 22 / 1997

[95> ـ محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، ص 275 .

[96> ـ عز الدين اسماعيل ،الشعر العربي المعاصر، ص 108 .

[97> ـ نفسه .

[98> ـ نفسه، ص 109 .

[99> ـ عز الدين اسماعيل ،الشعر العربي المعاصر، ص 109 .

[100> ـ نفسه، ص 110 .

[101> ـ أحمد المعداوي ،أزمة االحداثة، ص 58 .

[102> ـ نفسه، ص 59 .

البندري
12-27-2005, 07:47 PM
ثابت بن قره

هو ثابت بن قرّه وكنيته أبو الحسن، ولد في حرّان سنة 221 هـ، وامتهن الصيرفة، كما اعتنق مذهب الصائبة. نزح من حرّان إلى كفرتوما حيث التقى الخوارزمي الذي أعجب بعلم ثابت الواسع وذكائه النادر. وقد قدمه الخوارزمي إلى الخليفة المعتضد، وكان المعتضد يميل إلى أهل المواهب ويخص أصحابها بعطفه وعطاياه، ويعتبرهم من المقربين إليه. ويروى أنه أقطع ثابت بن قره، كما أقطع سواه من ذوي النبوغ، ضباعاً كثيرة. وقد توفي في بغداد سنة 288 هـ .

أحب ثابت العلم، لا طمعاً في كسب يجنيه ولا سعياً وراء شهرة تعليه، إنما أحبّه لأنه رأى في المعرفة مصدر سعادة كانت تتوق نفسه إليها. ولما كانت المعرفة غير محصورة في حقل من حقول النشاط الإنساني، ولما كانت حقول النشاط الإنساني منفتحة على بعضها بعضاً، فإن فضول ثابت بن قره حمله على ارتيادها كلها، ومضيفاً إلى تراث القدامى ثمار عبقريته الخلاقة.

مهّد ثابت بن قره لحساب التكامل ولحساب التفاضل. وفي مضمار علم الفلك يؤثر أنه لم يخطئ في حساب السنة النجمية إلا بنصف ثانية، كما يؤثر اكتشافه حركتين لنقطتي الاعتدال إحداهما مستقيمة والأخرى متقهقرة.

ولثابت أعمال جلية وابتكارات مهمة في الهندسة التحليلية التي تطبق الجبر على الهندسة، ويعزى إليه العثور على قاعدة تستخدم في إيجاد الأعداد المتحابة، كما يعزى إليه تقسيم الزاوية ثلاثة أقسام متساوية بطريقة تختلف عن الطرق المعروفة عند رياضيي اليونان.

وقد ظهرت عبقرية ثابت بن قره، فضلاً عن العلوم الرياضية والفلكية، في مجال العلوم الطبية أيضاً.

ترك ثابت بن قرّه عدة مؤلفات شملت علوم العصر، وذكرها كتاب عيون الأنباء، أشهرها: كتاب في المخروط المكافئ، كتاب في الشكل الملقب بالقطاع، كتاب في قطع الاسطوانة، كتاب في العمل بالكرة، كتاب في قطوع الاسطوانة وبسيطها، كتاب في مساحة الأشكال وسائر البسط والأشكال المجسمة، كتاب في المسائل الهندسية، كتاب في المربع، كتاب في أن الخطين المستقيمين إذا خرجا على أقلّ من زاويتين قائمتين التقيا، كتاب في تصحيح مسائل الجبر بالبراهين الهندسية، كتاب في الهيأة، كتاب في تركيب الأفلاك، كتاب المختصر في علم الهندسة، كتاب في تسهيل المجسطي، كتاب في الموسيقى، كتاب في المثلث القائم الزاوية، كتاب في حركة الفلك، كتاب في ما يظهر من القمر من آثار الكسوف وعلاماته، كتاب المدخل إلى إقليدس، كتاب المدخل إلى المنطق، كتاب في الأنواء، مقالة في حساب خسوف الشمس والقمر، كتاب في مختصر علم النجوم، كتاب للمولودين في سبعة أشهر، كتاب في أوجاع الكلى والمثاني، كتاب المدخل إلى علم العدد الذي ألفه نيقوماخوس الجاراسيني ونقله ثابت إلى العربية.

البتَّاني

هو ابن عبد الله محمد بن سنان بن جابر الحراني المعروف باسم البتاني، ولد في حران، وتوفي في العراق، وهو ينتمي إلى أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة. وهو من أعظم فلكيي العالم، إذ وضع في هذا الميدان نظريات مهمة، كما له نظريات في علمي الجبر وحساب المثلثات
اشتهر البتاني برصد الكواكب وأجرام السماء. وعلى الرغم من عدم توافر الآلات الدقيقة كالتي نستخدمها اليوم فقد تمكن من جمع أرصاد ما زالت محل إعجاب العلماء وتقديرهم
وقد ترك عدة مؤلفات في علوم الفلك، والجغرافيا. وله جداوله الفلكية المشهورة التي تعتبر من أصح الزيج التي وصلتنا من العصور الوسطى. وفي عام 1899 م طبع بمدينة روما كتاب الزيح الصابي للبتاني، بعد أن حققه كارلو نللينو عن النسخة المحفوظة بمكتبة الاسكوريال بإسبانيا. ويضم الكتاب أكثر من ستين موضوعاً أهمها: تقسيم دائرة الفلك وضرب الأجزاء بعضها في بعض وتجذيرها وقسمتها بعضها على بعض، معرفة أقدار أوتار أجزاء الدائرة، مقدار ميل فلك البروج عن فلك معدل النهار وتجزئة هذا الميل، معرفة أقدار ما يطلع من فلك معدل النهار، معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك، معرفة أوقات تحاويل السنين الكائنة عند عودة الشمس إلى الموضع الذي كانت فيه أصلاً، معرفة حركات سائر الكواكب بالرصد ورسم مواضع ما يحتاج إليه منها في الجداول في الطول والعرض
عرف البتاني قانون تناسب الجيوب، واستخدم معادلات المثلثات الكرية الأساسية. كما أدخل اصطلاح جيب التمام، واستخدم الخطوط المماسة للأقواس، واستعان بها في حساب الأرباع الشمسية، وأطلق عليها اسم (الظل الممدود) الذي يعرف باسم (خط التماس). وتمكن البتاني في إيجاد الحل الرياضي السليم لكثير من العمليات والمسائل التي حلها اليونانيون هندسياً من قبل، مثل تعيين قيم الزوايا بطرق جبرية
ومن أهم منجزاته الفلكية أنه أصلح قيم الاعتدالين الصيفي والشتوي، وعين قيمة ميل فلك البروج على فلك معدل النهار (أي ميل محور دوران الأرض حول نفسها على مستوى سبحها من حول الشمس). ووجد أنه يساوي 35َ 23ْ (23 درجة و 35 دقيقة)، والقيمة السليمة المعروفة اليوم هي 23 درجة
وقاس البتاني طول السنة الشمسية، وأخطأ في مقياسها بمقدار دقيقتين و 22 ثانية فقط. كما رصد حالات عديدة من كسوف الشمس وخسوف القمر

أبو بكر الرازي
( 864 _ 934 م )

هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي . المسمى : جالينوس العرب ولد في مدينة الري بفارس جنوبي طهران ، و عاش في بغداد . و يعد أعظم مفكرين الإسلام ، و درس الرياضيات و الطب و الفلسفة و الفلك و الكيمياء و المنطق و الأدب . و كان الرازي من أعظم الأطباء المسلمين في العصور الوسطى أي في القرن 17 . فقد عمل رئيسا لأطباء بيمارستان الري ، فرئيسا للبيمارستان العضدي ببغداد . ألف كثير من الرسائل في شتى الأمراض و أشهرها ( كتاب الجدري و الحصبة ) و كذلك ابتكر وسائل في العلاج و الجراحات باسمه . فقد كان من اكثر المؤلفين خصوبة و إنتاجا . كتب في كل فروع الطب المعروفة في ذلك العصر ، كما كان سباقا لارتياد ميادين جديدة ، كما ألف كتب طبية مطولة ، ترجم عدد منها إلى اللاتينية ، و استمرت حتى القرن 17 المراجع الأولى في علوم الطب .
و من أعظم و أشهر كتب الرازي هي : تاريخ الطب . و قد جمع فيه مقتطفات من مصنفات الإغريق و العرب ، و قد ترجمه إلى اللاتينية بصقلية الطبيب اليهودي فرج بن سالم ( 1279 م ) .

و قد بحث فيه أمراض الرأس و أوجاع العصب و التشنج ، كما عني فيه بأمراض العيون و الأنف و الأسنان . أما كتاب ( المنصوري ) فقد جعله الرازي في عشرة أقسام في أبواب الطب ، و في القسم الثامن تجارب أجراها على الحيوانات . لاختبار أساليب جديدة في العلاج و للكشف عن فاعليه بعض الأدوية ، و ذلك قبل أن يجربها على الإنسان . كما يضم هذا الكتاب وصفا دقيقا لتشريح أعضاء الجسم كله ، و قد ترجم كتاب ( المنصوري ) إلى اللاتينية و ظل الأطباء في أوروبا يعتمدون عليه حتى القرن 17 .

و في كتاب الرازي ( سر الأسرار ) يتحدث عن الكيمياء العملية و يقسم العناصر المعروفة لديه ، و التجارب التي أجراها بنفسه ، على وصف لأجهزة الكيميائية المستخدمة في بحوثه مثل القوارير و الأحواض و المرجل . و كان الرازي أول من أبتكر خيوط الجراحة ، و صنع مراهم الزئبق ، و أجرى بحوثا على حمض الزاج و الكحول ، و مقالات كثيرة انشرها بول كراوس بعنوان ( رسائل الرازي الفلسفية ) ضمنها كتاب ( الطب الروحاني) ، و كتاب ( السيرة الفلسفية ) و ( مقالة في ما بعد الطبيعة)، و مقالة في إمارات الإقبال و الدولة)، و مقالات أخرى ( في اللذة و العلم الإلهي و القدماء الخمسة ) ، و ( مناظرات بين أبي حاتم الرازي و أبي بكر الرازي ) . كما كانت للرازي مؤلفات في الصيدلة ، مما كان له أثر كبير في تقدم علم العقاقير . و تميزت كتابات الرازي بالدقة و الوضوح و الأمانة العلمية .

فأثر الحكمة على التجارب الفردية ، و آثر هذه التجارب على الاستدلالات المنطقية التي لا تقوم على التجربة . و عنده أن الله ، و النفس الكلية و الهيولي الأولى ، و المكان ، و الزمان ، هي المبادئ القديمة الخمسة التي لابد منها لوجود العالم . أن غاية السيرة الفلسفية هي أن يتشبه صاحبها بالخالق . أنكر الإسراف في الزهد، ولم يذم الانفعالات الإنسانية ، و إنما ذم الاستسلام لها . أنكر على المعتزلة إدخال البراهين العقلية في العقائد كما نقد الأديان ، و أنكر إمكان التوفيق بين الفلسفة و الدين . له رسالتان : أحدهما في الأديان ، و الأخرى في مخاريق الأنبياء .
و يظهر فضل الرازي في الكيمياء بصورة واضحة جلية ، عندما عمد إلى تقسيم المواد المعروفة في عصره إلى أربعة أقسام هي :

1_ المواد المعدنية .
2_المواد النباتية .
3_ المواد الحيوانية .
4_ المواد المشتقة .

و قد مجد العقل و مدحه . و تحدث عن ذلك طويلا في كتابه ( الطب الروحاني ) ، فقد اعتبر العقل اعظم نعم الله ، و ارفعها قدرا ، إذ به ندرك ما حولنا . و بالعقل استطاع الإنسان إن يسخر الطبيعة لمنفعته . وبه يتميز الإنسان على سائر الحيوانات . و من أقواله عن العقل :
(( أن لا نجعله و هو الحاكم محكوما عليه ، ولا هو الزمان مزموماً ، ولا هو المتبوع تابعا ، بل نرجع في الأمور إليه ، و نعتبرها به ، و نعتمد فيها عليه . ولا نسلط عليه الهوى الذي هو أفته و مكدرة ، و الحائد به عن سننه و حجته ، و قصده و استقامته .. بل نروضه ، و نذلله ، و نحوله ، و نجبره عن الوقوف عند أمره ونهيه.. )) . و ينسب الرازي الشفاء إلى آثار التفاعلات الكيميائية في أجسام المرضى ..



ابن الهيثم
(965-1039م )

هو أبو علي محمد بن الحسن ، عالم عربي عظيم في الطبيعة والبصريات والرياضيات .يعد ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة .وتقوم شهرته خاصة على جهوده في علم الضوء والبصريات ، ويعتبر من علماء البصريات القلائل في العالم كله .

ولابن الهيثم تشريح للعين ورسم دقيق لطبقاتها . وقد اكتشف ابن الهيثم خلافاً لما جاء في كتب من سبقه من الإغريق أن النظر لا يأتي بسبب خروج شعاع من العين يصطدم بالجسم المرئي ، بل أن شكل الجسم المرئي يمر بالعين ويحول بمادتها الشفافة ( أي عدستها ) فيتم رؤيته .
وقد اعتمد روجر بيكون وأغب الكتاب الغربيين في القرون الوسطى في كتاباتهم على البصريات على كتاب ابن الهيثم البصريات الذي قد درس فيه خواص الضوء وكيفية الإبصار ومنافع الآلات البصرية .

وقد توصل ابن الهيثم تقريباً إلى الاكتشاف النظري للعدسات المكبرة والتي لم تتم إلا بعد ذلك بثلاثة قرون في إيطاليا . كما مرت ست قرون قبل أن يثبت سنل وديكارت قانون جيب الزاوية .
معظم كتاباته رسائل أو مقالات قصار ، بعضها شروح على كتب المتقدمين أو تلخيصاً لها. شملت كتب ابن الهيثم موضوعات كثيرة متنوعة ، منها : الحساب ، الحساب الهندي
( الترقيم ) ، الجبر والمقابلة ، الهندسة ، والمثلثات وحساب المعاملات والجوانب العملية من الحساب والهندسة والجبر . وله كتب في الفلك والجغرافيا والطب والصيدلة .


أبو الفضل الحارثي (1)

نبذة:

هو مؤيد الدين أبو الفضل بن عبد الكريم بن عبد الرحمن الحارثي، اشتهر بالطب والرياضيات والهندسة والفلك، ولد بدمشق سنة 529 هجرية وتوفي سنة 599 هجرية.

سيرته:

هو مؤيد الدين أبو الفضل بن عبد الكريم بن عبد الرحمن الحارثي، طبيب، رياضي، مهندس، أديب ونحوي وشاعر. ولد في دمشق سنة 529 هـ وتوفي سنة 599 هـ. كان في أول أمره نجاراً ثم تعلم هندسة إقليدس ليزداد تعمقاً في صناعة النجارة. واشتغل بعلم الهيئة وعمل الأزياج، ثم درس الطب، كما أتقن عمل الساعات. وله كتب ورسائل في الطب والفلك وغيرها، منها (كتاب في معرفة رمز التقويم)، (كتاب في الأدوية).

البندري
12-27-2005, 07:49 PM
عنوان الوحدة :

الجملة الفعلية :
{ترتيب الفعل والفاعل والمفعول به – الفعل والنائب عن الفاعل }

الأهداف السلوكية للوحدة:
1- أن يذكر الطالب أركان الجملة الفعلية وهي : الفعل ـ الفاعل – (أو النائب عن الفاعل ) – المفعول به .
2- أن يعرف الطالب أن الأصل في ترتيب الجملة الفعلية . هو تقديم الفعل واتباعه بالفاعل أو نائبه ثم المفعول به إذا وجد .
3- أن يتعرف الطالب على الحالات التي يجوز فيها تقديم المفعول به على الفاعل . وتلك التي يجب فيها تقديم الفاعل على المفعول به .
4- أن ينشي الطالب جملا تكون تطبيقا على القواعد المحددة لهذه الوحدة .
5- أن يتدرب الطالب على استعمالات لغوية مختلفة من مرادفات وأضداد وغيرها.
6- أن يتعرض الطالب لعدد من المفاهيم والقيم والاتجاهات الإيجابية الواردة في النص بغية التأثر بها واحتذائها .

المحتوى
الأول : النظري:-

- ترتيب الفعل والفاعل والمفعول به .
- ترتيب الفعل والنائب عن الفاعل.



ثانيا : العملي
1- أن يكتب الطالب تقرير عن أركان الجملة الفعلية بضرب أمثلة وتحرير المواقع الأعرابية.
2- قيام الطالب بكتابة أمثلة عند تقديم المفعول به على الفاعل .
3- قيام الطالب بكتابة الحالات التي لا بد أن يتقدم الفاعل على المفعول موضحاً ذلك بالأمثلة.
4- قيام الطالب بكتابة الحالات التي يجوز فيها أن يتقدم المفعول به على ، الفعل ، والفاعل معاً موضحا ذلك بالأمثلة .

الطرق والأساليب :-
1- طريقة المناقشة .
2- الطريقة الاستنباطية .
3- الطريقة القياسية
4- طريقة حل المشكلات .
الوسائل التعليمية:-
1- الألواح الورقية.
2- كتب التطبيقات النحوية.
3- الشفافيات .
4- الكتاب المدرسي والسبورة.



أساليب التقويم:-
أولاً : الأسئلة المقالية مثل :-
1- ما أركان الجملة الفعلية المبنية للمعلوم ؟
2- ما أركان الجملة الفعلية المبنية للمجهول ؟
3- كيف تبني الفعل للمجهول ؟
4- متى يكون لابد من تقدم الفاعل على المفعول به؟
5- متى يجوز أن يتقدم المفعول به على الفاعل ؟
6- متى يجوز أن يتقدم المفعول به على الفعل والفاعل معاً ؟

ثانيا : الأسئلة الموضوعية:
1- أكمل الفراغ .
2- أختار من متعدد.
3- زاوج بين المجموعتين ( أ ) ، ( ب) .
4- ضع علامة ( / ) أمام العبارة الصحيحة وعلامة ( × ) أمام العبارة الخاطئة .
5- ضع دائرة حول الإجابة الصحيحة.

أمثلة :
1- اكمل الفراغ بكلمة صحيحة .
- يتقدم الفعل .....................على نائب الفاعل في الجملة الفعلية .
- تبدأ الجملة الفعلية بـ ..................بينما تبدأ الجملة الاسمية بـ ................0
- يجوز أن يتقدم المفعول به على الفاعل فقط ، إذا تميز كل من الفاعل والمفعول به بقرينة من ...............، أو..................،أو......................0

تخير الإجابة الصحيحة .
كلمة الاتفاق في قولة ليبن الإيوان كيفما أتفق - معناها - .
- ضد الاختلاف .
- المصادفة .
- المعاهدة .

ما الفرق في المعنى بين كل جملتين متقابلتين :-
استنفر خالداً طارقٌ أستنفر طارقاً خالدٌ
أعان موسى عيسى أعان عيسى موسى
زار محمد مصطفى. زار مصطفى محمدٌ

- أختر لكل فعل في العمود الأول نائب الفاعل المناسب من العمود الثاني وأشكل آخره .
رمضان يصحح
الخطأ يغلب
المفتدى يصام

- ضع علامة ( / ) أمام العبارة الصحيحة وعلامة ( × ) أمام العبارة الخاطئة .
- الفعل المبني للمجهول يحتاج إلى فاعل ( )
- إذا تقدم الفاعل على المفعول به لابد أن تكون قرينة الإعراب أو المعنى موجودة في الجملة الفعلية ( )
- لا يجوز تقدم المفعول به على الفعل والفاعل معا إذا تميز المفعول به بقرينة من الإعراب ، أو المعنى ، أو بهما جميعا ( ).
- أركان الجملة الفعلية هي الفعل والفاعل والمفعول به ( )
الأنشطة المنزلية :
1- أن يحل التمارين الموجودة عن الوحدة في الكتاب المدرسي.
2- أعرب ما يأتي قال تعالى : ' ولقد جاء آل فروعون النذر '







المراجع :
1- التطبيق النحوي عبده الراجحي.
2- النحو الوافي عباس حسن
3- منحة الوهاب في قواعد الأعراب محمد المالكي .
4- قطر الندى وبل الصدى لأبن هشام.

البندري
12-27-2005, 07:51 PM
نظرية داروين في الشعر
الشعر العربي هو الخالد على مر العصور ، له جذوره العميقة الممتدة في وجدان الأمة العربية ، فيه عبق الماضي ، وروعة الحاضر ، وآمال المستقبل ، وذكريات التاريخ الفواحة بالمجد والأصالة والرقي. كان وما يزال رمز ثقافتنا وحضارتنا وربما رمز وجودنا. فالشعر هو خلاصة الفكر في خلاصةالشعور .
والشعر هو من حفظ لنا اللغة العربية الجميلة ونقلها لنا كاملة غير منقوصة. والشعر هو الذي نقل لنا الكثير من تراث الأجداد وعاداتهم وتقاليدهم لنحافظ بذلك على الشخصية العربية والوجود العربي وسط عالم تتساقط فيه القيم والعادات والثقافات . من أجل ذلك كان الإهتمام بالشعر دائماً والشعراء ليبقى الوجه العربي المشرق نقياً غير مخلوط بثقافات وآداب دخيلة وليكون صوتنا القوي الواضح فوق كل أدب ، وفوق كل صخب.
أما اليوم فأقول هنيئـاً للأدب العربي ، وهنيئاً للتراث العربي ، فلقد تطور الشعر نعم، لقد تطور الشعر في عصرنا الحاضر كثيراً جداً وارتقى ليواكب التطور والحداثة ..... فأصبح له شكل عصري حديث ومضمون عصري جديد . وها هو الشعر الحديث بكل مسمياته قد ملأ السمع والبصر ، ووصل إلى أعلى الآفاق ، وانطلق بسرعة الصاروخ ـ ونحن في عصر الصواريخ ـ إلى المرتبة الأولى في الاهتمام والعناية من خلال الندوات الشعرية المتوالية والمقالات النقدية المتفانية التي تصبغه بألوان زاهية براقة تزيغ البصر ، وانتشر بشكل أصبح الشعراء فيه أكثر من القراء . كيف لا والشاعر الحديث لا يحتاج إلى أكثر من قلم حبر جاف وقصاصة ورق ، وخيال جامح لا يقيده التزام ولا تكبحه تقاليد ولا تصقله موهبة ولا يمنعه حياء.
ونعود لقضية تطور الشعر في الشكل والمضمون ليذكرنا كثيراً بنظرية التطور والارتقاء المشهورة بنظرية دارون . تلك النظرية التي تتناول قضية تطور الحياة والكائنات الحية لتقول إن أصل الحياة تطور من كائنات بدائية أولية جيلاً بعد جيل حتى وصل إلى قمة التطور في الإنسان ، وهذا يعني أن الإنسان ربما كان أول ما كان خلية أميبية تحولت بعدها إلى طحلبة سرخسية ثم إلى كائنات برمائية ثم إلى خنفسة رملية ثم إلى سحلية ثم إلى دجاجة غير مشوية ثم إلى ماعز جبلية ثم إلى قردة ذكية حتى أصبحت إنساناً ذا طلعة بهية.
وفي هذا المقام نرسل السلام إلى جدنا الأول الأميبا مروراً حتى جدنا المباشر القرد وأسألهم جميعاً : لماذا أنتم موجودون حتى الآن ؟!! ولماذا لم تتطوروا بعد ؟!! . سؤال بسيط يكشف سخافة هذه النظرية وسخافة من يؤمن بها متأثرين بثقافة غربية انبهارا ، ومستعبدين فكرياً اختيارا.
إن التطور موجود أصلاً وضروري لاستمرار الحياة ، لا ينكر ذلك إلا أحمق . ولكن ماهو التطور المطلوب ؟ هل هو تطور الشكل أم تطور المضمون ؟! وهل فعلاً تطور الإنسان ؟! هل كان يوماً قرداً أوسحلية ؟! وهل كان حين كان كذلك إنسانا ؟! بمعنى هل كان الإنسان في طور القرد يسمى قرداً أم إنسانا ؟!! وكيف نستطيع أن نميز بين التمساح والعصفور ؟ أو بين الكلب والذئب ؟ أو حتى بين كلبين مختلفين ؟وكيف نميز بين أحمد وعبد الرحمن أو بين خالد وسعيد ؟ . أليس هو الشكل ؟!! نعم ، إنه الشكل الذي يعطي كل شيء في هذا الوجود اسمه وطبعه ووظيفته . ولقد عرف الإنسان إنساناً بشكله ، والحيوان حيواناً بشكله ، وإذا تغير الشكل تغير الاسم وتغير معه الطبع وربما حتى الوظيفة.
ونعود مرة ثالثة إلى تطور الشعر لنقول لكل أولئك الذين يطبقون نظرية دارون الفاشلة على الشعر: إنكم مخطئون . لقد عرف الشعر على مر الأجيال بشكله المتميز الخاص من ألوان الأدب العربي فالشعر العربي كان وما يزال هو ذلك الكلام الموزون المقفى في أبيات مختلفة بفكرٍ وعاطفةٍ وموسيقى رائعة، ينعش سمعه ويسهل حفظه لتتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل . وحين نغير شكل الشعر فلابد أن نغير اسمه ، تماماً كأن نغير شكل مائدة خشبية إلى كرسي خشبي إذ لا يمكن للمائدة إذاك أن تحتفظ باسمها ولا بوظيفتها برغم أن كلا الشكلين من مادة واحدة هي الخشب .
وأسأل كل أولئك الذين يلصقون أنفسهم بالشعر ويسمون أنفسهم شعراء من الذين يكتبون ألواناً مختلفة من ألوان الأدب العربي والشعبي لماذا كل هذا ؟؟!!!! ولماذا لاتسمون كل لون باسمه ؟! فالشعر شعراً والنثر نثراً والزجل زجلاً . وما يسمى بالشعر الحر ليس شعراً بل نثر مسجوع كتبه الكثير من الأدباء في عصور سابقة واسألوا مقامات الحريري . ونحن لسنا ضد ماتكتبون فعندكم في ذلك إبداع في أحيان كثيرة ،إنما نحن ضد التسمية . سموه ماشئتم .. مقامات .. خواطر .. أي شيء إلا شعرا لا حديثاً ولا جديداً .... ولا حرا ً ولا مستعبداً . سموه ماشئتم ودعوا الشعر للشعراء لتسمع وتبدع ، وتنظم وتخضع.
إن التطور الذي تتحدثون عنه وتحتمون خلف ستارته إنما يجب أن يكون في المضمون بأفكار جديدة ومواضيع حديثة بل وربما ألفاظ عصرية جديدة حسب ما يمليه العصر لكن في إطار وشكل الشعر المعروف ،أو ربما تطوير الشعر ببحورٍ جديدة إن استطعتم إلى ذلك سبيلا ، لا تطوير الشعر بمسخ شكله فلا هو شعر ولا هو نثر ، ولن يجديكم نفعاً الغموض المربك أو الرمزية الغريبة أو الإلقاء الهامس أو الصاخب فلن يستطيع أن يجعل ما تكتبون شعراً . ومن استطاع منكم الشعر فليكتب وله وافر التبجيل والتقدير ،ومن لا يستطعه فرحمـةً بنفسه وأنفسنا ورحمـةً بالشعر وبالذوق الأدبي العربي وبتراث القرون الطويلة .
وأخيراً أتوجه إلى الشعراء و النقاد والمسئولين والمثقفين وجمهور القراء بدعوة حارة مخلصة بأن يحبّوا الشعر الأصيل ويحفظوا له مكانته ويعيدوا إليه دوره الرائد والمهم في لنهوض بهذه بالأمة ، وأن يحاربوا محاولات مسخه وهذا السرطان الذي يلتهم جسده وذلك التطور الذي يجرده من جماله ورونقه ، لأنه لا شعر إلا الشعر الذي عاش وسيعيش بشكله ولونه وروعته على مر الأجيال .

البندري
12-27-2005, 07:54 PM
الجملة الاسمية و ركناهاأحوال المبتدأ (1)


أحوال المبتدأالأصل في المبتدأ أن يكون اسما مَعْرِفَةً – معروفا – مرفوعا مثل : اللهُ كريمٌوالمبتدأ لا يكون إلا كلمة واحدة – ليس جملة ولا شبه جملة ـ ويكون مرفوعا أو في محل رفع .مثل : المطرُ غزيرٌ ، هما موافقان ومثل : أنتِ جادةٌ ، ونحنُ مرهقون المطرُ غزيرٌ المطر : مبتدأ مرفوع علامته الضمة غزير : خبر مرفوع علامته تنوين الضم هما موافقان هما : ضمير مبني على السكون في محل رفع مبتدأموافقان : خبر مرفوع علامته الألف لأنه مثنى أنت جادةٌأنت : ضميرمبني على الكسر ، في محل رفع مبتدأجادة : خبر مرفوع ، علامته تنوين الضم نحنُ مرهقون نحن : ضمير مبني على الضم في محل رفع مبتدأمرهقون : خبر مرفوع علامته الواو لأنه جمع مذكر سالم المبتدأ مرفوع دائما وقد يجر بحرف جر زائد مثل من) : ما عندي من أحد = ما عندي أحدٌ .ما عندي من أحدما : حرف نفي مبني على السكون عند : ظرف زمان منصوب بفتحة مقدرة على آخره – وهو مضاف ي : في محل جر بالإضافة – شبه الجملة الظرفية في محل رفع خبر من : حرف جر زائد أحد : اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على انه مبتدأالباء: بحسبِكَ دراهمُ = حسبُكَ دراهمُ . (حسبُكَ : كافيك) بحسبِكَ دراهمُ ب : حرف جر زائد حسب : اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على انه مبتدأ – وهو مضاف ك : في محل جر بالإضافة دراهم : خبر مرفوع علامته الضمة(رب) : رُبَّ مُتَهَمٍ بريءٌ = المتهمُ بريءٌ رُبَّ مُتَهَمٍ بريءٌ رب : حرف جر زائد متهم : اسم مجرور لفظا مرفوع محلا ، مبتدأبريء : خبر مرفوع

البندري
12-27-2005, 07:56 PM
تنمية الأدب كمدخل لتعليم اللغة العربية


مقدمــــة:
يمكن فى منطق البدائيين السيطرة على الجوانب التى تخلفت أدوات العمل الفعلية عن السيطرة عليها بإغراء الطبيعة أو باسترضائها أو بخداعها أو بتقليدها أو بغير ذلك مما عرفته الطقوس السحرية. فالرغبة التى تحققت للبدائى إنما حققها العمل، والرغبة التى لم تتحقق يمكن تحقيقها بعمل آخر هو- طبقا للمثال الذهنى فى القدرة على السيطرة- أن (يرقص) الإنسان هذه الرغبة أو يمثلها، أو يصورها، أو يغنيها أو يشكلها. فاعتقد أنه إذا رقصها أو مثلها….إلخ تحققت فعلا؛ لهذا كان فن البدائى عملا، فلم يكن هذا البدائى يعمد إلى إبداع فن، بل كان يعمد إلى إنجاز هدف عملى.
لقد كانت أغنيات البدائيين (نداءات عمل) وكان إيقاعهم (تنظيما) لحركات الأداء العملى (36: 29-37)(*)
وترى 'دانال.فوكس Danal . Fox' أن البدائى لم يتصور عالمه الطبيعى جامدا صامتا، بل تصوره حيا مدركا، وبثت النظرة الأسطورية فى الطبيعة (إنسانية) تعى، وتفعل، وتؤثر. ويتبدى سحر الكلمة وقوة تأثيرها فى الفهم الأسطورى للعالم عند البدائيين، فلم تكن الكلمة فى ذلك الفهم أداة صياغة لذلك العالم فحسب، بل كانت تمكن من السيطرة عليه والتحكم والتأثير فيه، لقد كانت الكلمة تعاويذ ورقى: تشفى من مرض، وتحمى من ضرر، تجلب سعدا، وتبطل نحسا، تنصر حليفا، وتهزم عدوا، تنزل مطرا وتوقف سيلا….إلخ ( 63: 1-20) ، (75: 497).
فالفن صياغة للعلاقة بين الإنسان وواقعه، وكما أن الواقع متغير أبدا فإن 'نموذجه' فى الفن متغير كذلك، والذى يحكم التغير فى هذا وذاك مدى ما وصل إليه البشر فى صلتهم العملية بعالمهم الطبيعى، وطبيعـة علاقاتهم فى نظامهم الاجتماعى وقد قطعت البشرية شوطا هائلا فى تطوير أدوات الإنتاج منذ انهيار المجتمع البدائى حتى العصر الحديث- أى منذ الألف الرابع قبل الميلاد تقريبا إلى هذا القرن الواحد والعشرين- الذى يشهد الثـورة العلمية التكنولوجية، وخلال تلك الفترة من السنين تغيرت علاقات الإنتاج الاجتماعية، فشهد التاريخ الإنسانى ثلاث صور لهذه العلاقات: العلاقات العبودية، والعلاقات الاقطاعية، والعلاقات الرأسمالية فى ثلاثة أنماط من الأنظمة الاجتماعية: النظام العبودى، والنظام الإقطاعى، والنظام الرأسمالى، والأساس فى هذه العلاقات الإنتاجية والأنظمة الإجتماعية الثلاثة هو الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج وهذه الأنظمة الطبقية الثلاثة- على الرغم من نهوض كل منها فى أول نشأته بدور تقدمى تاريخى- هى مراحل الاستغلال فى تاريخ الإنسانية، وفى قلب كل نظام منها قوانين الاستغلال الخاصة به، وتحقق هذه القوانين الحرية للطبقة التى تملك أدوات الإنتاج (حرية طبقة السادة فى المجتمع العبودى، وطبقة مالكى الأرض فى المجتمع الإقطاعى، والطبقة البرجوازية فى المجتمع الرأسمالى). وتحقق القهر للطبقة التى تنتج (قهر العبيد فى المجتمع العبودى والفلاحين فى المجتمع الإقطاعى، والعمال فى المجتمع الرأسمالى). (23: 31-36)
ويمكن القول إن الإنسان البدائى فى اغترابه عن الطبيعة كان يتوسل بالفن لتوكيد طبيعته الإنسانية ووجوده الإجتماعى، وفى المجتمع الطبقى توسل الإنسان فى اغترابه عن المجتمع بالفن؛ ليكشف جذور اغترابه فى العلاقات الاجتماعية، وليؤكد شوقه إلى نفى هذا الاغتراب (40: 9).
فقد وجدت فى الفكر الإنسانى- منذ المجتمع العبودى –اشارات إلى تناقض الملكية الخاصة مع الجوهر الإنسانى، لكن تلك الإشارات- بانفصالها عن الواقع التجريبى وما يتصل به من علاقات اجتماعية- ساهمت فى تأسيس (مجتمعات يوتوبية متخيلة) وفى إقامة (مدن فاضلة) و (جزر سعيدة) ينعم فيها البشر بالرخاء والعدالة، فقد نشط مفكرو البرجوازية فى فترة ميلاد الرأسمالية لإقامة مثل هذه المجتمعات والمدن والجزر، وكان مثلهم الذى احتذوه (المدينة الفاضلة) التى صاغها فكر 'أفلاطون Plato حوالى 427-347 ق.م' كما كانت (مدينة الله) التى صاغها 'القديس أوغسطين Saint Augustine 354م-430م' مثلا ثانيا لأولئك المفكرين.
وأول محاولـة فـى هـذا السبيـل هـى محاولة السير 'توماس مور Sir Thomas More' (1478م-1525م) الذى وضع كتابه (اليوتوبيا) أو المدينة الفاضلة، وارتحل فيه خياله إلى جزيرة مثالية متخيلة، أسس فيها نظاما اجتماعيا وتربويا يكفل السعادة والوئام، وقسمها إلى ما يقرب من خمسين مدينة، تعيش فى كل منها أسر متساوية فى عددها، ومتشابها فى أعرافها وتقاليدها. (37: 99-136)
وكانت المحاولة الثانية (مدينة الشمس) لشاعر وقس إيطالى هو 'توماس كامبانيللا Tommaso Campanella'، وقد جعل العمل الجبرى أساسا فى مدينته، كما جعل نبلاءها هم العمال، وجعل حكمها للفلاسفة.(37: 137-156)
والمحاولة الثالثة (أطلانطا الجديدة) لفرنسيس بيكون Francis Bacon (1561م-1626م) الذى صدر عن فلسفته التجريبية فلم يقم مدينته على المثال الأخلاقى وإنما إقامها على العمل، وجعل حكمها للعلماء. (37: 186-200)
ولقد اشتركت ثلاث المحاولات فى نفى الملكية الخاصة عن المدن الفاضلة، ونبهت إلى صلة هذه الملكية الخاصة بالشرور والآثام بين البشر، والحروب بين الأمم والشعوب، وهناك محاولات كثيرة أخرى غير ثلاث المحاولات السابقة، وكلها تقع فى إطار (التصوير اليوتوبى) لمجتمع بشرى عادل.
أن قراءة التاريخ الأدبى تؤكد أن أدب الطور المتقدم للنظام العبودى أبدع نموذج (البطل العملاق) الذى أكد حضور الإنسان فى مواجهة القوى الطبيعية، وغيرها من القوى غير الإنسانية وأكد قوته، وصلابته فى الصراع، وانتصاره، وجعل الخير خلقا له، والنضارة صفة لملامحه، كما أبدع أدب الطور المتقدم للنظام الإقطاعى نموذج (البطل الأخلاقى) الذى جسد فى إهابه وفى سلوكه المثل الأخلاقى الأعلى للحضارة الدينية فى بواكيرها ذات الطابع الإنسانى المتقدم، وأبدع أدب الطور المتقدم للنظام الرأسمالى نموذج (البطل الحر) الذى أكد قيمة الفرد، وأعلى من شأن كرامته وحريته، هؤلاء الأبطال مثلوا (المثال العام).
وفى العصر الحديث بعد عصور طويلة طمست فيها ملامح الفرد يبدو من الضروري التأكيد على النظرة الواقعية للأدب التى تنظر إلى الواقع كما هو واقع، لتحوره إلى واقع جديد إذا أرادت، دون أن تقيم بينها وبين الواقع حائلا تنسجه الأوهام، ثم سرعان ما ننسى أنه أوهام، فإذا كان البدائى يخلق لنفسه الخرافة لينظر بمنظارها إلى وقائع الدنيا، فإن المتحضر هو الذى يواجه تلك الوقائع كما تبدو لحواسه، وبغير هذه الرؤية المباشرة يتعذر عليه أن يلجم الطبيعة ليسير وقائعها حيث أراد لها أن تسير. (37: 419-455)
ومن أبرز جوانب النظرة الواقعية أن نلتمس للأشياء ، والموضوعات أسبابها الطبيعية، وأن ترد الظواهر إلى أسبابها الطبيعية كذلك، فلا يفسر المرض- مثلا- إلا بالجراثيم التى أحدثته، ولا يعلل سقوط المطر إلا بظروف المناخ وهكذا.
وإذا كان التقدم شرطا أساسيا للحضارة فإن الجانب العقلى وحده من الإنسان بما ينتجه من العلوم هو الذى يتقدم، فالفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا أو غيرها من فروع العلم ليست اليوم كما كانت بالأمس، واختلاف يومها عن أمسها هو الاختلاف الذى يتحتم فيه أن تكون حصيلة الأمس أفقر من حصيلة اليوم، وأكثر منها تعرضا للخطأ، وأما الآداب، والفنون فكلمة 'التقدم' بالنسبة إليها ليست بذات معنى، (1: 10)، (27: 207) فقد لا يستطيع شاعر من شعرائنا اليوم أن يجارى امرأ القيس، وقد لا يستطيع أحد من رواة الحكايات فى يومنا أن يقترب من الذروة الأدبية التى بلغتها ألف ليلة وليلة. إن التقدم لا يكون إلا فى معرفتنا العلمية، وأما ما هو خاص بالوجدان، فلا أظن أن الأم العصرية الثكلى تبكى فقيدها على نحو أكمل من بكاء الأمهات بالأمس، ولا أن يفنى عاشق فى عشق حبيبته بأكثر مما فنى قيس فى عشق ليلاه. فلابد أن ننظر النظرة العقلية التى ترجو أن يجيئ المستقبل أكثر تحضرا- بمعنى أغزر علما- من الحاضر ومن الماضى على السواء. (25: 38-41)
وعليه فيبدو من الضروري أننا فى حاجة إلى أدب لتربية إرادة إنسان عصرى، قد يكون من أبرز ملامحه25: 73-80) ، (22: 72-75)
أ-إنسان يكسر حدة الولاء للفكر القديم غير العقلانى، ويهدم جدار الرتابة، والجمود، ويتحرر من قيود ومخاوف غير مرئية، ويفكر تفكيرا علميا عالميا.
ب-قوة اجتماعية جديدة، تسدد هجماتها إلى العلاقات القديمة؛ لتطور نفسها، وتحقق فى ذات الوقت مصالح المجموع الشعبي.
ج-نظرة رحبة إلى العالم تقضى على الضيق الانعزالى، لترتاد المجهول، ولتكشف حدود هذا العالم.

الإحساس بمشكلة البحث:
فى دراسة 'لجوناثان كالر Jonathan Culler' بين فيها أن الألفاظ فى دراسة الأدب تقسم إلى حقيقة ومجاز، والحقيقة فى الألفاظ هى استعمالها فيما وضعت لها من المعانى فى المعجم اللغوى، أما المجاز فهو استعمال أية لفظة فى غير معناها المعجمى (الحقيقى أو الأصلى) لوجود علاقة بين المعنى اللغوى الأصلى لهذه اللفظة والمعنى المجازى الناتج عن ذلك الاستعمال بشرط وجود قرنية مانعة من إرادة المعنى الأصلى للفظة. (74: 95-97)
ويمكن التعبير عن الحقائق بشكل كاف عن طريق المعنى المعجمى للكلمة، ومع هذا يلجأ الإنسان إلى المجاز اللغوى- مثل التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز المرسل، لزيادة التعبير جمالا وتأثيرا. (24: 50)
ولذلك فالمجاز اللغوى ليس جزءا جوهريا فى المعنى، بل هو فضلات أدبية ممثلة فى زخارف ومحسنات.(31: 13)
ويرى المسيرى أن اللغة الإنسانية نظام دلالى محدد، يتسم بالاتساق الداخلى، وله قواعده الخاصة، يتكون من دوال وأسماء تشير إلى مدلولات ومسميات لأشياء موجودة فى العالم الخارجى، لكن ثمة مسافة تفصل بين الدال اللغوى والمدلول، وهى مسافة تتسع وتضيق، بل أحيانا تنعدم، حسب مدى تركيبة المدلول (سواء أكان شيئا طبيعيا أم ظاهرة إنسانية أو غيبية، تأخذ فى الإتساع، ولا يمكن عبورها، ولكن يمكن تقريبها، وتحويلها إلى مجال للتفاعل عن طريق استخدام لغة محايدة مباشرة.
وكل أشكال المجاز مهما بلغت من تجريد، وتنوع، واختلاف تحتوى على صور مجازية. والصورة المجازية تستخدم كوسيلة لتمرير التحيزات وفرضها بشكل خفى. (31: 130-150)
وقد حدد ابن قتيبة (ت 276هـ) جوانب المجاز، وجعلها تشمل: 'الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف التكرار والإخفاء والإظهار والتعريض، والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، مع أشياء أخرى كثيرة، وهى ظواهر أسلوبية تعنى التغير فى الدلالة، والخروج بها عن دلالة المواضعة الشائعة. (2: 20-21)
ويعد مصطلح 'المثل' أكثر المصطلحات المجازية ورودا فى القرآن سواء فى أصله الثلاثى أو فى مشتقاته المتعددة، وهو يتراوح بين عدة معان أهمها 'الصفة العجيبة كأنها لغرابتها تشبه بها، ويتمثل' ومعنى ذلك أن مصطلح المثل يصبح قريبا جدا من معنى التشبيه' ويدل عليه ، ومما يؤكد هذا التطابق الذى يكاد يكون تاما بين 'المثل' و 'التشبيه' أن مادة 'شبه' فى القرآن لا تأتى إلا بمعنى الاشتباه، والاختلاط، والتداخل وعدم القدرة على التمييز 'شبه الشئ تشبيها أشكل وشبه عليه، خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره، وشبه عليه الأمر: لبس عليه' والمعنى واضح فى المشتقات الأخرى للمادة أنه هو الاختلاط، وذلك فى 'تشابه' و'مشتبه' و 'متشابه'.
ولم يرد لفظ 'الكناية' فى القرآن، وإن وردت المادة فى معنى الإخفاء، والستر وترد فى معنى 'الكناية' أو قريبا منها 'التعريض' وهى خلاف التصريح وهو 'ما توسع فى دلالته فصار له وجهان ظاهر وباطن' وذلك فى قوله تعالى: 'فيما عرضتم به من خطبة النساء' (البقرة/ 235). (2: 21)
وقد وردت مادة 'جوز' بمعنى القطع والعبور، وهذا المعنى ليس بعيدا عن المفهوم المتأخر لكلمة 'مجاز' على أساس أن المجاز هو تجاوز المعنى الحقيقى للعبارة إلى معنى آخر يتعلق بها.
أما مادة 'عير' الأصل الاشتقاقى لمصطلح 'الاستعارة' فلم ترد فى القرآن، ولذلك كان من الطبيعى أن يكون هذا المصطلح أكثر المصطلحات الأدبية تأخرا فى الظهور، وعلى العكس من ذلك كان مصطلح 'المثل' مع ما يشتق منه كالتمثيل هو أكثر المصطلحات ظهورا وذلك بحكم كثرة دورانه فى القرآن ودلالته على معنى 'التشبيه' وكان مصطلح 'الكناية' أقل ظهورا من مصطلح 'المثل' لقلة وروده فى القرآن من جانب، ولعدم وضوح دلالته المجازية من جانب آخر.
ومن الضروري الإشارة إلى ما أثارته بعض محتويات الصور التعبيرية- التى عبر عنها بالمثل- من الجدل والاستنكار- وقد عبر القرآن نفسه عن هذا الاعتراض بقوله تعالى: 'إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون مـاذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا، ويهدى به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين' (البقرة/26) (7: جـ1، 398)
ولم تكن اجتهادات ابن عباس فى تفسير النص بعيدة عن جو التأويل، والجدل الدينى الذى بدأ بانشقاق الخوارج على علي بن أبى طالب نتيجة لرفضهم مبدأ التحكيم- وكان ابن عباس- فيما يقال- هو رسول علي بن أبى طالب لمجادلة الخوارج ومحاولة إقناعهم بخطأ موقفهم وصحة موقف علي. ولم يخل هذا الجدل من الاستشهاد بالقرآن من كلا الطرفين على صحة موقفه، واتساقه مع معطيات القرآن، حتى تحول النزاع- على مستوى الجدل الدينى- إلى فهم النص القرآنى نفسه والاستدلال به، وهذا كله ما جعل علي بن أبى طالب ينهى ابن عباس عن مجادلة الخوارج بالقرآن 'فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة' (6: 142)
ومما يرويه الطبرى عن ابن عباس رواية مؤداها أنه لم يتقبل القراءة المشهورة للآية القرآنية ' فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا' (البقرة/137) على أساس أنها تثبت مثلا لله يمكن الإيمان به 'لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا- فـإنـه ليس لله مثل- ولكن قولوا: 'فإن آمنوا بالذى آمنتم به فقد اهتدوا' (7: جـ3، 114)
ومن المحتمل أن ابن عباس كان مدفوعا إلى ذلك رغبة منه فى نفى أى شبيه أو مثل لله، خصوصا مع ما ذهب إليه ابن سبأ من تأليه الأئمة والقول بالرجعة.
كما توقف كثير من المسلمين عند بعض الآيات متسائلين عن المعنى الحقيقى وراء صورتها اللفظية، فيروى الطبرى أنه 'لما نزلت 'وسع كرسيه السماوات والأرض' (البقرة/ 255) قال أصحاب النبى يا رسول الله، هذا الكرسى وسع السماوات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى: 'وما قدروا الله حق قدره ' (الزمر/ 67) إلى قوله: 'سبحانه وتعالى عما يشركون' (7: جـ5، 399) وإذا كان الرسول قد سكت عن تساؤل المتسائلين، تاركا لله الرد عليهم، واستنكار هذا السؤال، فإن ابن عباس يفسر نص الآية على أن 'كرسيه: علمه' (7: جـ5، 397-399) وهو تأويل يقربنا من جو التأويل الاعتزالى الذى ينفى مشابهة الله للبشر أو حلوله فى المكان.
ويروى أن كاتب الفضل بن ربيع سأل أبا عبيدة معمر بن المثنى عن قوله تعالى: 'طلعها كأنه رؤوس الشياطين' (الصافات/ 65) وقال: إنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله، وهذا لم يعرف، فقال له أبو عبيدة: 'إنما كلم الله تعالى- العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلنى والمشرفى مضاجعـى ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم، أو عدوا به، فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل' (6: 119)
وفى تحليل المثل- التشبيه- فى قوله تعالى: 'مثلهم كمثل الذى استوقد نارا' (البقرة/ من الآية 17) ظاهرة استوقفت الفراء. هى أن المشبه جمع ، فى حين أن المشبه به مفرد، فكيف يمكن أن يقع التشبيه على ذلك؟ ويدفعه هذا التساؤل إلى تحليل لوجه الشبه 'فإنما ضرب المثل- والله أعلم- للفعل لا للأعيان، وإنما هو مثل للنفاق، فقال مثلهم كمثل الذى استوقد نارا، ولم يقل الذين استوقدوا. وهو كما قال الله' تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت' (الأحزاب/ من الآية 19) وقوله: 'ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة' (لقمان/ 28)، فالمعنى- والله أعلم- إلا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال' كأنهم خشب مسندة' (المنافقون/ من الآية 4) وقال: 'كأنهم أعجاز نخل خاوية' ( الحاقة/ من الآية 7) فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال، فأجز الكلام على هذا، وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحدا فى شعر فأجزه، وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا فى شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه' (8: 15)
كما يوجد نوع آخر من المجاز، يكون فى دلالة الصيغة الصرفية فالفراء يحدد وظيفة للانتقال بالصيغة عما وضعت له من دلالتها الصرفية إلى دلالة أخرى، فصيغة 'فاعل' تدل على اسم الفاعل، ولكنها قد يتجوز بها فتدل على اسم المفعول.
ففى قوله تعالى: 'فى عيشة راضية' (الحاقة/ 21) فيقول: 'فيها الرضاء، والعرب تقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلا، وهو مفعول فى الأصل، وذلك أنهم يريدون وجه المدح والذم، فيقولون ذلك لا على بناء الفعل، ولو كان فعلا مصرحا لم يقل ذلك فيه، لأنه لا يجوز أن تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لأنه لا مدح فيه، ولا ذم. (9: 182)
ومن المجاز أسلوب 'التشخيص' وهو إطلاق صفات إنسانية على الحيوان، والجماد، غير أن ما يلفت نظر أبى عبيدة إلى هذا الأسلوب هو استخدام ضمائر العاقل بدلا من ضمائر غير العاقل، ومن ذلك قوله تعالى: 'قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم' (النمل/ من الآية 18) يقول: 'هذا من الحيوان الذى خرج مخرج الآدميين، والعرب قد تفعل ذلك. قال:
شربت إذا ما الديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
ويقول فى قوله تعالى: 'قالتا أتينا طائعين' (فصلت/ من الآية 11) هذا مجاز الموات الذى يشبه تقدير فعله بفعل الآدميين' وهى نفس النظرة التى ينظر بها إلى الآيات 'وكل فى فلك يسبحون' (يس/ من الآية 40) و 'كل يجرى لأجل مسمى' (الرعد/من الآية 2) (4: 196، 162، 153)
وليس عنا ببعيد معركة رواية وليمة لأعشاب البحر للروائى السورى حيدر حيدر التى صدرت طبعتها الجديدة عن هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية، ونظرا للضجة التى أثارتها الرواية، فقد شكل وزير الثقافة لجنة فنية من رجال الدين والأدب اجتمعت وناقشت الرواية فى غيبة أحد أعضائها، وهو رئيس جامعة الأزهر العريقة، الذى انسحب من اللجنة أو تخلف عن حضور اجتماعاتها، وبعد أن ناقشت اللجنة رواية الأديب السورى أصدرت بيانا، دافعت فيه عنها، تأسيسا على مبدأين: أولا حرية التعبير التى يتمتع بها، ويجب أن يتمتع بها الأديب، أى أديب؛ ثانيا: التوظيف الفنى والأدبى الجيد الذى نجح حيدر حيدر فى إخضاعه لمقتضيات البناء الروائى والرؤية الفنية، تحقيقا للمبدأ الفنى المتعارف عليه فى الدراسات الأدبية، والقائل بأن طبيعة الكل (العمل الأدبى فى كليته) هى التى تحدد قيمة أجزائه، ولكن بيانا- أصدره الأزهر الشريف- ورئيس جامعة الأزهر بالطبع أحد أقطابه- قد أدان رواية الأديب السورى، وقد ترتب على صدور البيان خروج شباب جامعة الأزهر، ممن لم يقرأوا الرواية، وربما لم يسمعوا عنها قبل ذلك البيان، إلى الشوارع المحيطة فى احتجاج غاضب هدد بنشر الفوضى والدمار، وخطورة هذا الموقف الأخير، وما أدى إليه من تداعيات، تتمثل فى الطبيعة المزدوجة لوضع رئيس جامعة الأزهر، فهو، من ناحية، يرأس مؤسسة تعليمية يصعب الفصل بينها وبين أعلى سلطة دينية، وهى الأزهر الشريف، وهو من ناحية ثانية قطب بارز فى حزب الأغلبية الحاكم منذ سنوات، ومن ثم يمثل- شاء أم لم يشأ- السلطة السياسية، وحينما يرتبط اسمه من طرف خفى فى بيان الأزهر، وعلانية فى إدانته للرواية فى مجلس الشعب، فإنه بالقطع يضع نفسه فى موقف مناهض لرأى السلطة السياسية التى ينتمى إليها هو، ويمثلها أيضا وزير الثقافة. كأن العملية لم تعد تجسد صراعا، أو على الأقل تناطحا بين السلطتين الدينية والسياسية، وهو ما استطاعت مصر أن تتحاشاه بنجاح.
ويرى أحد الباحثين أن علم الأدب لا يمكن أن يكون بأى حال له الكلمة الأخيرة على الأدب، والمعضلة الجوهرية فى تقديرى ليست هى نظرية علم الأدب، بل هى لغة علم الأدب' (28: 213)
فاللغة لابد أن تكون واضحة، ومحايدة تماما، على أمل أن تصبح شفافة تماما، وموصلة بشكل كامل، وقادرة على تمثيل الواقع، ويمكن للقارئ من خلالها أن يمسك بواقع صلب متماسك ، والجمل الاخبارية هى المناسبة للتعبير عن علاقات الإنتاج والبيع والشراء، وهى جمل يمكن التأكد من زيفها أو صدقها من خلال التجربة، والاختبار وما لا يمكن التأكد منه بهذه الطريقة ليس بجملـة، وبالتالى فإن جملا أخرى مثل جمل العواطف والمشاعر شبه إخبارية، لا معنى لها.(30: 51-55)
ويرى 'روس Rose Jeanne Marie' أن المجتمع الصناعى الحديث يحتاج إلى لغة محايدة، تشير إلى أشياء محددة، فمن أهم وظائف اللغة أنها أداة للتعبير عن الأفكار العلمية، وعمليات البيع والشراء، والتعاقد والأوامر، ولابد أن تكون منضبطة- تماما، وتتسم بالدقة البالغة. (89: 255)
ولذلك اتجهت كثير من الدراسات والبحوث الغربية فى اللغة والأدب نحو لغة علمية، وأدب علمى، مثل:
1- تحليل خمسين اقتباسا من الأدب العلمى (69).
2- تحليل الأدب العلمى باستخدام نشاط المجموعات: مناقشات الطلاب حول البحوث البيئية (54).
3- الأدب العلمى والقراءة والكتابة: مقرر المهارات العملية لطلاب الليسانس (86).
4- تعريف الطلاب الجامعيين بالأدب العلمى والمكتبة (52).
5- عرض للأدب العلمى مشروع بحث تربوى (66).
6- أثر تأخير النشر على توزيع الأدب العلمى توزيعا ناضجا مراقبا (61).
7- فوائد الاستعارة فى أكثر أعمال الأدب العلمى اقتباسا (70).
8- دخول الطلاب للعلم من خلال الأدب (58).
9- أنشطة العلوم المبنية على الأدب فى رياض الأطفال من خلال كتب الأطفال المصورة (53).
10- أدب الأطفال مع التركيز على العلوم: عشرون مجموعة من الأنشطة طورها المعلمون من مرحلة الرياض حتى المستوى الثامن (50).
11- العلوم المبنية على الأدب: كتب وأنشطة الأطفال لإثراء مناهج الدراسة فى المرحلة من الرياض حتى المستوى الثامن (71).
12- تقديم الأفكار العلمية من خلال أدب الأطفال (48).
13- العلوم فى الأدب: مواد دراسية كمدخل للتعليم من خلال بعض الموضوعات. (67).

وفى ضوء ما سبق يتبين أن لغة الأدب العربى ما زالت جامدة عند أصول نشأتها فى الماضى- فى الوقت الذى اتسمت فيه لغة الأدب الغربى بالعلم، أسلوبا، ومنهجا، ولغة حياة فى هذا العصر مما جعلنا نعيش تناقضا مؤلما بين كوننا شكلا فى العالم الحديث، وكوننا جوهرا من خارجه، يضطرنا إلى معاناة قضايا مجتمع قديم فى عالم حديث، ومعاناة قضايا عالم حديث فى مجتمع قديم.
تحديد مشكلة البحث:
فى ضوء ما سبق يمكن تحديد مشكلة هذا البحث فى السؤال الآتـى:
ما الاتجاهات الحديثة لتنميةالأدب كمدخل لتعليم اللغة العربية؟
ويتفرع من السؤال السابق الأسئلة الآتية:
1- ما نظريات تعليم الأدب؟
2- ما الاتجاهات الحديثة فى تعليم الأدب فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة؟
3- ما الاتجاهات الحديثة فى تعليم اللغة العربية من خلال الأدب فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة؟
4- هل يوجد أدب علمى، واتجاه لتعليمه فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة؟
أهداف البحث:
1- تحديد نظريات تعليم الأدب.
2- تحديد الاتجاهات الحديثة فى تعليم الأدب فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة.
3- تحديد الاتجاهات الحديثة فى تعليم اللغة العربية من خلال الأدب فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة.
4- تحديد الدراسات والبحوث المعاصرة الخاصة بتعليم الأدب العلمى.
خطوات البحث:
تحددت خطوات هذا البحث فيما يأتى:
1- مقدمــة.
2- الإحساس بمشكلة البحث.
3- تحديد مشكلة البحث.
4- تحديد أهداف البحث.
5- تحديد خطوات البحث.
6- مفهوم الأدب، ونظريات تعليمه.
7- الاتجاهات الحديثة فى تعليم الأدب فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة.
8- الاتجاهات الحديثة فى تعليم اللغة العربية من خلال الأدب فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة.
9- الاتجاه نحو تعليم أدب علمى فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة.
10- ملخص الاتجاهات الحديثة.
11- المراجـــع
مفهوم الأدب، ونظريات تعليمه:
الأدب: أدب النفس والدرس. والأدب: الظرف وحسن التناول (3: 206) واصطلاحا 'هو تعبير على نحو ما عن الحدس بالأشياء والنقد، هو الدراسة الثقافية الدقيقة لذلك التعبير، فالأدب تعبير والنقد دراسة، ودون شك فإن حركتى الروح هاتين التعبير والدراسة يلتقيان فى الشخص الواحد نفسه. (11: 3)
وقـد وجد النقد الأدبى أولا ثم وجدت البلاغة بعد ذلك منبثقة عنه، ومستمدة منه، وقـد سبقهم الأدب الإنشائى بقسميه: الشعر والنثر الفنى. (32: 13) والأصل فى الشعـر أن يخلق من الإنسان أسطورة، فى حين يرسم النثر صورته'. (15 :63)، (63: 1-20)
والمدارس الأدبية ثلاث92: 189-194) كلاسيكية، ورومانسية، وواقعية. تصوغ كل منها الحاجات الجمالية، والمثل الفنى الأعلى لنظام اجتماعى ومرحلة كاملة من مراحل التطور الاجتماعى، وما عدا هذه المدارس الثلاث فتيارات واتجاهات، وتستند كل مدرسة أدبية إلى نظرية بعينها.
حيث تستند المدرسة الكلاسيكية إلى نظرية المحاكاة، وتستند المدرسة الرومانسية إلى نظرية التعبير، وتستند المدرسة الواقعية إلى نظرية الانعكاس وفيما يلى بيان ذلك.
أولا: الفكر المثالى:
1-الموقف الكلاسيكى (نظرية المحاكاة: الفن من زاوية المتلقى):
فى دراسة لـ 'مارتينز Martinez' بينت أن الوجود الأفلاطونى ذو عوالم ثلاثة: عالم المثل، وهو كامل نموذجى، خالد ثابت لا يتغير، وعالم الأشياء المرئية والموجودات المحسوسة وهو صورة من عالم المثل، وعالم الخيالات والظلال وهو الذى يبدو فى الأعمال الفنية، وهو محاكاة للعالم الثانى، فطبيعة الفن فى التصور الأفلاطونى هى- محاكاة للعالم المحسوس الذى هو بدوره محاكاة لعالم المثل الخالدة، وصورة له. وطبيعة الفن هذه مرآوية، بمعنى أن الفنان كأنه يدير مرآة ليعكس خيالات محاكية للأشياء المحسوسة. فإذا صور فنان منضدة فإن لهذه المنضدة المصورة المرتبة الثالثة فى مراتب الوجود الأفلاطونى المثلث: المرتبة الأولى لفكر المنضدة فى عالم المثل، والمرتبة الثانية للمنضدة الواقعية التى صنعها النجار، والمرتبة الثالثة لمظهر المنضدة الذى يظهر فى عمل المصور ومن هنا كان هجوم أفلاطون على الفن ونفيه وأصحابه من مدينته الفاضلة، فغاية أهل هـذه المدينة أن يعرفوا الخير، وأن يصلوا إلى أن تكون أفعالهم خيرة فاضلة، والفن لا يساعد على تحقيق هذه الأهداف، لأن طبيعته المحاكاة المرآوية لأصـول قائمة أقرب منه إلى الحقيقة، وهو يحاكى هذه الأصول حكاية شائهة ناقصة، وبـذلك يصرف الناس عن معرفة الحقيقة، بل إنه يخدعهم، إذ يقدم إليهم الزيف والخيالات.(82: 204)
ولقد قبل أرسطو مبدأ (المحاكاة) فى طبيعة الفن، لكنه لم يقبل أن تكون هذه المحاكاة نقلا مرآويا لظاهر الطبيعة وللمباشر فى الحياة، ونبه إلى أن الفن- إذا يحاكى- فإنه لا ينقل فقط ما هو كائن ، بل إنه لينقل فى الغالب ما يمكن أن يكون، وما ينبغى أن يكون.
ولم يتبع أرسطو منهج التجريد والاستنتاج، وإنما اتبع منهج الفحص والاستقراء، وانتهى به هذا المنهج إلى قبول العالم الواقعى الذى عده أفلاطون غير حقيقى، وكان فى قبول أرسطو للعالم الواقعى رفض للتصورات الوهمية المتخيلة لهذا العالم الطبيعى والإنسانى. (26: 99)
ويبدو هذا المنهج الأرسطى فى موقف أرسطو من شعراء عصره، وخاصة فى تناوله لمآسى يوربيديس Euripides (حوالى 485-406 ق.م) وسوفوكليس Sophocles (حوالى 496-406ق.م) فقد كان يوربيديس مجددا فكريا واجتماعيا تناول بالنقد معتقدات مجتمعه، ونظرة الناس فى عصره إلى العوالم العلوية غير المرئية، وتخلص فى كثير من مآسيه من سيطرة معتقدات عصره فى الآلهة والأساطير والأبطال والسحرة والعرافين، وضمن أعماله تصويرا للآلهة يجعلهم أبعد فى باب الفضيلة والخير عن نموذج الإنسان الفاضل العادى، وأظهرهم فى صور السارقين والحاقدين والقساة والمتحيزين. لهذا لقى يوربيديس هجوما شديدا من مفكرى الأرستقراطية وفنانيها المحافظيـن، ورفض عصره كثيرا من آرائه، وإن كان فى منحه جوائزه الفنية أحيانا، ولم يشر أرسطو فى تناوله لمآسى هذا الشاعر إلى أية إدانة أو إتهام له، وإنما أخذ على بعض أعماله الضعف فى البناء نتيجة الوقوع فى مزلق فنى محدد، وهو خفوت الحركة لصالح الحكى الأبيسوى والملحمى.
أما سوفوكليس فقد كان يحظى بتقدير عميق من معاصريه فهو الذى مجد تراثهم الدينى والبطولى والأسطورى، وهو الذى دافع عن معتقداتهم،وأعرافهم الاجتماعية والأخلاقية فمآسى سوفوكليس 'تمثيل' للمثل الأعلى اليونانى فى القرن الخامس قبل الميلاد، ومع ذلك فإن الموقف الأرسطى من سوفوكليس لم يكن أخلاقيا، بل كان موقفا فنيا فى مجمله، فإن وقفات أرسطو عند مآسى هذا الشاعر، وهى وقفات طويلة وكثيرة فى كتاب فن الشعر كانت عند الجوانب التعبيرية وطرائق الأداء الفنى فى تلك المآسى، وليس معنى هذا أن أرسطو قدم التكنيك بشكل مطلق على المضمون الخلقى والاجتماعى، ولكن معناه أنه اعتمد الدلالة الخلقية فى صورة تعبير الفن عنها. إن 'الحقيقة' النفسية والأخلاقية والاجتماعية مهمة لديه، ولكنه يلفت النظر دائما إلى اختلاف صورة التعبير عن هذه الحقيقة فى الفن عنها فى أى نشاط إنسانى آخر، لذا فإنه يفرق بين سبيل الفن وسبل وجوه النشاط الإنسانى المختلفة، بل هو يفرق بين سبيل كل فن وغيره من الفنون. (36: 60)
وعلى الرغم من أن أرسطو أكثر ميلا- فى منهجه- إلى المادية فإنه بصورة عامة مثالى موضوعى كأستاذه أفلاطون، وقد رأينا أن هذه المثالية الموضوعية تلح على جانب واحد من جوانب الدرس الفنى، وهو جانب أثر الفن فى المتلقى، أى أنها تلح على الوظيفة الاجتماعية للفن لكن هذه المثالية تضع لوظيفة الفن الاجتماعية 'مبادئ أزلية' عند أفلاطون، وتبحثها صوريا عن أرسطو، والأمران معا ينكران التغير. (26: 99-100)
إن 'المطلق' فى القيمة، و'الصورية' فى العلاقة أمران متلازمان فى الموقف الكلاسيكى، وهو الموقف الذى يصوغ – فى الفكر الأدبى- العلاقات الاجتماعية العبودية والإقطاعية بصورة عامة، يفضى الأمر الأول إلى فرض قيم مسبقة على الفن، ويفضى الأمر الثانى إلى سيادة المناهج الشكلية والفقهية والبلاغية.
لقد اتسم الفكر الأدبى بكثير من الحيوية عندما بدأت العلاقات الاقطاعية وابنيتها الثقافية الغيبية تتقوض زمن النهضة الأوروبية، وتعد هذه النهضة- تستغرق لدى كثير من المؤرخين خمسة قرون: من الثالث عشر إلى الثامن عشر الميلاديين- الانتقالة الكبرى بين المجتمع الاقطاعى والمجتمع الرأسمالى البرجوازى الحديث، فى هذه الانتقالة تمرد الفكر على اللاهوت، وأعلى من شأن العقل، وعاد كثير من المفكرين إلى أرسطو والآثار الفكرية اليونانية، وقامت حركة نقدية وفنية قوية هى ما اصطلح على تسميته فى التاريخ الأدبى الكلاسيكية الجديدة، مثلها الأعلى الفكر والفن اليونانيين، وتعاليمها النظرية تكاد تنحصر فى دراسة تراث أرسطو، وتوجيه الشعراء والكتاب إلى احتذاء الأعمال اليونانية واستلهامها، وبعد هذه الانتقالة انتهت العلاقات الإقطاعية التقليدية، ونضجت العلاقات الرأسمالية وتخلق المجتمع البرجوازى، وتكونت له ثقافته الحديثة علما، وفكرا، وأدبا.
إن الموقف الكلاسيكى هو المفسر لعلاقة الإنسان بعالمه فى ظل علاقات اجتماعية محددة هى العلاقات العبودية والإقطاعية، وكل نزوع كلاسيكى هو فى حقيقة أمره تثبيت لتلك العلاقات أو دعوة إلى الرجوع إليها. لقد كان الكلاسيكيون يعدون الفعل أهم ملكات الإنسان، وكانوا يحاصرون الخيال ويخشون شطحاته وغلوه.

2-الموقف الرومانسى (نظرية التعبير: الفن من زاوية الفنان):
تبدو مظاهر الرومانسية فى التراث البشرى صادرة عن أساس اجتماعى محدد هو نضج الطبقة البرجوازية. وتعتبر البرجوازية تجسيدا حيا لتناقضات المجتمع الرأسمالى فهى تسعى إلى استغلال أصحاب (قوة العمل) لكنها تنتهى بأن يستغلها أصحاب (أدوات الانتاج) وتصل منها قلة إلى صفوف الرأسماليين، بينما تنهار- الكثرة فى ظل قوانين الاستغلال الرأسمالى، أنها ترنو ببصرها إلى الغنى والوفرة، وتجزع على نفسها من الفقر والفاقة، ولذا فإنها تنجذب إعجابا إلى أصحاب أدوات الإنتاج فتقع فى الاستسلام لغاياتهم، وتخاف أصحاب قوة العمل.
لقد انتهى الفكر المثالى البرجوازى- فى النصف الثانى من القـرن الثامن عشر، والثلث الأول من القرن التاسع عشر- إلى بناء أضخـم أنساقـه أمـران: (16: 65-86)، (15: 192-194)
أولهما: من جهة انطولوجية وهى علاقة المادة بالوعى.
ثانيها: من جهة معرفية وهى علاقة الوعى بالعالم الموضوعى.
إن هذه المثالية الذاتية قد جعلت الوجود الأدبى للذات أو للوعى الإنسانى، وجعلت العالم الموضوعى من خلق هذه الذات، إذ أن وجوده متوقف على إدراك مدرك له، وكمال التعبير ها هنا هو قدرة الفن على تصوير أو خلق الذات لعالمها الخاص، فإذا كان الأمر فى الأساس الاجتماعى الإعلاء من الفردية والذاتية وتقديم الفرد على المجتمع فإن الأمر هنا تقديم العاطفة على العقل، والشعور على المنطق، والوجدان على الاتزان، والموهبة على الصنعة، والإسهام على المهارة.
لقد اعترف 'كانت Kant (1724-1804م)' رأس المثاليين الذاتيين فى المرحلة التى نحن بصددها بوجود الشئ فى ذاته أى اعترف بوجود الأشياء خارج الإنسان. (26: 120)، (10: 153- 168) وقد أخذ غلاة المثاليين عليه هذه المقولة لأنهم- كما سبق- يقولون بخلق الذاتى للموضوعى أما هو فيقر بوجود الأشياء مستقلة عنا. فها هنا جانب مادى فى فلسفته، غير أن هذا الجانب يتوارى فى النهج المعرفى الكانتى وهو نهج مثالى ذاتى، فصل كانت فيه بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية وأبعد ما بين المحسوس والمعقول، وما بين العقل والفهم المنطقى أو التفكير المنطقى وقيد العقل بما تقدمه الحواس وفى هذا الصدد فإن كانت قد اعتقد أن هذا الفهم لا يمكن أن يصل إلى ما وراء التجارب الجزئية والمحسوسات، وأن المعرفة لا يمكن أن تصل إلا إلى الظواهر وكانت بهذا مادى فى اعترافه بوجود العالم الخارجى الموضوعى مستقلا عن الوعى به، لكنه مثالى فى إنكاره لإمكانية معرفة حقيقة هذا العالم.
لقد بدأ كانت من مبدأ أساسي مثالى ذاتى يرى الموضوعى المدرك هو ما تراه الذات المدركة، وما يتبدى لها منه متفقا وعالمها الشعورى وإدراكها العاطفى.
إن المثاليين بعد كانت- فى مرحلة المحافظة البرجوازية، وأزمة الفكر الليبرالى- ارتدوا إلى مثالية متطرفة فنموا العناصر الذاتية فى فلسفتها، وتخلو عن العناصر العقلية، ولم تدم العلاقة بين الذاتى والموضوعى ، بل تحول الذاتى إلى خالق للموضوعى، وصار الموضوعى وهما من الأوهام، كما صار الإبداع نشاطا غامضا عصيا على المعرفة والدرس، ولم يقبل هيجل Hegel (1770-1830م) رأس المثاليين فى هذه المرحلة ذاتها الثنائية التى قال بها كانت بين الجواهر والظواهر. إن جدل هيجل قد ساعده على أن يضع إدراك الإنسان لعالمه، وعلاقاته به فى صيغة أقرب إلى الموضوعية من تلك الصيغة الكانتية الذاتية. (15: 23)
حيث رأى أن فعالية الذات إنما تتحقق من خلال تطور الشئ ونموه، فالحقيقة هى الكل العينى الذى ينتظم الأشياء فى علاقاتها، فهو ينفى الآلية فى علاقة الإنسان بعالمه، ويدرك الفنان الحقيقة لا كموضوع، ولا كفكرة، وإنما يدركها فى صورة، والعنصر الحسى يحرك طاقة الخيال لدى الفنان، ولذلك فإن أولى الزوايا بالدرس- فى رأيه- إنما هى زاوية المدرك، زاوية الفنان، وأولى المسائل فى هذا الدرس، أداة الإدراك : الخيال، كما برز من الرومانسيين كولردج Coleridge, Samuel (1772م-1834م) شاعرا، وإماما للفكر الفنى الرومانسى، ويرى شوقى ضيف أن كولر دج أقرب إلى الحدس، منه إلى التجربة، فقد اعتد بالكشف الحدسى، وبإيجابية الذات العارفة، وبالمعاناة العاطفية فى عملية الإدراك، ومن هنا جاء تأثيره فى علم النفس، وفى الفلسفة الوجودية لقد ألح على أن النفس إنما ترى ذاتها فيما تراه، وأن الفكر الصحيح- فى رأيه- لا يخلو من العاطفة الصادقة ويميز كولردج بين الخيال والتوهم، فالخيال- فى رأيه- ملكة عقلية وقوة عاطفية، لذلك فإنها أداة موحدة تلمح بين الأشياء جوامعها، وترى فى الأجزاء والعناصر وحدتها، والتوهم ملكة عقلية تخلو من العاطفية، لذلك فإنها تكدس، وترص، لكنها لا تصل من هذا كله إلى الوحدة، فالتوهم يجمع الجزئيات والعناصر منفصلة متجاورة، والخيال يصل- بقوته العاطفية- إلى ما بين هذه الجزئيات من وحدة جوهرية. (26: 105-118)
كما يميز كولردج فى الخيال بين خيال أولى Primary Imagination وخيال ثانوى Secondary Imagination الخيال الأولى ملكة إنسانية عامة، وهى الأداة الأساسية فى معرفة الإنسان بعالمه، فهى ترى فى المدركات أشكالها، وتوجد لهذه الأشكال معانيها، والخيال الثانوى ليس أداة معرفة فحسب- كالخيال الأولى الذى هو شرط كل معرفة إنسانية- والذى يتوفر فى كل إنسان- وإنما هو أداة خلق أيضا. الخيال الثانوى هو الخيال الفنى، وهو أسمى طاقات الإنسان، فهو الذى يلم المبدد مدركا فيه وحدته، وهو الذى يلمح فى هذا المبدد معناه الكلى مرتبطا بشكله العام، إنه يرى الحقيقة مصورة، وهذا الخيال الثانوى لا يتوفر إلا للملهمين وللمبدعين من ذوى البصائر والمواهب الخالقة، إنه أداة كبار الفنانين والشعراء.
3-الموقف الوضعي (نظرية الخلق: الفن من زاوية العمل الفنى) (10-93-103)
لقد أخذت الطبقة البرجوازية تفقد ملامحها ودورها التقدمى وتتحول إلى مواقع المحافظة والرجعية، وعاشت هذه الطبقة أزمة خانقة ظهرت فى أعمالها الفكرية والأدبية انتهت فى الفكر إلى وضعية ضيقة وروافد لا أدرية وحدسية متطرفة، وبدأ عصر الاتجاهات المعبرة عن أزمة الإنسان، فإذا كان للرومانسية مفهومها عن التعبير الذى كان نتاجا لصعود تلك الطبقة وتقدمها، فإن مفهوم الخلق كان نتاجا للطبقة نفسها فى زمن أفولها ،وإبان أزمتها الفكرية.
والأساس الفكرى لهذا المفهوم يبدو فى كتابات مجموعة من المفكرين، قد يكون أقربهم إلى الفكر الأدبى 'توماس إرنست هيوم Hume, Thomas Ernest (1883م-1917م) فقد عبر هؤلاء المفكرون عن خيبة أملهم فى فردية الإنسان، وذهبوا إلى أن الإنسان شرير بفطرته، وأنه محدود القدرات، فاسد، أنانى بطبعه، وأنه سيطر سيطرة واسعة على جوانب كثيرة من عالمه، ولكنه فقد نفسه عندما فقد الوازع الداخلى الموجه إلى الخير، ونادى بعض هؤلاء المفكرين بضرورة العودة إلى الضوابط الكلاسيكية لمحاصرة الأنانية والذاتية والفردية والنوازع الشريرة فى الإنسان، وجاهروا بالعداء للوجدانيات والعاطفيات الرومانسية، وقالوا بأعمال العقل والانضباط والتوازن. وهدم النقاد الفطريون منهم نظرية التعبير الرومانسية، ودعوا إلى فن موضوعى يتجاوز أوهام الرومانسيين، وإلى نقد علمى مؤسس على تقدم العلوم، وخلصوا إلى نتائج طيبة فى درس دور اللغة فى الأشكال الفنية كعلاقة الأسطورة والرمز والموروث الشعبى بالتجارب، ومنهم من اعتمد فى نظره وتطبيقه على علوم طبية كعلم الأعصاب ويذهب ت.س إليوت (1888-1965م) Eliot, Thomas Stearns إلى أن الشعر ليس تعبيرا عن مشاعر، وإنما هو تخلص من المشاعر، وليس تعبيرا عن ذات الشاعر وشخصيته، وإنما هو تخلص منهما، إن الشعر خلق، وهذا الخلق إنما هو ثمرة التوازن بين العقل والعاطفة، بين ما يسميه إليوت القوة الناقدة، والقوة الخالقة عند الشاعر. إن الشاعر ينفعل بموضوعه، ويتعاطف معه، وعليه ألا يعبر عن انفعاله، بل عليه أن يوجد لهذا الانفعال معادلا موضوعيا يساويه ويوازيه ويحدده، ويعين الشاعر فى ذلك عقله، وتعين الشاعر فى تجسيد انفعاله فيما يعادله لغته، أى أن على الشاعر أن يحول عواطفه وأفكاره وتجاربه إلى شئ جديد، أو إلى مركب جديد ، إلى خلق جديد،وعقل الشاعر فى منزلة العامل المساعد فى العمليات الكيميائية ، تتحول بواسطته تلك العواطف والأفكار والتجارب إلى المركب الجديد المختلف عن الأصل، بينما يظل هو كما هو وعلى الشاعر أن ينأى بشخصيته عن عقله، أن يفصلها عنه حتى يستطيع هذا العقل الخالق أن يتفهم الموقف الفنى من عاطفة وإحساس وتجربة، وأن يتمكن من تحويلها إلى خلق جديد يختلف عنها هو القصيدة. إن معيار التمكن الفنى هنا هو أن ينأى الشاعر بذاتيته عن مادته، وأن يترك هذه المادة لعمل عقله الخالق، فبهذا وحدة ينجو العمل الشعرى من الذاتية وتحقق له الموضوعية. (26 : 134-135) ويبدو لنا أن إليوت يضع فروضا تأملية يفسر بها عملية الإبداع، ومن شأن التأمل ألا يحقق الموضوعية التى يقصد إليها إليوت. ما دام هذا التأمل بعيدا عن أن يسنده العلم، بل إن العلم المعاصر لا يؤيد تفتيت الإنسان إلى قوى وملكات منفصلة. ناهيك عن أن هذا النظر يعزل العمل الفنى عن الفنان، ويعزل الفنان عن مجموع علاقاته.
أما رتشاردز آرمسترونج Richards, Ivor Armstrong فقد تجنب التأمل، واقترب بالنظرية الأدبية من العلم خطوات ملموسة، فالمبحث الأساسى لديه يدور حول النص، وكيفية تلقيه، مستهدفا بيان عملية التوصيل والنقل وآثار قراءة القصيدة نفسيا وسلوكيا عند القارئ، ويذهب إلى أن التوصيل الجيد هو الذى يؤدى إلى التوازن الانفعالى لدى القارئ، والجديد عند آرمسترونج أنه يرفض التأمل، ويعتد بالتجريب وبنتائج العلوم، ليهيئ مناخا منضبطا للقراءة الشعرية، ورصد الظروف المؤدية إلى قراءة سليمة جيدة، والملابسات المؤدية إلى قراءة خاطئة ورديئة، ومن دراسة نجاح التوصيل أو عدم نجاحه على قصائد محددة وجمهور محدد يمكن الانتهاء إلى الآثار الوظيفية للشعر لدى القارئ، وأخرج سنة 1926م كتابه (العلم والشعر) ليطبق نظريته فى وظيفة اللغة وتباين استخدامها بين العلم والشعر، وليحدد للشعر مكانه.
ويبدو لنا أن جهد أرمسترونج محاولة جادة لاستخدام العلم ولإزالة كثير من الغموض والإبهام عن ماهية الشعر ووظيفته، لأن قيمة الأعمال الفنية والأدبية تضيع إذا وقفت عند الانفعال والهوى الذاتى، إنما ينبغى التوجه التجريبى بقدر الإمكان، وبكل ما تتيحه الوسائل العلمية إلى عملية الخلق إلى الوصف العينى لكيفية عمل الشاعر، والتأكيد على ضرورة عقد الصلة بين القارئ والعمل الفنى، والكشف عن حقيقة هذه الصلة، وآثارها، بعيدا عن الأوهام المحيطة بالتجربة.

ثانيا: الفكر العلمى : (نظرية الانعكاس: الفن من زاوية الواقع) (16: 129-146)
الواقع شبكة معقدة من علاقات الإنسان بالعالم، متشابكة، متداخلة، متفاعلة، ونحن قادرون على معرفته، ولكن هذه المعرفة محدودة بما وصلنا إليه من تطور اجتماعى، وتقدم علمى وتكنيكى، وتغيره دائم، ولذلك فصورته لدينا متغيرة أيضا، وهو ليس محدودا بما أنجز ، بل إنه لينطوى على تشوف إلى ما ينبغى إنجازه.
وللواقع حقيقته الموضوعية، ولهذه الحقيقة وقع فى نفوسنا، وصدى فى ذواتنا الإنسانية، ومفهوم فى أذهاننا. وتنعكس صورة الواقع الموضوعى على الذات، ولكن لهذه الذات رؤاها، وأحلامها ومواقفها، فتتغير الصورة لديها، وتكتسب شكلا خاصا، فالفن انعكاس، ولكنه ليس أنعكاسا سلبيا، بل هو إسهام فى التعرف على الواقع، وأداة للم شعثه، وسلاح لتغييره. فإذا غامت رؤية الفنان للحقيقة الموضوعية فقد عمله موضوعيته، وإذا غابت الذات فقد عمله فنيته.
إن واقعية الفن تتجاوز الماثل فى هذا الواقع لإتمام ما يشوبه من نقص، وإلى ما يرهص به من جديد. فينتظم الشوق إلى الاكتمال، والحلم بما لم يقع، واستشراف مستقبل آت، ويتحرر مفهوم الفن من الانعكاس السلبى، ويكشف عن مغزى الماثل فى الواقع، ويتجاوزه إلى أن يمنح الانسان صورة لغد يسعى إلى صنعه. إن هذا التصور ينفى الميكانيكية فى علاقة الفن بالواقع، فالفن بهذا لا يحاكى الواقع فى شتاته وجزئياته حكاية بعيدة عن جوهر حركته وثرائها، كما إن هذا التصور يصوغ العلاقة بين الذات والموضوع صياغة علمية.
وفى ضوء نظريات تعليم الأدب يمكن عرض الاتجاهات الحديثة فى الأدب كمدخل لتعليم اللغة العربية.
الاتجاهات الحديثة فى تعليم الأدب فى ضوء
الدراسات والبحوث المعاصرة

لقد تعددت مداخل تعليم الأدب، فمن المدخل الشكلى الذى يدرس الأدب بوصفه بناء جماليا، إلى المدخل النفسى الذى يحلل الأدب ونفسية مبدعيه فى ضوء نتائج التحليل النفسى، ومن المدخل الاجتماعى الذى يعنى بعلاقة الأدب بالوسط الاجتماعى، على أساس أن العمل الأدبى إنما هو نتاج الوسط الاجتماعـى أو متأثـر به. (40: 17)، إلى المدخل النمطى الرمزى الأسطورى الذى يتخذ النماذج البشرية أو الاجتماعية الواردة فى بعض الأعمال الأدبية نماذج ورموزا تصلح لكل زمان.(12: 88). وهكذا تتعدد المداخل إلى أن تصل إلى المدخل الانطباعى، وفيه يعتمد على الذوق الخاص، والثقافة الشخصية، فى حين أن للواقع حقيقته الموضوعية، ولهذه الحقيقة مفهوم محدود بمدى صياغة الفكر العلمى لعلاقة الإنسان بعالمه فى ضوء ما وصل إليه من تطور اجتماعى وتقدم علمى وتكنولوجى.
وقد قسمت الدراسات والبحوث المعاصرة الخاصة بتعليم الأدب تبعا للمداخل المستخدمة فى تعليمه، وهى:
1- المدخل الأخلاقى. 3-المدخل النفسى.
2- المدخل الفنى. 4-المدخل الاجتماعى.
وفيما يلى عرض هذه الدراسات، وقد جعلت العرض بشئ من التفصيل- إلى حد ما- قاصرا على بعض الدراسات كأمثلة تبين بعض الآراء والقضايا الخاصة باستخدام مدخل معين فى تعليم الأدب، فى حين أشرت بإيجاز إلى بعض الدراسات الأخرى التى قد تشترك معها فى الاتجاه الفكرى نفسه.
وإفادة من الدراسات والبحوث المعاصرة المعروضة فى هذا البحث تم اقتراح بعض المعالم لمدخل آخر فى تعليم الأدب هو المدخل التكاملى. وفيما يلى بيان ذلك.
1-استخدام المدخل الأخلاقى فى تعليم الأدب:
يرى بعض الباحثين وجود مواصفات يجب تحقيقها فى أية عملية إبداعية، وهذه المواصفات تراعى لذاتها؛ لأنه لا قوام للعمل الأدبى إلا بها، ولا ينبغى- لهذا- خلطها بغيرها مما لا حاجة للفنان إليه، بل مما عساه أن يعوقه عن أداء رسالته، فالشعر مثلا ليس له غاية وراء نفسه، فإن اتجه نحو غاية خلقية فقد نقص من قوته الشعرية لذلك 'فليوفر أصحاب الهدفية كلامهم، وليسلموا معنا بأن الأدب فى ذاته، وبصرف النظر عن متلقيه، أى بمجرد صدوره يكون أدبا هادفا، وما عليهم إلا أن يقولوا أدبا تنطبق عليه- فنيا- كلمة أدب'.(32: 61)
فى حين رأى باحثون آخرون أنه لا يمكن الفصل بين الفن والأخلاق، فالعلاقة بينهما قائمة فى أكثر من موطن. (73: 305)، (88: 99)
وأول هذه المواطن يتصل بطبيعة العمل الفنى نفسه، فهو تعبير عن عواطف معينة، وهذه العواطف تحمل فى ذاتها مميزات أخلاقية، إذ من النادر وجود عاطفة خالية من الصبغة الخلقية، وما دام الشاعر- مثلا- لا يميت الضمائر، ولا يفسد العواطف، ولا يضعف الإرادة، فهو أخلاقى، أو على الأقل منسجم مع الأخلاق.
وثانى هذه المواطن أن التعبير عن هذه العواطف يريحنا منها، ويخلصنا من ضغطها علينا، وهو ما سماه أرسطو 'Aristoteles' (384- 322 ق.م) بالتطهير، وجعله مهمة الشعر الأصلية.
وتكاد تتضح علاقة الدين بالأدب فى ثلاث فرق: فرقة تتمسك بموقف القرآن والرسول والخلفاء فى قبول الشعر الذى يتفق وروح الإسلام، وترفض ما عداه، وتسقط قيمته الفنية فى معيارهم لخروجه على تعاليم الدين (يمثل هذه الفرقة ابن قتيبة (ت 276هـ). فى كتابه الشعر والشعراء، وأبو بكر الباقلانى (ت 403هـ). فى كتابه إعجاز القرآن، ومسكوية (ت 421هـ). فى كتابه تهذيب الأخلاق.
وفرقة ترى أن الدين ينبغى ألا يكون مقياسا للحكم على شاعرية الشعراء وقيمهم الفنية، فالشعر الذى توافرت له شرائط الفن الشعرى الرفيع ينبغى أن يوضع فى مرتبته، وإن خرج على القيم الدينية والأخلاقية؛ لأن هذا الخروج لا ينزل به عن درجته الفنية، ولا يسوغ رفضه، (ويمثل هذا الفريق: ابن سلام الجمحى (ت 231هـ). فى كتابه طبقات فحول الشعراء، وقدامة بن جعفر (ت 337هـ). فى كتابه نقد الشعر، والقاضى على بن عبد العزيز الجرجانى (ت 392هـ). فى كتابه الوساطة بين المتنبى وخصومه).
وفرقة أخرى تتأرجح بين هذه وتلك، فترى نظريا أن الشعر يضعف إذا دخل من باب الدين والخير، حتى إذا حان وقت التطبيق نفرت من كل شعر يخرج على قيم الدين ومواصفات الأخلاق. ويمثل هذه الفرق عبد الملك بن قريب الأصمعى (ت 215هـ). فى كتابه الأصمعيات. (41: 29)
واستخدام المدخل الأخلاقى فى تعليم الأدب تدعمه بعض الدراسات والبحوث المعاصرة منها ما يأتى:
أ-جماليات النص الشعرى للأطفال: (5)
تناولت هذه الدراسة متابعة لجهود اثنين وعشرين شاعرا مصريا وعربيا، قدموا خمسمائة وخمسة وعشرين نصا شعريا مكتوبا للأطفال فى خمسة وعشرين ديوانا، كما اشتملت الدراسة على ملحق للمراجعات احتوى على قراءة فى أربعة كتب.
'وانطلقت الدراسة من الرؤية الإسلامية الصافية التى تنمى فى صغارنا الإحساس والتذوق الجمالى للكون وللحياة وللإنسان، وتبث فيهم قيم الحق والخير والجمال'. (5: 4)
وتوصلت هذه الدراسة إلى نتائج، وظواهر، وملاحظات نوجزها فيما يأتى:
1- يعد التوظيف الشعرى للحديث النبوى الشريف خطوة متقدمة وهادفة على طريق النص الشعرى المكتوب للأطفال، وما زال المجال مفتوحا أمام شعرائنا لإقامة علاقات أدبية، وشعرية جديدة، واستثمار طاقات أوسع وأرحب من تلك التى قرأناها فى عدد كبير من الدواوين الشعرية المكتوبة للأطفال، كما إن المجال مفتوح لاستثمار حياة أبطال المسلمين وعلمائهم، عن طريق القصة الشعرية البسيطة، أو عن طريق الحوار البسيط بين شخصيتين، أو طفلين يتحدثان عن البطل، أو عن العالم وآثاره، ومؤلفاته والإضافات العلمية التى أضافها لعصره، وللعلم الذى تخصص فيه، وما إلى ذلك.
2- إن النصوص التى يقدمها الشاعر للأطفال يجب أن تحمل المعلومة والقيمة الإسلامية بالإضافة إلى القيمة الفنية والجمالية، ويجب أن تكون هناك حدود لا يتنازل عنها الشاعر، من أهمها: الموسيقى، وسهولة الألفاظ أو خفتها.
3- لا يستجيب الطفل لأفعال الأمر المباشرة؛ لأنه عنيد بطبعه، ويلزم عند التعامل معه نوع من المرونة والذكاء؛ كى يستجيب للنصح والإرشاد؛ لذلك فإن النص الذى يحتوى على كم كبير من هذه الأفعال يعد غير مناسب لمرحلة الطفولة.
4- تسهم القصائد الحوارية فى تعود الطفل على السلوك والتفكير الجماعيين والإنصات إلى آراء الاخرين، وتحفزه على التفكير، والرد بطريقة مناسبة تنمى فيه استقلال الشخصية، واحترام ذوات الآخرين الذين يتحدثون معه، كما تحاول ترسيخ مفهوم الصداقة بين الأطفال.
5- إن معظم النصوص المكتوبة للأطفال فى هذه المجموعات تمور بالحركة، والحيوية والنشاط، فمثلا: نرى الصغير يقوم من نومه، ويرتب أشياءه، ويعد حقيبته فى نشاط وحيوية.
6- من المآخذ الفنية على بعض النصوص طول السطر الشعرى بطريقة لا تتناسب مع الشعر الموجه للأطفال الذى من المفروض أن يكون سريع الإيقاع، ذا جمل قصيرة، وتقفية دائمة، حتى وإن كانت متنوعة.
7- إن النصوص المعاصرة التى قدمها الشعراء للأطفال لم تتناول الحقائق العلمية، والمنجزات، والاختراعات الالكترونية التى يراها الأطفال يوميا، ويتعاملون معها، ويحبون أن يشاهدوها، ويلمسوها، ويجلسوا إليها، خصوصا الحاسوب.
8- تلعب الأم والمدرسة أهم الأدوار فى صناعة ثقافة الطفل وقدراته الذهنية والعاطفية، وتتدخلان فى توجيهها وتشكيلها بقدر كبير، لذا فقد اهتم عدد كبير من الشعراء بهذين القطبين المؤثرين، وكتبوا عنهما الكثير من النصوص الشعرية.
9- تمثل الطبيعة عنصرا مهما فى شعر الأطفال، ويحرص جميع الشعراء الذين يكتبون للأطفال على أن ينهلوا من هذا العالم الغنى، وقد وجدنا مجموعات شعرية كاملة اتخذت من الطبيعة خلفية لها، أو مسرحا أو عالما محببا إلى الطفل.
10- من أهم الأساليب التى اعتمد عليها بعض الشعراء والمناسبة لسن الطفولة أسلوب التكرار، سواء تكرار المعنى، أو تكرار اللفظ، إن التكرار من شأنه المشاركة فى تأكيد المعنى الذى يتحدث به الطفل، كما يسهم فى إثراء الموسيقى بتكرار الأصوات كما هى، ولكن يجب عدم التوسع فى استخدام التكرار؛ حتى لا يفقد أهميته، كما يجب استخدامه عند الضرورة الفنية الملحة؛ حتى يكون إيجابيا ومؤثرا.
11- قد يكون من السهل على الطفل حفظ بيت الشعر أو الجملة الشعرية، ولكن سيكون من الصعب عليه فهم معناها ومغزاها، أو ما تهدف إليه، إذا امتلأت بالألفاظ الصعبة على الفهم، أو الصعبة فى النطق، أو الصور المركبة؛ لذا يلجأ بعض الشعراء إلى الشروح، والتعليقات على عدد كبير من المفردات الشعرية بهوامش الصفحات، وهذا يشير إلى عدم قدرة الشاعر على التقاط المفردة السهلة البسيطة المعبرة عن المعنى الذى يود إيصاله إلى قارئه.
12- على الرغم من سمو بعض الموضوعات- التى تناولها بعض الشعراء- وجديتها، فإنها تفتقد إلى المرح الطفولى، والبهجة، والبسمة العذبة، وكأنه لا مكان للمرح والضحك والأشياء الجميلة مثل الفراشات، والعصافير، والألوان فى عالم الطفل المسلم.
13- على الشاعر الذى يكتب للأطفال أن يتخلص من بعض الصور الشعرية المركبة التى من الصعب على الصغير أن يفهمها بسهولة، أو يدرك ما وراءها من معان، ودلالات مثل: (المسافات أوشكت أن تطير) و (الشاطئ بالسر يبوح) و (من رش على الشاطئ سحرا) و (يعود النبع إلى البحر كالحلم الرائع كالسحر) و (نقول للأشواق طيرى) وما إلى ذلك.
كما يجب على الشاعر- الذى يكتب للأطفال- الابتعاد عن المعانى المجردة التى يصعب على الطفل فهمها، مثل: العدالة، والقهر، والضياع، والحنين، والذكريات، وما إلى ذلك.
14- يرسم الشاعر الذى يكتب للأطفال عادة صورة جميلة ومتفائلة لبلاده، وللناس، وللأرض، وللوطن، وهو شئ مطلوب للأطفال من أجل زرع روح الثقة والتفاؤل والتعاون والمحبة والأمل فى نفوسهم، إننا لا نستطيع أن نقول إن الشاعر هنا يكذب، أو يجمل الواقع، أو يعطى صورة غير واقعية لوطنه، ولبلاده؛ ذلك أن لأدب الأطفال ولشعر الأطفال وظائفه، وخصائصه الإدراكية، واللغوية، والنفسية، وجمالياته التى إذا وعاها الشاعر، فإنه يحقق الكثير من النجاحات الأدبية، والتربوية.
15- بلغ عدد النصوص العمودية (350 نصا) بنسبة 66% من اجمالى النصوص التى بلغ عددها (525 نصا)، فى حين بلغ عدد النصوص التفعيلية (175 نصا) بنسبة 33% من إجمالى النصوص، أى أن عدد القصائد العمودية جاء مضاعفا لعدد القصائد التفعيلية.
ومن الدراسات الأجنبية المعاصرة الخاصة باستخدام المدخل الأخلاقى فى تعليم الأدب:
ب-تقصى الإرشاد الأخلاقى فى الأدب، تنمية لمعلمة اللغة الانجليزية قبل الخدمة80)
تناولت هذه الدراسة تنمية تفكير معلمة اللغة الانجليزية فى دراسة وتعليم الأدب، وهى دراسة أجريت على عينة من أربع عشرة معلمة، شاركن فى برنامج عنوانه: 'فهم الأدب لتعليمه'.
ولقد تمت مقابلتهن فى بداية برنامج الإعداد الخاص بهن فى الكلية، وكذلك فى نهايته، وقد غطت كل مقابلة ثلاثة الجوانب الآتية:
1- مفهومهن عن الأدب، متضمنا استجابتهن لبعض النظريات التحليلية لنص معين.
2- خبراتهن الأدبية من خلال الأسرة أو المدرسة.
3- أفكارهن عن تعليم الأدب من خلال نصوص معينة.
ودلت نتائج الدراسة على أن نمو الفرد بالنسبة للأدب يتوازى مع مراحل النمو العقلى، والأخلاقى.
ج-الدين كمصدر للقوة والضعف فى أدب الشباب: (79)
تناولت هذه الدراسة المحتوى الدينى فى كتابات الشباب وبينت نتائج هذه الدراسة أنه بالرغم من أن هذه الكتابات قليلة العدد نسبيا، فإنها كتابات أدبية قوية بما تحمله من قيم أخلاقية.
2-استخدام المدخل الفنى فى تعليم الأدب:
المدخل الفنى فى تعليم الأدب هو فن دراسة النصوص، والتمييز بين الأساليب المختلفة، يستعين بقواعد اللغة، وأصولها، وبلاغتها، فى فهم الأعمال الأدبية، متأثرا بجلال الألفاظ وجمال المعانى، ومرتبطا بالصور الخيالية، ودورها الفنى. (19: 194-200)، (14: 59)، (20: 141- 168)
وقد استخدمت بعض الدراسات المعاصرة المترجمة والأجنبية هذا المدخل فى تعليم الأدب، فمن الدراسات المعاصرة لتعليم الأدب باستخدام المدخل الفنى ما يأتى:
أ-تحليل النص الشعرى، بنية القصيدة: (42)
يقول مترجم هذه الدراسة: 'موضوع البحث فى هذا العمل الماثل أمام القارئ هو النص الفنى، النص الفنى كما هو فى ذاته، وبشكل أكثر تحديدا فإن محور اهتمامنا هو القيمة الفنية الخاصة التى تجعل ذلك النص مؤهلا لتحقيق وظيفة جمالية معينة، ولعل فى هذا وذاك مايشيرإلى معالم وحدود المدخل الذى اخترناه لهذه الدراسة'.(42: 21)
وقد ناقشت هذه الدراسة قضايا، وآراء تتعلق بتحليل النص الفنى مثل طبيعة الشعر، والمقطوعة الشعرية باعتبارها وحدة، وإشكالية الموضوع الشعرى، والحسن والردئ فى الشعر.


ويمكن تلخيص ما وصلت إليه هذه الدراسة فيما يأتى:
1- موضوعات الشعر ومعانيه شائقة ومعروضة فى الطريق، وليس الشعر إلا فن التعبير بالكلمة والعبارة، وإلا تساوى الشعر بوسائل الإعلام الأخرى، فليست الأهمية إذن للموضوع، لأنه- من وجهة نظر الفن- أدنى عناصر القصيدة؛ لأنه فى ذاته قاصر عن أن يصنع قصيدة مهما تناول من شئون الحياة، فالأساس القوى الذى تقوم عليه القصيدة الحديثة، ويمنحها القيمة الفنية اللائقة بها هو بناؤها بناء مناسبا.
2- لبناء القصيدة الحديثة وجهان: أحدهما خارجى، والآخر داخلى. فالبناء الخارجى يعنى بناء القصيدة بناءً متلاحم الأجزاء، متدامج المقاطع، بحيث لا يند جزء من أجزاء النص عن البناء الكلى.
3- أما البناء الداخلى فعناصره متنوعة وعديدة، أبرزها عنصرا: الصورة، والموسيقى.
4- المعايير التى يتحدد من خلالها البناء الخارجى للقصيدة هى:
أ-طول القصيدة، وقصرها من أبرز هذه المعايير، على أنه ينبغى ألا يفهم من قصر القصيدة قلة عدد أبياتها، وإنما المحك الفعلى فى قصر القصيدة يتمثل فى انتظامها داخل مستوى شعورى واحد، وضمن موقف عاطفى يسير باتجاه محدد وملموس، وبداهة إن القصيدة الطويلة هى التى اجتمعت فيها عدة مواقف شعورية، وخبرات فردية أو إنسانية متنوعة.
ب-مقدرة الشاعر على البناء هو الأساس فى اختيار الإطار الذى ينبغى أن يفرغ فيه الشعر.
ج-الوعى بالتجربة الشعرية من العناصر البارزة والمهمة فى حتمية اختيار الإطار وجودته.
د-المقدرة على التشكيل الداخلى؛ ليكون العمل الشعرى نسيجا متلاحما، تساوى فيه الكمال الخارجى بالكمال الداخلى، وتوازنت عناصر القصيدة من شكل وصور وموسيقى ولغة على نحو ظاهر من الإبداع.
هـ-لحظة التكثيف الشعورى من العوامل البارزة فى بناء القصيدة، ويقصد بها خلاصة الموقف الشعورى أو التجربة، وهذه اللحظة تختلف فى مكان تكثيفها من النص، فقد تكون فى بدايته، وقد تأتى فى الوسط، وغالبا ما تأتى هذه اللحظة فى نهاية القصيدة، ومن هنا تختلف أطر القصائد، وتشكيلاتها تبعا لاختلاف مكان لحظة التكثيف فى القصيدة.
5- من المعايير التى يتحدد من خلالها البناء الداخلى للقصيدة بناء الصورة الشعرية.
6- فى الشعر الحديث شاعت ثلاثة أنواع لبناء الصورة الشعرية، هى:
أ-الصورة المسطحة أو العريضة وهى التى تدور حول موضوعات مكانية كالمدينة، أو القرية، وتكون جزئياتها فى الغالب مستمدة من الإطار المادى للمكان، ومستوحاة عن طريق البصر.
ب-الصورة الممتدة أو الطولية، وهى الصورة التى تبنى بناءً طوليا، فتتحرك جزئياتها بشكل ممتد من أول الصورة إلى نهايتها، معتمدة على الحركة الزمنية كأساس فنى يمنح الصورة حيويتها، وامتلاءها. ومن أبرز خصائص هذا النوع من الصور أن الحركة الزمنية غير محددة، بحيث يمكن أن نتلمس الأبعاد الزمانية الثلاثة: الماضى، الحاضر، المستقبل فى وحدة واحدة.
كما أن هذا النوع من الصور لابد أن يتضمن 'شخصية' تتمحور الصورة حولها، ولاخلاف فى أن تكون هذه الشخصية أسطورية أو واقعية، إنما المهم أن تتحرك هذه الشخصية وفق التغيرات النفسية والتجارب المختلفة التى تعكسها، ولابد من وجود حادثة معينة تكون نقطة البدء فى انطلاق الشخصية أو تحركها، بحيث تنمو الصورة من خلال عملية الانطلاق نموا متدرجا متصاعدا.
ج-الصورة المزدوجة، وهى الصورة التى ترتكز فى بنائها إلى مظهرين متناقضين من مظاهر الحياة المختلفة فيأخذ كل مظهر مجرى شعوريا، وصوريا معينا، بحيث ينمو المظهران فى خطين متوازيين داخل إطار الصورة الكبير، وتزدوج الصورة الشعرية فى صورتين احداهما نقيض للأخرى.
7- معايير صياغة الصورة، وبنائها هى:
أ-قدرة الشاعر على استخدام الأدوات البيانية المعروفة كالتشبيه، والاستعارة، والكناية، بحيث يلتحم الجانب الحسى للصورة بالجانب الدلالى لها، فتكون هذه الأدوات وسيلة ملموسة للكشف عن المعطيات النفسية والذهنية غير الملموسة، والمرفوض فى الأدب المعاصر أن تقف الصورة جامدة عند التعبير الحسى، وتعجز عن تجسيم الفكر والمشاعر تجسيما تتضح من خلاله الرؤية الشعرية السليمة فى تحديد البعد النفسى والإفصاح عنه.
ب-لا يفترض فى الصورة أن تأتى موافقة لطبيعة المكان الذى تتحدد من خلاله، إن الصورة التى تقف عندما يسمى 'بالنقل الأمين' للمكان ليست سوى تسجيل فوتوغرافى له، وهى أقرب إلى التصوير السينمائى الذى ينقل المشهد منه إلى التصوير التعبير الذى ينقل المشاعر، والأحاسيس، فالشاعر حين يرسم صورة شعرية، فإنه يرسمها وفقا لشعوره وارتباطه النفسى بها، وليس وفقا للمكان المعين الذى تقع فيه، بمعنى آخر أن الشاعر غير ملزم 'بموضوعية' المكان.
ج-إدراك مجالات الإيحاء فى تراكيب الصورة، بحيث لا تقف عند تفسير محدد، فالصورة الجيدة هى التى تجاوزت الدلالات القريبة إلى دلالات أشد عمقا وتأثيرا، فمن مبادئ فهم الصورة الشعرية أنه ليست هناك قيم ثابتة للصورة الشعرية، وإنما تتحدد قيمها وفقا للسياق الفنى الذى تتركب فيه، وتشكل من خلاله، وأجود الصور ما نقل المشاعر من نفس إلى نفس، وما ترك للمتلقى حرية البحث والتنقيب عن سائر دلالات الصورة، وقيمها الجمالية، والرمزيون فى الشعر الحديث يعنون بالتعمق فى تصوير المعانى اللامحدودة، ويتأنقون فى اختيار الألفاظ والصور ذات الإشعاع والإيحاء المتنوع؛ لأن الكلمة المحجبة توحى فى موقعها وقراءتها بأجواء نفسية رحيبة، تعبر عما يقصر التعبير عنه، وتفيد ما لا تفيد فى أصلها الوضعى النفعى، فتصبح كلمة 'غروب' مثلا مبعثا لصور وجدانية مصحوبة بانفعالات داخلية، كمصرع الشمس الدامى، والألوان الغاربة الهاربة، والشعور بالزوال، والانقباض، وانطماس معالم الحياة، وإثارة الشكوك، وما إليها.
وبسبب هذه الرمزية، وبسبب مظاهر الإيحاء المفروضة على الشاعر ظهر العنصر القصصى واضحا فى معظم الأشعار؛ لأنه فى هذا العنصر يتوافر الإيحاء أكثر من الحقائق التقريرية ذات النبرة الخطابية الشائقة فى كثير من الشعر القديم.
8- معايير البناء الموسيقى فى القصيدة هى:
أ-القاعدة التى يقوم عليها وزن الشعر ضمن الإطار الموسيقى المنظم له هى 'التفعيلة'. بمعنى أن النظام الموسيقى الجديد هو نظام التفعيلة بدل نظام الشطرين فى الشعر القديم، غير أن القاعدة الجديدة لاستخدام التفعيلة اختلفت من حيث 'الكم' عن القاعدة القديمة لاستخدام البحر، فللشاعر الحرية فى أن يختار العدد المناسب للتفعيلة داخل السطر الشعرى الواحد، فقد يقتصر هذا العدد على تفعيلة واحدة، وقد يطول حتى يصل إلى تسع تفعيلات، حيث يرتبط ذلك بالحالة النفسية للشاعر، وبالدفقة الشعورية التى لا تتم إلا بعدد معين من التفعيلات، يراه الشاعر أنه الأنسب لحالته.
ب-لا يجوز للشاعر أن يستخدم تفعيلة مغايرة للتفعيلة الأساسية سواء فى السطر الشعرى الواحد، أو فى الأسطر الأخرى؛ لأن ذلك يؤدى إلى اختلاف النغمة الموسيقية.
ج-الوحدة الحقيقة هى وحدة الشعور والإحساس، ويجب تطويع الكلمات والتعبيرات؛ لتلائم الفكرة فى التجربة أو الشعور المختمر؛ ولهذا لابد من تحطم القوالب الرتيبة لتتغير الوحدة الموسيقية مع تغير العبارة، وتتنوع بتنوع الإحساس.
ب-الرومانسية النظامية: المؤسسات الوطنية والسلطة الأدبية: (64)
تناولت هذه الدراسة مناقشة الدور المتزايد لبعض الهيئات الأدبية التى وجدت فى بريطانيا فى الفترة من 1815م. إلى 1849م، حيث حثت أفرادها على الخيال الخصب، وتطبيق الأشكال الرومانسية.
وخلصت الدراسة إلى أن مثل هؤلاء الكتاب ليسوا حالات محترفة، لكن بالأحرى هم تلبية لدور اجتماعى قبل أن يكونوا تلبية لدور فنى.
ج-الترابط فى معالجة وتحليل الصور: النظرية واستخدامها (بمقاييس متعددة وتطبيقاتها) (47):
تناولت هذه الدراسة معالجة وتحليل مفاهيم كلاسيكية قدمت عن التخيل، وزودت بأمثلة تطبيقية. وتوصلت هذه الدراسة إلى استراتيجية لتعليم التخيل، تقوم على تكامل بعض الصور الخيالية.
3-استخدام المدخل النفسى فى تعليم الأدب:
إذا كان أنصار المدخل الفنى فى تعليم الأدب قد رأوا وجوب النظر إلى الأدب على أنه مجرد نشاط لغوى استاطيقى يطلب لذاته، بمقاييس، تستمد منه هو، ولا تهتم بحياة الشاعر، وتجاربه الشخصية، ولا بموقفه من مجتمعه، ولا بحقيقة نزعاته ومقاصده، ورغباته، ومآزقه، وأزماته، فإن أنصار المدخل النفسى فى تعليم الأدب قد ركزوا على العلاقة بين النص الأدبى ونفس مبدعه. (27: 27-41)
على أن هذا الاتجاه اتسع مفهومه فى العصر الحديث بعد أن ظهرت نتائج دراسات الفرويديين فى اللغة، والباطن، كذلك بعد أن أفاض أتباع 'يونج Young' فى الحديث عن الأسطورة والرمز، فمن يتصدى للتفسير النفسى عليه أن يدرك بواعث الإبداع الفنى الحقيقية، ومن أهمها إدراكه لعبقرية الفنان، وأنه إنما يبدع فنه بعد معاناة طويلة، يستظهر من خلالها الرغبات المكبوتة فى اللاشعور، ويتخذ الرموز وسيلة للتنفيس عن هذه الرغبات، وتلك مرحلة الفهم التى ينبغى وعيها وإدراكها، فكلما عمقنا هذه المرحلة، ووسعنا أبعادها، كان ذلك أحرى أن يكشف لنا المزيد من القيم التى ينطوى عليها العمل الأدبى.
ومعظم الدراسات النفسية فى تفسير الأدب لدى الغربيين تدور فى إطار واحد، وهو تساؤلهم عن منبع الإبداع فى العمل الأدبى، وتفسيره، وكيف تتم هذه العملية؟ وهل النرجسية أو الإفراط فى حب الذات يؤدى إلى ذلك؟
إن منبع الإبداع لدى عالمى النفس المشهورين: 'فرويد ويونج Freud, and Young' هو اللاشعور، ولكن هذين العالمين يفترقان حول دواعى اللاشعور، ومؤثراته، فيرى 'فرويد Freud' أن معظم اللاشعور مكتسب، فردى، مكبوت، يرد صاحبه إلى زمن الطفولة، والانفعالات العنيفة، وذكرياته عن أول محاولة للإبداع، وما عساه ما لقى من تشجيع أو تأنيب، ونوع علاقته بالأسرة، وبعض سلوكه الشخصى، وهل وفق أو أخفق؟ ، وما نصيب الأم فى تحديد هذه النتيجة؟ ثم يمضى فرويد فى تعليل ظواهر السلوك الحاضر بأحداث الطفولة، وما خلفت من أمراض، وعقد أوديبية، والكتراوية.(*)
أما اللاشعور عند 'يونج Young' فهو قسمان: اللاشعور الفردى، واللاشعور الجمعى، وهو الأهم عند 'يونج Young' لأنه مصدر الإبداع فى نظره، وهو يمثل مجموعة التجارب الإنسانية التى انحدرت إلينا من الأجداد والآباء، فكما نرث عن الآباء والأجداد صفات بيولوجية، نرث عنهم صفات نفسية أيضا، والفنان هو القادر على استظهار هذه الصفات فى أعماله الفنية، أما العاديون من الناس فيستظهرونها عن طريق الأحلام مثلا، ومهمة اللاشعور الجمعى تعويضية؛ فحين تنهار رموز المجتمع الحية، وتتابع الأزمات الاجتماعية، يتحرك اللاشعور الجمعى لإعادة التوازن الجمعى، فمهمته تعويضية.
وتفسير عملية الإبداع ترتكز عند 'يونج Young' على الإسقاط الذى يعتمد فيه الفنان على الحدس، فيشرق عليه كل شئ فى ومضة سرعان ما يناقشها اللاشعور، فيحولها إلى موضوعات خارجية يمكن أن يتأملها الآخرون.
أما 'فرويد Freud' فيركز على التسامى كأساس فى عملية الإبداع، والتسامى- فى نظر فرويد- هو استبدال الهدف الشبقى، أو تحويله إلى أهداف جديدة أرفع قيمة من الناحية الاجتماعية، ومجردة عن الغايات الجنسية. يؤدى التسامى عندئذ إلى إظهار العبقرية والامتياز، ويصل الفنان إلى التشبع أو التنفيس أو إلغاء التوتر. (36: 212- 231).
ونظرا لأن الأدب استجابات لدواعى نفسية معينة، يتحكم فيها الزمان، والمكان، فما زالت بعض الدراسات الأجنبية المعاصرة تستخدم المدخل النفسى فى تعليم الأدب فى محاولات لدراسته، وتفسيره، وتقويمه من خلال تلك الاستجابات، ومن الدراسات الأجنبية المعاصرة التى استخدمت المدخل النفسى فى تعليم الأدب الدراسات الآتية:
أ-'أثر استجابات الطلاب المكتوبة كمسودات على كتابتهم، وعلى منطقة ما يتعلق بالأدب' (65)
تناولت هذه الدراسة الكيفية التى أعاد بها الطلاب- فى الصفين: التاسع، والحادى عشر- صياغة تحليلاتهم الكتابية المبدئية لقصتين قصيرتين من مراجعات تتم عن طريق تعليقات كتابية مستخدمة كمسودات.
ولقد دلت نتائج الدراسة على وجود تأثير واضح لظروف الاستجابة ولمستوى الصف.
ب-أدب الأقليات فى دوريات علم النفس والتربية: (94)
تناولت هذه الدراسة تحليلا لعينة من الكتابات الأدبية الخاصة بقضايا أقلية السود- المنشورة فى بعض الصحف التربوية فى الفترة من 1952م إلى 1973م.
وتوصلت الدراسة إلى أن أكثر المشكلات التى تعانيها أقلية السود هى ذات بعد نفسى كان مبثوثا فى الكتابات الأدبية المنشورة (عينة البحث).
ج-دع الطائر السجين يغرد: 'استخدام الأدب فى تعليم علم نفس النمو': (46)
تناولت هذه الدراسة مناقشة لتطور علم النفس من خلال شرح قصيدة ' دع الطائر السجين يغرد ' 'لمايا أنجليو Maya Angelou' وانتهت الدراسة إلى إمكانية استخدام الأدب فى تعليم علم النفس النمو.
4-استخدام المدخل الاجتماعى فى تعليم الأدب:
لقد برز استخدام المدخل الاجتماعى فى تعليم الأدب فى بداية القرن التاسع عشر، حين تغلبت النظريات الاشتراكية والرأسمالية على النظم الاقتصادية والاجتماعية فى العالم العربى، فظهرت طبقة من الأدباء ترى أن الأدب فى خدمة المجتمع، أو هكذا ينبغى أن يكون. (36: 34-38)
والأدب الاجتماعى أدب بعيد عن التنميق، ومتصل بالواقع أتم الاتصال، وإذا كان علم الاجتماع الأدبى يدرس أشكال النشاط المتبادل بين كل الأشخاص الذين يتدخلون فى عالم الأدب، فإن الأدب الاجتماعى يفسر نوعيا كيف أن الكتابة حدث ذو طبيعة اجتماعية تبعا لفلسفة كل أديب، وفهمه يتوقف عرضه لدور المجتمع عاملا حاسما أو مرافقا فى قيمة الإبداع الأدبى. (44: 7-11)
والمدخل الاجتماعى يرى الأدب فى المجتمع، ويمكن أن يدرس المجتمع بعناية من خلال خطط ثلاث هى:
أ-المجتمع الواقعى، حيث ظهر الكاتب، وحيث أنتج عمله.
ب-المجتمع الذى ينعكس مثاليا فى نطاق العمل نفسه.
ج-انعكاس العمل نفسه على ضمير القراء الاجتماعى.
والأدب الحقيقى واقعى- لدى بعض أنصار المنهج الاجتماعى، وهم الروائيون الواقعيون- ويعرض فى شكل نماذج للالتحام العضوى بين الفرد والنمو التاريخى والاجتماعى. (29: 238)
ومن الدراسات الأجنبية المعاصرة التى استخدمت المدخل الاجتماعى فى تعليم الأدب الدراسات الآتية:
أ-تدريس الأدب الدينى كأدب اجتماعى: استراتيجيات من أجل التعليم العام' (57)
وقد تناولت هذه الدراسة السياقات المناسبة لتدريس الأدب الدينى، كأدب على مستوى طلاب المرحلة الثانوية، والجامعية؛ لإدراك القيم المختلفة التى تعكسها النصوص الدينية، ومدى صلتها بالمجتمع.
كما بينت هذه الدراسة بعض الخطوات لممارسة التدريس التى تحترم- غالبا- عادات، وتقاليد الطلاب الدينية.
وتوصلت الدراسة إلى أن المضمون فى العمل الأدبى يوجب إبراز القيم الاجتماعية فى النصوص الدينية.
ب-تعليم الأدب بقصد خلق مجتمع محب لخير البشر جميعا: (87)
تناولت هذه الدراسة الأدب باعتباره مرآة للمجتمع، يتضمن بعض المشكلات الاجتماعية، ويقترح حلولا لها.
وتوصلت هذه الدراسة إلى استراتيجية لتعليم النصوص الأدبية جاعلة إياها نصوصا اجتماعية؛ لتكون دروسا لتعليم أدب نحو مجتمع إنسانى.
ج-كشف المقدرة عند حافة الأدب والمجتمع: (45)
تناولت هذه الدراسة تحليلا للمفاهيم الأدبية والثقافية الواردة فى بعض كتابات من الأدب الحديث؛ لدراسة مدى علاقتها بالمجتمع.
ودلت نتائج التحليل فى هذه الدراسة على عدم ارتباط الأبعاد الثقافية للمجتمع بما ورد فى الأدب من مفاهيم.
وفى ضوء ما سبق تتبين أهمية استخدام المدخل الاجتماعى فى تعليم الأدب، ولكن جماعة من الواقعيين قد بالغوا فى رسالة الأدب الاجتماعية، واتخذوا من بعض أجناس الأدب، كالقصة مثلا، وسيلة دعاية لفكرهم السياسى والأدبى، يخدعون بها الدهماء، ويضللون البسطاء من عامة الشعب. (81: 19-25)
كما يجب ألا يحجم الأدب الاجتماعى فى موضوعات البؤس، والحرمان والظلم المتكرر- كما يفعل الواقعيون- كى نصل إلى مبدأ التغيير والإصلاح؛ فلربما استجابت النفس لآليات كيفية تطويرها أسرع من استجابتها لما يدخل الحزن والأسى عليها.

مناقشـــة:
فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة- الخاصة بتعليم الأدب يمكن تصنيف أنصار المداخل المستخدمة فى تعليم الأدب إلى أسرتين طبقا لما يؤمنون به: 'الفن النافع' أو 'الفن للفن'، وإلى الأسرة الأولى ينتمى الواقعيون، والاجتماعيون، والعلميون- مع مواقف تعليمية، وأخلاقية، وغائية- وإلى الأسرة الثانية ينتمى البرناسيون، والرمزيون، والجماليون، والمثاليون. (51: 243)، (84: 165)
فقد رأى أنصار 'الفن النافع' أن الأدب يظهر سجلا لشئ محدد فى بناء مفروض موضوعيا، وينتمى إلى عالم الموضوعات الواقعية التى توجد خارج الشعور، وكلنا ندركها.
ولتأكيدهم وجود الأدب واقعيا فى نطاق عالم واقعى كانت المبالغة فى وظيفة الإنسجام والتكيف مع البيئة، وساد مستوى المحاكاة تفسيرا، وحكما، لما يتضمنه من مواد أيديولوجية، ولغوية، واجتماعية، وسياسية، وغيرها.
وقد رأى أنصار 'الفن للفن' أن مركز الجاذبية فى معرفة الأدب فى الفاعل الذى يعرف، وليس فى الموضوع المعروف، والأدب شئ يقع فى الضمير، ضمير الكاتب أو ضمير القارئ، ويدرك الأدب داخليا.
وقد اتجه هؤلاء نحو المتعة أو الرأى الجمالى الخالص، وكما يبالغ أنصار 'الفن النافع' فى قيمة التكيف مع البيئة، وقيمة الغرض، يبالغ أنصار 'الفن للفن' فى القيمة التصويرية، والتعبيرية، وتحليل النص نقطة الانطلاق نحو أى بحث موسع، ويسمى هذا التحليل 'داخليا' لأن النصوص هى الأكثر بؤرا فى عالم الأدب، وكل ما عدا ذلك، من الطبيعة والمجتمع والتاريخ، وحتى حياة الكاتب نفسها تقع فى الجانب الخارجى من الأدب.
ويبدو لنا أن الأدب ليس شيئا موضوعيا فقط- كما رأى النفعيون- ولا صور ذاتية فقط- كما رأى الذاتيون، وإنما هو تعبير مطروح، ألقى به فى الحياة التاريخية إحساس إنسانى معين فى لغة علمية، تحقق تكاملا بين معنى العمل الأدبى ومدى صلاته بالزمن الذى عاش الكاتب فيه.
ويدعم الشاعر والروائى والمسرحى قيما تكونت فى ضميره، وهو يرقب إمكانات أفقه الاجتماعى، ومدى تطوره.
واستخدام المدخل التكاملى فى تعليم الأدب لا يحصر العمل الفنى فى محاكاة الأشياء الخارجية فقط، كما هو الحال عند أنصار 'الفن النافع'، ولا فى حدس خالص، كما هو الحال عند أنصار 'الفن للفن' وإنما فى تعبير انعكاسى، إيجابى، متكاملا فى المحورين الموضوعى والذاتى.
إن العمل الأدبى بناء، وخطة يعيد القارئ خلقهما، والتحليل البنيوى لهذا العمل يجعلنا نشارك إنسانا ما فى إحساسه الفعال، وتاريخه، وطريقته فى تشكيل العالم.
إن المدخل التكاملى فى تعليم الأدب مدخل يستخدم لدراسة الأدب موضوعيا عن طريق الفهم لكل ما يدخل فى أسلوب التعبير المكتوب ويهتم بإبداع عمل ما فى كل أطوار تحقيقه. (72: 27-29)
ومن ثم لجأ كثير من الباحثين إلى تطوير مناهج اللغة، وطرق تعليمها من خلال الأدب، وكان من الاتجاهات الحديثة فى تعليم اللغة تعليمها من خلال الأدب. وفيما يلى بيان ذلك فى ضوء الدراسات والبحوث المعاصرة فى هذا المجال.
من الاتجاهات الحديثة فى تعليم اللغة تعليمها من خلال الأدب

من أحدث الدراسات العربية التى تمت إجازتها قبيل كتابة هذا البحث دراسة عنوانها: 'تطوير منهج اللغة العربية فى الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية فى مصر'. (6)
وهى دراسة استهدفت تطوير منهج اللغة العربية من خلال إعداد منهج مقترح فى اللغة العربية قائم على مدخل الأدب لأطفال الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية فى مصر (6: 132-165)
وتحددت مشكلة الدراسة فى ضعف تلاميذ الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية فى مهارات اللغة العربية الخاصة بالتعرف والنطق والفهم.
ولدراسة هذه المشكلة اتبعت الباحثة الخطوات الآتية:
1- تحديد المدخل الحديث فى تعليم مهارات اللغة العربية للمبتدئين.
2- إعداد برنامج مقترح لتعليم مهارات اللغة العربية للصفوف الثلاثة الأولى قائم على مدخل أدب الأطفال.
3- بناء كتاب فى اللغة العربية للصف الأول الابتدائى قائم على مدخل الأدب.
4- تجريب بعض دروس الكتاب المقترح على مجموعة من تلاميذ الصف الأول الابتدائى.
5- تحليل بيانات التجريب إحصائيا.
وقد أظهرت النتائج فاعلية البرنامج الذى تم تجريبه القائم على مدخل أدب الأطفال فى تعليم مهارات: التعرف والنطق والفهم للصف الأول الابتدائى، ساهم فى ذلك اختيار نصوص شعرية، وحكايات ملائمة لسن الأطفال، وكذلك دليل المعلم الذى برزت فيه التوجيهات اللازمة لتنفيذ وتقويم التدريس الذى يعتمد على مدخل أدب الأطفال.
وإذا كانت الدراسة السابقة هى أحدث الدراسات العربية المعاصرة فى مجال استخدام الأدب لتعليم كافة فروع اللغة العربية حتى تاريخ كتابة هذا البحث، فإن دراسات وبحوثا عديدة أخرى قد أظهرت نتائجها إمكانية تعليم كافة فروع اللغة من خلال الأدب، وفيما يلى بيان ذلك بإيجاز:
1-بعض الدراسات والبحوث المعاصرة الخاصة باستخدام الأدب فى تعليم القراءة:
أ-قراءة وكتابة الأنواع الأدبية: (49)
تناولت هذه الدراسة تعليم القراءة والكتابة للأطفال لبناء المعنى من خلال الأنواع الأدبية الآتية:
1- بعض القصص الواقعية.
2- بعض القصص الخرافية.
3- بعض كتيبات عن السير.
وبينت نتائج هذه الدراسة أن نشاطات الأطفال كانت أكثر ايجابية فى القصص الواقعية من حيث تعليمهم بناء المعنى قراءة، وكتابة.
ب-تعليم القراءة الناقدة من خلال الأدب: (56)
تناولت هذه الدراسة استراتيجية لتعليم القراءة الناقدة من خلال الأدب عن طريق التدريب على التحليل والربط بين المعلومات، وإيجاد ما بينها من علاقات متميزة، واستخدام الأسلوب العلمى فى تحديد المشكلة وايجاد ومناقشة مجموعة من الحلول البديلة، وتقييم النتائج.
وبينت نتائج هذه الدراسة استراتيجية لتعليم القراءة الناقدة من خلال الأدب، وقدمت بعض نماذج تطبيقية لها فى دليل للمعلم، وكتيب لطالب الصف الأول من المرحلة الثانوية.

ج-فهم المعلم لفهم الطالب: فهم ثلاثة معلمين لاستجابة طلابهم للأدب: (68)
تناولت هذه الدراسة طريقة تفكير الطالب فى قراءته النص الأدبى، ومدى فهم المعلم لهذه الطريقة.
وناقشت الدراسة سياقات لفحص الأشياء الناتجة عن فهم الطالب، والأدوات التى تربط بين ما تعلمه بالتدريب داخل الفصل.
وبينت نتائج هذه الدراسة وجود حاجة ملحة إلى إعادة بناء محتويات الموضوعات الأدبية، لتراعى تفكير الطالب فى قراءته هذه الموضوعات.
كما بينت نتائج هذه الدراسة وجود علاقة ارتباط موجبة بين فهم المعلم لطريقة تفكير الطالب فى النص الأدبى، وتعلم الطالب قراءة النص الأدبى.

2-بعض الدراسات والبحوث المعاصرة الخاصة باستخدام الأدب فى تعليم التعبير:
أ-التعبير التحريرى والأدب: الآن نحن نتحدث إلى شخص آخر: (97)
تناولت هذه الدراسة التعبير التحريرى لدى الآخر العصرى الذى كاد أن يهجر التراث المحلى، ومما اتسم به تعبيره التحريرى أن لغته أكاديمية تختلف عن لغة التراث المحلى.
وتوصلت الدراسة إلى أن استراتيجية تعليم التعبير التحريرى من خلال الأدب تخلو من وجود مساحة مشتركة لمعالجة المفردات والتراكيب اللغوية بما يسمح بالحوار والتفاهم مع التراث المحلى.
ب-الكتابة فى مناهج الدراسات العليا: النقد الأدبى كمادة للتعبير: (93)
حاولت هذه الدراسة الكشف عن نقطة الاتصال بين النظرية والممارسة فى منهج بعض الخريجين الذى اتبعوه فى تعبيراتهم التحريرية فى إعدادهم بعض المباحث أو الفصول الأدبية.
وتوصلت هذه الدراسة إلى أن منهج هؤلاء الخريجين الذى اتبعوه فى كتاباتهم بعض المباحث أو الفصول الأدبية قد شابه سلبيات منها: التقليد، وعدم ثراء

البندري
12-27-2005, 07:57 PM
أمير الشعراء أحمد شوقي
كان الشعر العربي على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تبث فيه الحركة والحياة، وتعيد له الدماء في الأوصال، فتتورد وجنتاه نضرة وجمالاً بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن البدن، خامل الحركة، كليل البصر. وشاء الله أن يكون 'البارودي' هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية. ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره- وإن كان له فضل السبق والريادة- فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال: إسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم، وأحمد نسيم، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري. وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضى واختيار، فقد ملأ الدنيا بشعره، وشغل الناس، وأشجى القلوب. المولد والنشأة أحمد شوقي ولد أحمد شوقي بحي الحنفي بالقاهرة في (20 من رجب 1287 هـ = 16 من أكتوبر 1870م) لأب شركسي وأم من أصول يونانية، وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل، وعلى جانب من الغنى والثراء، فتكفلت بتربية حفيدها ونشأ معها في القصر، ولما بلغ الرابعة من عمره التحق بكُتّاب الشيخ صالح، فحفظ قدرًا من القرآن وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية، وأظهر فيها نبوغًا واضحًا كوفئ عليه بإعفائه من مصروفات المدرسة، وانكب على دواوين فحول الشعراء حفظًا واستظهارًا، فبدأ الشعر يجري على لسانه.

وبعد أن أنهى تعليمه بالمدرسة وهو في الخامسة عشرة من عمره التحق بمدرسة الحقوق سنة (1303هـ = 1885م)، وانتسب إلى قسم الترجمة الذي قد أنشئ بها حديثًا، وفي هذه الفترة بدأت موهبته الشعرية تلفت نظر أستاذه الشيخ 'محمد البسيوني'، ورأى فيه مشروع شاعر كبير، فشجّعه، وكان الشيخ بسيوني يُدّرس البلاغة في مدرسة الحقوق ويُنظِّم الشعر في مدح الخديوي توفيق في المناسبات، وبلغ من إعجابه بموهبة تلميذه أنه كان يعرض عليه قصائده قبل أن ينشرها في جريدة الوقائع المصرية، وأنه أثنى عليه في حضرة الخديوي، وأفهمه أنه جدير بالرعاية، وهو ما جعل الخديوي يدعوه لمقابلته. السفر إلى فرنسا وبعد عامين من الدراسة تخرّج من المدرسة، والتحق بقصر الخديوي توفيق، الذي ما لبث أن أرسله على نفقته الخاصة إلى فرنسا، فالتحق بجامعة 'مونبلييه' لمدة عامين لدراسة القانون، ثم انتقل إلى جامعة باريس لاستكمال دراسته حتى حصل على إجازة الحقوق سنة (1311هـ = 1893م)، ثم مكث أربعة أشهر قبل أن يغادر فرنسا في دراسة الأدب الفرنسي دراسة جيدة ومطالعة إنتاج كبار الكتاب والشعر. العودة إلى مصر عاد شوقي إلى مصر فوجد الخديوي عباس حلمي يجلس على عرش مصر، فعيّنه بقسم الترجمة في القصر، ثم ما لم لبث أن توثَّقت علاقته بالخديوي الذي رأى في شعره عونًا له في صراعه مع الإنجليز، فقرَّبه إليه بعد أن ارتفعت منزلته عنده، وخصَّه الشاعر العظيم بمدائحه في غدوه ورواحه، وظل شوقي يعمل في القصر حتى خلع الإنجليز عباس الثاني عن عرش مصر، وأعلنوا الحماية عليها سنة (1941م)، وولّوا حسين كامل سلطنة مصر، وطلبوا من الشاعر مغادرة البلاد، فاختار النفي إلى برشلونة في إسبانيا، وأقام مع أسرته في دار جميلة تطل على البحر المتوسط. شعره في هذه الفترة ودار شعر شوقي في هذه الفترة التي سبقت نفيه حول المديح؛ حيث غمر الخديوي عباس حلمي بمدائحه والدفاع عنه، وهجاء أعدائه، ولم يترك مناسبة إلا قدَّم فيها مدحه وتهنئته له، منذ أن جلس على عرش مصر حتى خُلع من الحكم، ويمتلئ الديوان بقصائد كثيرة من هذا الغرض. ووقف شوقي مع الخديوي عباس حلمي في صراعه مع الإنجليز ومع من يوالونهم، لا نقمة على المحتلين فحسب، بل رعاية ودفاعًا عن ولي نعمته كذلك، فهاجم رياض باشا رئيس النُظّار حين ألقى خطابًا أثنى فيه على الإنجليز وأشاد بفضلهم على مصر، وقد هجاه شوقي بقصيدة عنيفة جاء فيها: غمرت القوم إطراءً وحمدًا وهم غمروك بالنعم الجسام خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا أضيف إلى مصائبنا العظام لهجت بالاحتلال وما أتاه وجرحك منه لو أحسست دام وبلغ من تشيعه للقصر وارتباطه بالخديوي أنه ذمَّ أحمد عرابي وهجاه بقصيدة موجعة، ولم يرث صديقه مصطفى كامل إلا بعد فترة، وكانت قد انقطعت علاقته بالخديوي بعد أن رفع الأخير يده عن مساندة الحركة الوطنية بعد سياسة الوفاق بين الإنجليز والقصر الملكي؛ ولذلك تأخر رثاء شوقي بعد أن استوثق من عدم إغضاب الخديوي، وجاء رثاؤه لمصطفى كامل شديد اللوعة صادق الأحزان، قوي الرنين، بديع السبك والنظم، وإن خلت قصيدته من الحديث عن زعامة مصطفى كامل وجهاده ضد المستعمر، ومطلع القصيدة: المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والدان يا خادم الإسلام أجر مجاهد في الله من خلد ومن رضوان لمّا نُعيت إلى الحجاز مشى الأسى في الزائرين وروّع الحرمان وارتبط شوقي بدولة الخلافة العثمانية ارتباطًا وثيقًا، وكانت مصر تابعة لها، فأكثر من مدح سلطانها عبد الحميد الثاني؛ داعيًا المسلمين إلى الالتفات حولها؛ لأنها الرابطة التي تربطهم وتشد من أزرهم، فيقول: أما الخلافة فهي حائط بيتكم حتى يبين الحشر عن أهواله لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم فمصيبة الإسلام من جُهّاله ولما انتصرت الدولة العثمانية في حربها مع اليونان سنة (1315هـ = 1987م) كتب مطولة عظيمة بعنوان 'صدى الحرب'، أشاد فيها بانتصارات السلطان العثماني، واستهلها بقوله: بسيفك يعلو والحق أغلب وينصر دين الله أيان تضرب وهي مطولة تشبه الملاحم، وقد قسمها إلى أجزاء كأنها الأناشيد في ملحمة، فجزء تحت عنوان 'أبوة أمير المؤمنين'، وآخر عن 'الجلوس الأسعد'، وثالث بعنوان 'حلم عظيم وبطش أعظم'. ويبكي سقوط عبد الحميد الثاني في انقلاب قام به جماعة الاتحاد والترقي، فينظم رائعة من روائعه العثمانية التي بعنوان 'الانقلاب العثماني وسقوط السلطان عبد الحميد'، وقد استهلها بقوله: سل يلدزا ذات القصور هل جاءها نبأ البدور لو تستطيع إجابة لبكتك بالدمع الغزير ولم تكن صلة شوقي بالترك صلة رحم ولا ممالأة لأميره فحسب، وإنما كانت صلة في الله، فقد كان السلطان العثماني خليفة المسلمين، ووجوده يكفل وحدة البلاد الإسلامية ويلم شتاتها، ولم يكن هذا إيمان شوقي وحده، بل كان إيمان كثير من الزعماء المصريين. وفي هذه الفترة نظم إسلامياته الرائعة، وتعد قصائده في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أبدع شعره قوة في النظم، وصدقًا في العاطفة، وجمالاً في التصوير، وتجديدًا في الموضوع، ومن أشهر قصائده 'نهج البردة' التي عارض فيها البوصيري في بردته، وحسبك أن يعجب بها شيخ الجامع الأزهر آنذاك محدث العصر الشيخ 'سليم البشري' فينهض لشرحها وبيانها. يقول في مطلع القصيدة: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم ومن أبياتها في الرد على مزاعم المستشرقين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بحد السيف: قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم جهل وتضليل أحلام وسفسطة فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم ويلحق بنهج البردة قصائد أخرى، مثل: الهمزية النبوية، وهي معارضة أيضًا للبوصيري، وقصيدة ذكرى المولد التي مطلعها: سلوا قلبي غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابًا كما اتجه شوقي إلى الحكاية على لسان الحيوان، وبدأ في نظم هذا الجنس الأدبي منذ أن كان طالبًا في فرنسا؛ ليتخذ منه وسيلة فنية يبث من خلالها نوازعه الأخلاقية والوطنية والاجتماعية، ويوقظ الإحساس بين مواطنيه بمآسي الاستعمار ومكائده. وقد صاغ شوقي هذه الحكايات بأسلوب سهل جذاب، وبلغ عدد تلك الحكايات 56 حكاية، نُشرت أول واحدة منها في جريدة 'الأهرام' سنة (1310هـ = 1892م)، وكانت بعنوان 'الهندي والدجاج'، وفيها يرمز بالهندي لقوات الاحتلال وبالدجاج لمصر. النفي إلى إسبانيا وفي الفترة التي قضاها شوقي في إسبانيا تعلم لغتها، وأنفق وقته في قراءة كتب التاريخ، خاصة تاريخ الأندلس، وعكف على قراءة عيون الأدب العربي قراءة متأنية، وزار آثار المسلمين وحضارتهم في إشبيلية وقرطبة وغرناطة. وأثمرت هذه القراءات أن نظم شوقي أرجوزته 'دول العرب وعظماء الإسلام'، وهي تضم 1400 بيت موزعة على (24) قصيدة، تحكي تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة، على أنها رغم ضخامتها أقرب إلى الشعر التعليمي، وقد نُشرت بعد وفاته. وفي المنفى اشتد به الحنين إلى الوطن وطال به الاشتياق وملك عليه جوارحه وأنفاسه. ولم يجد من سلوى سوى شعره يبثه لواعج نفسه وخطرات قلبه، وظفر الشعر العربي بقصائد تعد من روائع الشعر صدقًا في العاطفة وجمالاً في التصوير، لعل أشهرها قصيدته التي بعنوان 'الرحلة إلى الأندلس'، وهي معارضة لقصيدة البحتري التي يصف فيها إيوان كسرى، ومطلعها: صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدا كل جبس وقد بلغت قصيدة شوقي (110) أبيات تحدّث فيها عن مصر ومعالمها، وبثَّ حنينه وشوقه إلى رؤيتها، كما تناول الأندلس وآثارها الخالدة وزوال دول المسلمين بها، ومن أبيات القصيدة التي تعبر عن ذروة حنينه إلى مصر قوله: أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي شهد الله لم يغب عن جفوني شخصه ساعة ولم يخل حسي العودة إلى الوطن أحمد شوقي و سعد زغلول عاد شوقي إلى الوطن في سنة (1339هـ = 1920م)، واستقبله الشعب استقبالاً رائعًا واحتشد الآلاف لتحيته، وكان على رأس مستقبليه الشاعر الكبير 'حافظ إبراهيم'، وجاءت عودته بعد أن قويت الحركة الوطنية واشتد عودها بعد ثورة 1919م، وتخضبت أرض الوطن بدماء الشهداء، فمال شوقي إلى جانب الشعب، وتغنَّى في شعره بعواطف قومه وعبّر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجّل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال. لقد انقطعت علاقته بالقصر واسترد الطائر المغرد حريته، وخرج من القفص الذهبي، وأصبح شاعر الشعب المصري وترجمانه الأمين، فحين يرى زعماء الأحزاب وصحفها يتناحرون فيما بينهم، والمحتل الإنجليزي لا يزال جاثم على صدر الوطن، يصيح فيهم قائلاً: إلام الخلف بينكم إلاما؟ وهذي الضجة الكبرى علاما؟ وفيم يكيد بعضكم لبعض وتبدون العداوة والخصاما؟ وأين الفوز؟ لا مصر استقرت على حال ولا السودان داما ورأى في التاريخ الفرعوني وأمجاده ما يثير أبناء الشعب ويدفعهم إلى الأمام والتحرر، فنظم قصائد عن النيل والأهرام وأبي الهول. ولما اكتشفت مقبرة توت عنخ أمون وقف العالم مندهشًا أمام آثارها المبهرة، ورأى شوقي في ذلك فرصة للتغني بأمجاد مصر؛ حتى يُحرِّك في النفوس الأمل ويدفعها إلى الرقي والطموح، فنظم قصيدة رائعة مطلعها: قفي يا أخت يوشع خبرينا أحاديث القرون الغابرينا وقصي من مصارعهم علينا ومن دولاتهم ما تعلمينا وامتد شعر شوقي بأجنحته ليعبر عن آمال العرب وقضاياهم ومعاركهم ضد المستعمر، فنظم في 'نكبة دمشق' وفي 'نكبة بيروت' وفي ذكرى استقلال سوريا وذكرى شهدائها، ومن أبدع شعره قصيدته في 'نكبة دمشق' التي سجّل فيها أحداث الثورة التي اشتعلت في دمشق ضد الاحتلال الفرنسي، ومنها: بني سوريّة اطرحوا الأماني وألقوا عنكم الأحلام ألقوا وقفتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا وللأوطان في دم كل حرٍّ يد سلفت ودين مستحقُّ وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يُدَقُّ ولم تشغله قضايا وطنه عن متابعة أخبار دولة الخلافة العثمانية، فقد كان لها محبًا عن شعور صادق وإيمان جازم بأهميتها في حفظ رابطة العالم الإسلامي، وتقوية الأواصر بين شعوبه، حتى إذا أعلن 'مصطفى كمال أتاتورك' إلغاء الخلافة سنة 1924 وقع الخبر عليه كالصاعقة، ورثاها رثاءً صادقًا في قصيدة مبكية مطلعها: عادت أغاني العرس رجع نواح ونعيت بين معالم الأفراح كُفنت في ليل الزفاف بثوبه ودفنت عند تبلج الإصباح ضجت عليك مآذن ومنابر وبكت عليك ممالك ونواح الهند والهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحَّاح إمارة الشعر أصبح شوقي بعد عودته شاعر الأمة المُعبر عن قضاياها، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر سنة (1346هـ = 1927م) في حفل أقيم بدار الأوبرا بمناسبة اختياره عضوًا في مجلس الشيوخ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه 'الشوقيات'. وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه، وأعلن حافظ إبراهيم باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلاً: بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي بشعر أمير الدولتين ورجِّعي أعيدي على الأسماع ما غردت به براعة شوقي في ابتداء ومقطع أمير القوافي قد أتيت مبايعًا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي مسرحيات شوقي بلغ أحمد شوقي قمة مجده، وأحس أنه قد حقق كل أمانيه بعد أن بايعه شعراء العرب بإمارة الشعر، فبدأ يتجه إلى فن المسرحية الشعرية، وكان قد بدأ في ذلك أثناء إقامته في فرنسا لكنه عدل عنه إلى فن القصيد. وأخذ ينشر على الناس مسرحياته الشعرية الرائعة، استمد اثنتين منها من التاريخ المصري القديم، وهما: 'مصرع كليوباترا' و'قمبيز'، والأولى منهما هي أولى مسرحياته ظهورًا، وواحدة من التاريخ الإسلامي هي 'مجنون ليلى'، ومثلها من التاريخ العربي القديم هي 'عنترة'، وأخرى من التاريخ المصري العثماني وهي 'علي بك الكبير'، وله مسرحيتان هزليتان، هما: 'الست هدي'، و'البخيلة'. ولأمر غير معلوم كتب مسرحية 'أميرة الأندلس' نثرًا، مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد. وقد غلب الطابع الغنائي والأخلاقي على مسرحياته، وضعف الطابع الدرامي، وكانت الحركة المسرحية بطيئة لشدة طول أجزاء كثيرة من الحوار، غير أن هذه المآخذ لا تُفقِد مسرحيات شوقي قيمتها الشعرية الغنائية، ولا تنفي عنها كونها ركيزة الشعر الدرامي في الأدب العربي الحديث. مكانة شوقي منح الله شوقي موهبة شعرية فذة، وبديهة سيالة، لا يجد عناء في نظم القصيدة، فدائمًا كانت المعاني تنثال عليه انثيالاً وكأنها المطر الهطول، يغمغم بالشعر ماشيًا أو جالسًا بين أصحابه، حاضرًا بينهم بشخصه غائبًا عنهم بفكره؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية؛ إذ بلغ نتاجه الشعري ما يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف بيت وخمسمائة بيت، ولعل هذا الرقم لم يبلغه شاعر عربي قديم أو حديث. وكان شوقي مثقفًا ثقافة متنوعة الجوانب، فقد انكب على قراءة الشعر العربي في عصور ازدهاره، وصحب كبار شعرائه، وأدام النظر في مطالعة كتب اللغة والأدب، وكان ذا حافظة لاقطة لا تجد عناء في استظهار ما تقرأ؛ حتى قيل بأنه كان يحفظ أبوابًا كاملة من بعض المعاجم، وكان مغرمًا بالتاريخ يشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية لا يعرفها إلا المتعمقون في دراسة التاريخ، وتدل رائعته الكبرى 'كبار الحوادث في وادي النيل' التي نظمها وهو في شرخ الشباب على بصره بالتاريخ قديمه وحديثه. وكان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها لتحدث النغم الذي يثير الطرب ويجذب الأسماع، فجاء شعره لحنًا صافيًا ونغمًا رائعًا لم تعرفه العربية إلا لقلة قليلة من فحول الشعراء. وإلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للفرنسية التي مكنته من الاطلاع على آدابها والنهل من فنونها والتأثر بشعرائها، وهذا ما ظهر في بعض نتاجه وما استحدثه في العربية من كتابة المسرحية الشعرية لأول مرة. وقد نظم الشعر العربي في كل أغراضه من مديح ورثاء وغزل، ووصف وحكمة، وله في ذلك أوابد رائعة ترفعه إلى قمة الشعر العربي، وله آثار نثرية كتبها في مطلع حياته الأدبية، مثل: 'عذراء الهند'، ورواية 'لادياس'، و'ورقة الآس'، و'أسواق الذهب'، وقد حاكى فيه كتاب 'أطواق الذهب' للزمخشري، وما يشيع فيه من وعظ في عبارات مسجوعة. وقد جمع شوقي شعره الغنائي في ديوان سماه 'الشوقيات'، ثم قام الدكتور محمد صبري السربوني بجمع الأشعار التي لم يضمها ديوانه، وصنع منها ديوانًا جديدًا في مجلدين أطلق عليه 'الشوقيات المجهولة'. وفاته ظل شوقي محل تقدير الناس وموضع إعجابهم ولسان حالهم، حتى إن الموت فاجأه بعد فراغه من نظم قصيدة طويلة يحيي بها مشروع القرش الذي نهض به شباب مصر، وفاضت روحه الكريمة في (13 من جمادى الآخرة = 14 من أكتوبر 1932م).

البندري
12-27-2005, 07:59 PM
لا شك أن ما كتب عن الحداثة العربية حتى اليوم يشكل كما هائلا من التنظير والارشاد التلقيني، ولعل كثيرا من الكتابات حاولت أن تجعل منها حركة لها بداية واضحة، دون أن تتمكن من تفسير ماهيتها ومن تقديم مفهوم واضح لها. ولقد دخل الى تعريفاتها، عبر اعلانات بلاغية عالية النبرة، تمويه كثير وادعاءات مضللة ومواصفات لم تنطبق في النهاية على محصول حداثي فعلي يمثل تحولا أصيلا، فنيا وفكريا، تقنيا ورؤيويا، في آن، عما سبق.

إزاء كل هذا الضجيج تجد الكتابة الرصينة المستندة الى المنطق الموضوعي المدروس صعوبة في الوصول الى ذهنية لم تزل مفتونة بالتعبير البلاغي وبتأكيداته المهيمنة واصراره الذي لا يكل. غير أن أجيالا قادمة، بعضها لم يولد بعد، سوف ترى الى تمويهات هذه الفترة فتفضح سذاجتها وتناقضاتها واستلا بها الفكري والفني.

ان الحداثة ليست مشروعا يخطط له، ولا هي عملية لها بداية واضحة يمكن متابعة مسيرها. إنها وعي فكري روحي فني يدفع الى التجاوز والتخطي، ولا يجيء نتيجة دعوات واعلانات تفسيرية، بل نتيجة تغير داخلي في النفس إزاء العالم من جهة، ونتيجة توصل الشاعر الى السيطرة على تقنيات العمل الفني وتثويرها من جهة أخرى. وهي تحدث لمبدع هنا ومبدع هناك سبق معاصريه في تمثل روح الحداثة ومواقفها وجرأتها التقنية. وقد حدثت الحداثة العربية على شكل طفرات، وكانت تبدأ كلما اعتمل في أعماق الفرد وعي صادق بروح العصر الذي يعيش فيا وبعالمية هذه الروح، فيتحرر من الروابط القروسطية التي هيمنت على مواقف كثيرة في الثقافة العربية وشكلت جزءا حيويا من مفهومها التقليدي للحياة والسياسة والبطولة والمرأة والتراث، كما يتحرر، على الصعيد التقني من القواعد الشكلية والبنيات الموروثة وعلاقاتها بالزمان والمكان، ومن التعامل التقليدي مع اللغة والصورة والرؤى واللهجة لاسيما اللهجة بجهوريتها وبلاغتها القديمة وتأكيداتها وقدرتها على التأثير العاطفي في المستمعين العرب، حتى اليوم.

ثم إن من أهم إشارات التحول الحداثي في المبدع أن توجهه يكون انقضاضيا يدعو الى الهدم، غير أن الطامحين عندنا جعلوا من إرادة الهدم مبدأ متكاملا شمل جميع عالمهم. ان منطقية القطع مع تقاليد الماضي _ وهو أساسي في الموقف الحداثي _ لا تعني أن كل ما في هذا الماضي كان قبيحا ومترديا في زمنه، بل تعني انه لم يعد له مكان في زمننا، ويصبح القطع معه نوعا من العودة الى أصالة هويتنا المعاصرة. ان إرادة التدمير الكاسح لكل مقومات الماضي وانجازاته كانت عدوانا كبيرا على تاريخ طويل من الجماليات المتطورة والابداع الفكري والأدبي. وقد كان لهذا الموقف التدميري الشامل نتائج شديدة السلبية في الثقافة العربية المعاصرة لا مجال للحديث عنها هنا لأنه سيأخذنا بعيدا عن السياب الذي استهدفت ثورته الحداثية البناء حيث هدمت وقوضت، وهو موقف أخذه من بعده شاعر كبير آخر هو محمود درويش والعدد الأكبر من الشعراء الشبان بعدهما.

وبالنسبة الى تعقيد التحول الحداثي وضرورة اقتران المغامرة التقنية فيه برؤيا المبدع وموقفه الواعي من أوضاع الحياة جميعها، كان من الصعب أن نلقى تحولا حداثيا كاملا عند العدد الأكبر من.رواد الحداثة في الخمسينات والستينات. ان هذا لا يعني أن الإبداع العربي لم يرزق أية تجربة حداثية كاملة في تلك الفترة. ولكني تحدث هنا عن الشعراء الذين تمكنوا من ترسيخ عدد من الأعراف لحداثية في الشعر. فتوفيق صايغ، مثلا كان شاعرا حداثيا بكل معنى الكلمة، وقد نشر مجموعته الأولى (ثلاثون قصيدة ) في أوائل الخمسينات، ومن قبله كان عندنا أو رخان ميسر في سوريا، ومن بعده جاء شعراء أمثال محمد الماغوط وانسي الحاج. الا أن هؤلاء جميعا لم يتمكنوا من ارساء قواعد الحداثة في الشعر العربي الحديث لأنهم كتبوا شعرهم عن طريق النثر في زمن كان الشعر العربي لم يزل مرتبطا، تقنيا ونفسيا، بأسلوب النظم. ولذا فلكي تتمكن أية عناصر حداثية أن تدخل الى الشعر وتصبح عرفا فيه يقتبسا الشعراء الآخرون، كان عليها أن تدخل اليا أولا عن طريق الشعر المنظوم. ولعلها ليست صدفة أن حركة الشعر الحر زامنت هز» التطلعات الحداثية في الشعر في الأربعينات والخمسينات _ فقد كان الشعر العربي يحاول منذ عقود أن يشق طريقه الى الحداثة وأن يتغلب على مناعة الشكل الموروث، أي شكل الشطرين، وهي مناعة ترسخت فيه لأسباب تقنية تحدثت عنها في مناسبات أخرى. ولابد هنا من التنويه بأن التوصل الى حل لهذا الرسوخ في شكل الشطرين قد تم على يدي مسرحي شاعر هو علي أحمد با كثير، ولغاية إنجاح الحوار المسرحي. أي أنه لم يكن في هدايته لغاية تحرير الشعر نفسه. الا أن الشعر العربي استفاد كثيرا منه اذ تحول في الخمسينات الى حركة شعرية جادة وعن طريقه بدأت العناصر الحداثية في الدخول الى الشعر والترسخ فيه.

قبل الحديث عن التجربة الحداثية السيابية أود الحديث عن أمرين أراهما مهمين في الحداثة العربية : الأول هو أن ضرورة اقتران التجربة الفنية التقنية فيها برؤيا متحولة للحياة والإنسان لم تجيء في البدء تلفائية ومتكاملة بالضرورة للمبدع. فلو قابلنا التحول الحداثي بالتحول الرومانسي وجدنا أن الرؤيا الرومانسية (ومثلها الكلاسيكية ) لابد أن تعبر عن نفسها عن طريق تقنية رومانسية بارزة : الأسلوب السيال المنفتح، اللفة العاطفية : لفة الحنين والتشوق والشوق والفرح والحزن، لفة الدهشة والتطلع والصور الغائمة، وبروز العنصر الذاتي العالي وسيطرة الخيال والعاطفة على القصيدة الخ.

هذا الالتحام الطبيعي في عناصر الرومانسية لا يقابله التحام مماثل ل عناصر الحداثة. وقد برهنت بداية الحداثة العربية عندنا عل نوع من التراخي بين التقنية الجمالية والموقف والرؤيا في القصيدة. فقد رأينا في السبعينات عشرات الشعراء العرب الشبان يهجمون بلهفة تكاد تكون طفولية على التجربة التقنية المعقدة في الصورة الشعرية، وهي في أساسها تجربة حداثية متميزة قام بها الشعراء الرواد في الستينات وعلى رأسهم أدونيس، فيملأ ون، أي جيل السبعينات مشات القصائد بهذه المغامرة الصورية المتطرفة التي باعدت بين طرفي التشبيه وقدمت صورا تركيبية لا علاقة لها بتراثهم المنحدر اليهم عن مفهوم الصورة. غير أنهم تفاعلوا معها بألفة وشغف واصرار واختراع واع وكأنها كانت مستقرة في لا وعيهم تنتظر فرصتها للبروز. غير أن ما تحول في هؤلاء الشعراء، أغلبهم، كان تقنياتهم لا مواقفهم ورؤاهم. فقد ولدت فيهم مقدرة جديدة على اقتحام مملكة الصورة الشعرية والتلاعب بها بشجاعة،كما ولدت فيهم جرأة مدهشة على الإيفال في اختراع لفري معقد. ومع أن محاولاتهم لم تنجح الا نادرا في عقد السبعينات فان جرأتهم البالغة حد الهوس تظل أمرا مدهشا. لقد كان التحول بالعنصر الجمالي في الشعر نحو تعقيد لم يسبق من قبل أسهل بكثير من تحقيق تحول روحي ونفسي إزاء العالم، فلم يتواز الأمران.

هذا ينقلنا الى النقطة الثانية التي أود الحديث عنها. أنا لواضح لدينا اذ ندرس هذه الفترة أن جيل الرواد ومن جاء بعدهم مباشرة كانوا مستعدين بشكل لم يسبق للدخول في مناطق شعرية لم يدخل اليها الشعر العربي من قبل. كان هذا نتيجة لتراكم المعرفة الفنية التي ورثها هؤلاء الشعراء كجزء من غريزتهم الشعرية وكانت أدوات الشعر في أواسط القرن العشرين ومن بعده قد أصبحت مرنة وقابلة للتفاعل مع التجارب الجديدة، وكان المناخ الشعري قد تبدل، أولا نتيجة لما أطلقته التجارب السباقة المتلاحقة كالرومانسية والرمزية والسوريالية وتفاعلاتها وتفسير اتها من حساسية جديدة وثانيا نتيجة للخيبة السياسية الصاعقة بعد النكبة التي أفقدت التقا ليد الشعرية الموروثة الكثير من قدسيتها.

هذا التسرب المتلاحق للمعرفة الجمالية، والتحول الخفي في الحساسية الشعرية يفسران لنا مثلا تجربة محمد الما غوط. فهنا نجد أن شاعرا شابا جاء من بلدة صغيرة وخلفية متواضعة ولم يحصل حتى على شهادة الثانوية ولم يعرف لفات أجنبية، استطاع أن يطلع علينا في نهاية الخمسينات بشعر شديد التآلف مع مواقف وجماليات غير مألوفة بعد. فقد كان ديوانه (حزن في ضوء القمر/ 1959) انفصالا كبيرا عن الموروث الشعري وتغييرا مدهشا في استعمال الأدوات الشعرية : من لفة طازجة ذات نبض جديد وصور ساطعة مستمدة من حياة المدينة السورية، وطلاق كامل مع رؤيا الشاعر الرومانسية والقر وسطية لنفسا كبطل منقذ، صاحب الكلمات الصاعقة، وكنبي هاد0ينظر من الأعالي الى الشعب المعذب، وهي رؤيا لم يتحرر منها شعراء مهمون أمثال خليل حاوي وأدونيس. لقد كان وجه الما غوط منذ أول كلمة كتبها وجه الضحية الحداثية التي حاصرتها مثالب القرن العشرين وقد امتلأ وعيها بواقع العذاب الذي عليها أن تواجهه وتحاربه كل يوم إزاء شروع الواقع العربي وطغيانه في منتصف القرن العشرين.

إذن فقد كانت هذه الحساسية الفنية المتقدمة ومن اللحظة الشعرية العربية في الخمسينات جاهزة لتقبل الحداثة الشعرية وتصكها ولو جزئيا إلا أن التعبير عن هذا الوضع جاء عبر صنفين من التجارب، هما كما أسلفت أولا ذلك النوع الانفرادي شبه المنعزل الذي بقي مكنونا على انجازاته دون أن يتمكن في ذلك الزمن المبكر من تعميم أسلوبه ودلالاته الحداثية للجوئه الى الكتابة عن طريق النثر، والثاني هو ذلك الانجاز الحداثي التدريجي الذي كان الصدى العميق لنبض العصر وايقاعه، واستطاع أن يبعث في الخمسينات عصبا قويا من التجديد الحداثي المطرد، فرأينا الشعراء يعتنقون العناصر الحداثية الواحد تلو الآخر، أحيانا كأفراد وأحيانا اعتناقا جماعيا كما حدث في الاستجابة الواعية لاستعمال اسطورة الخصب والحياة بعد الموت في نهاية الخمسينات.

ونجيء الآن الى الإنجازات الحداثية عند السياب. كانت العقبة الكبرى أمام التحول الحداثي العام هو الشكل الشعري الموروث، أي شكل الشطرين كما أسلفت. وقد كان تحرير الشكل مدينا كثيرا لتجربة السياب في هذا المجال. انني آخر من يود أن ينمط حق نازك الملائكة في مجال هذه التجربة الانقلابية، فهي والسياب فرسا رهان فيها وكانت محا ولتهما متزامنة، إلا أن الريادة في حديثنا عن أية تجربة لابد أن تعود الى الشاعر الذي حول التجريب الى تجديد راسخ وعرف شعري يتبعه الآخرون. لقد كان أسلوب نازك ملكها وحدها، عصيا على التقليد، ولم يقترن بمحاولات حداثية واضحة، بينما اهتدى السياب الى الأسلوب الذي أثر في عصب جيله واطلق ابداعاته في هذا المجال - ومن خلال تجاربه الناجحة الموحية في أوزان الشعر المختلفة : الكامل ثم الرجز، ثم الخبب انطلق الشعر الحر ومكن للتجربة الحداثية من النجاح العام عبره.

وهذه هي المأثرة الحداثية السيابية الأولى.

وسوف نرى أن السياب في عقد الخمسينات كان هو الشاعر الذي تم على يديه تأصيل عدد آخر من الأعراف الشعرية الحداثية في الشعر العربي. فهو الرائد الأول الذي أرسى أصول الحداثة عمليا وجعل لها أعرافا ـ فكان ما إن يبدع تجربة جديدة حتى يأخذها عنه بقية الشعراء. وكما قلت من قبل. تم كل هذا له بهدوء ودون ضجيج البيانات البلاغية ودون أن يصاحب ابداعاته أي موقف ادعائي أو قيادي، وأهم من كل هذا دون أن تناقض انجازاته الحداثية في التقنية الشعرية أية مواقف ورؤى تقليدية نحو الحياة والإنسان ونحو دوره كشاعر حداثي.

عندما بدأ السياب يكتب الشعر في الأربعينات كان شعره تقليديا في موقفه وحساسيته ولغته وأسلوبه، شأنه شأن بقية الشعراء الرواد في أوائل انتاجهم. ولا شك أن ناقد الشعر ومؤرخه يستطيع أن يستخلص نتائج فنية مهمة من دراسة شعر هؤلاء الشعراء وملاحظة السرعة التي تغير فيها هذا الشعر من حال الى حال،كما بالسحر.

لعل دراسة السياب للأدب الغربي في نماذجه الحداثية لاسيما شعر إليوت Eliotوايديث ستويل Edith Sitwell كانت هي العنصر الحاسم في تغيره باتجاه حداثة شعرية عربية رائدة ـ ولكن هذا التعليل لا يكفي، فإن انجذاب السياب وشعراء جيله بكل تلك الطواعية والسرعة، الى التجربة الشعرية الثورية كان يدل أيضا، كما أسلفت على تخمر المعرفة الشعرية واستعداد اللحظة الشعرية لتقبل هذا التغيير.

وقد كان الادخال الحداثي المهم الثاني الذي نجح السياب في ترسيخه هو إدخال عنصر الأسطورة الى الشعر.لم تكن فكرة اقتباس الأسطورة الى الشعر جديدة، فقد حاولها الشعراء منذ جبران في العقد الثاني من القرن العشرين مرورا بنسيب عريضة وأبي شادي وشفيق المعلوف وعلي محمود طه وسواهم ــ الا أن هؤلاء إما أنهم لم يستطيعوا ترسيخ هذا العنصر ليصبح تجديدا مستمرا، واما انهم اقتبسوا الأساطير بشكل مسطح خال من الرمز.

أما السياب فقد استعمل أسطورة الخصب والحياة بعد الموت بحذق مرهف في قصيدته المفتاحية 'انشودة المطر' بدراسته لقصيدة اليوت الشهيرة 'الأرض الخراب '. وكما استعمل إليوت اسطورة الخصب متخفية وراء رموزها، استعملها السياب كذلك، فجعل الماء محور القصيدة، ماء الخليج الذي يحمل الموت للمهاجر وماء المطر الذي يجيء بعد زمن القحط واليباب ليبعث الربيع النضر من قلب الشتاء، إشارة الى امكان انبعاث الحياة الطيبة بعد زمن الموت والاندحار. وقد نشر هذه القصيدة في مجلة (الآداب / 1954) ففتح بها الطريق للسيل المفتعل قليلا لأساطير الانبعاث المتعددة الأسماء. كان السياب في قصيدته تلك قد أطاع حدس الشاعر الأصيل فلم يذكر أسماء الآلهة القديمة في القصيدة ــ الا أن الشعراء من بعده استحضروا في شعرهم ما استطاعوا من الرموز الأسطورية بأسمائها ــ وكان على القاريء في نهاية الخمسينات أن يدرس هذه الأساطير ودلالاتها حتى يستطيع فهمها، لأنها لم تكن حية في الذاكرة الشعبية، كما ينص الاستعمال الأسطوري عادة. وحتى بدر نفسه عاد فضمنها قصائد أخرى. وكان استعمالها في ذلك الوقت دليلا على الأمل الباقي في نفوس الشعراء والمتلقين بإمكان البعث والعودة الى الكرامة والحياة الحرة. غير انها أصبحت زيا، وككل زي في الشعر فإنها انتهت فجأة في مطلع الستينات وكأن الشعر قد أصابه ارهاق جمالي منها. غير أنها نجحت في تأسيس الحس الأسطوري في الشعر وكان ادخال الأسطورة الرمزية بنجاح الى الشعر انجازا حداثيا مهما يدين الى السياب بوجوده الأساسي. فان كانت أسطورة البعث التي تضمنت أسماء الآلهة الفينيقية قد خسرت جاذبيتها سريعا عند الشعراء والقراء حتى أنه لم يعد ممكنا بعد مدة قصيرة من ازدهارها أن يقربها أحد، فان العنصر الأسطوري توطد في الشعر ووجد له تعبيرا قويا عن طريق استعمال الزمن الأسطوري والنماذج العليا. وفي هذا التجديد الآخر كان السياب هو الرائد الأول.

ففي سنة 1956 نشر السياب في( الآداب ) أيضا قصيدته الشهيرة' في المغرب العربي' محتفيا فيها بالثورة الجزائرية التي كانت مشتعلة وقتئذ. كان نفس موضوع البعث والتجديد يهيمن عليها وكانت تتضمن رموزا من النماذج العليا المأخوذة من التاريخ العربي الإسلامي الحي في الذاكرة الشعبية. النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجماعة الصحابة والأنصار الذين بشروا بفجر الحضارة العربية. غير أن عظمة هذه الحضارة انهارت بسبب الضعف الداخلي وموت المقاومة والبسالة، وعندها فان الله حجب وجوده عن الناس وماتت فيهم حرارة الإيمان ليعود الانبعاث الى الحياة من جديد بفضل الثورة الجزائرية.

ان قصيدة 'في المغرب العربي' قصيدة معقدة شديدة التأثير، وقد أعطت مثالا أولا ناجحا لاستعمال الزمن الأسطوري في الشعر، ولقدرة الحدث على تكرار نفسه في تاريخ الأمة، وقدرة الشخصية التاريخية الحية في ذاكرة الأمة على أن تستلهم من جديد لتعطي المعنى لما يحدث الآن وتولد شعورا قويا بالوحدة وبالارث الروحي المشترك.

وقد كان من حظ الشعر العربي ان المثال الأول على هذا الاستعمال الحداثي الرفيع مثلته قصيدة عامرة من أجود الشعر الحديث. فقد كثرت بعدها نماذج الشعر التي استعملت الزمن الأسطوري لتدل على استمرارية تاريخية فى الأمة، كما استعملت النماذج العليا المأخوذة من التاريخ العربي لتشير الى قدرة هذه النماذج على أن تكرر نفسها في تاريخ الأمة العربية. غير أن عددا وافرا من هذه الرموز التاريخية أختير لسلبيته ليكون هجاء لاذعا للوضع العام، لاسيما بعد نكسة سنة 1967. ولكن رغم المبالغة في تأويل بعض الأمثلة، إلا أن سيطرة الشاعر العربي على هذين العنصرين أصبحت سلاحا شعريا راقيا للتعبير الموارب عن قضايا وجودية وتاريخية كبيرة ــ ولا شك ان اقتباس هذين العنصرين كان مكسبا كبيرا للشعر العربي، يعود في أساسه الى التجربة السيابية ــ وهي المأثرة الحداثية الثالثة للسياب.

ومأثرته الرابعة هي أنه كان رائدا بارزا في استعماله لموضوع المدينة، وكان معه آخرون. ان المدينة رمز حداثي أصيل في الحداثة الغربية. فقد ولدت الحداثة الغربية في زمن اكتساح التصنيع للحياة في الغرب. والصناعة تنشأ في المدن، والأدب الذي نجم عن هذه الفترة في الغرب كان أدبا هجرت فيه الطبيعة وأصبحت أبعاد المكان أبعادا مدنية. فكان الشاعر الحداثي يرى المدينة غولا ومركزا للفساد والظلم والجريمة فوصفها وصفا سلبيا كصحراء مكتظة متحجرة مليئة بالأسى والضجر.

أما المدينة السيابية فهي مكان الغربة الذي وجد فيه الشاعر الريفي نفسه بعد صفاء جيكور. وقد راها سجنا مسورا وبؤرة للمؤسسات الطغيانية بقوتها البوليسية الغشيمة وبجيش المخبرين الذي ترعاه. وهي أيضا مسكن آلاف الفقراء والمنبوذين الذين كانوا يعيشون على هامشها ويعانون الظلم الذي تفرضه على ضحاياها. ولا شك أن اعتناق السياب للماركسية في ذلك الوقت المبكر من حياته جعله أقوى احساسا بالمظالم التي كان يعاني منها فقراء المدينة وبقاياها والمنبوذون والضائعون فيها، فأرسى موضوع المدينة في الشعر العربي كرمز بالغ الأهمية.

ومن أعماق عذابه الشخصي كريفي جاء المدينة ساعيا وراء العلم والرزق يرى السياب نفسه ضائعا مليئا بالغربة، ضحية لعنف المدينة ولا مبالاتها - ومن جديد يبرز وجه الشاعر الحداثي في مأثرة السياب الحداثية الخامسة. وهي مأثرة تتناول الموقف لا التقنية في الشعر الحداثي، موقفا من العالم ورؤياه لنفسه. فهو ليس البطل القائد الممتليء بإرادة الإنذار والتبشير، الذي ينظر من الخارج الى بؤرة العذاب والمعاناة ويدل على منابع الفساد والانهيار في عالم الآخرين، بل هو ضحية مثلهم، وجزء لا يتجزأ من العالم الذي يرفضه ــ موقف حداثي بامتياز.

ترى ما هي الأبعاد الشعرية التي كان سيصل اليها السياب لو لم يهاجمه المرض وهو بعد في أوج تفوقه الإبداعي؟ اني أشعر اذ أدرسه بأني أدرس مشروعا لم يكتمل وبأن الحكم على إنجازاته حكم منقوص لأننا لا نعرف كيف كان شعره سيتجه بعد ديوان (أنشودة المطر) لو لم يضطر الى الاستسلام الى المرض والذكريات والتشوفات الشخصية.

غير أن ما نعرفه هو أنه كان شاعرا ورائدا كبيرا كسب الشعر العربي بوجوده مكسبا لا حدود له وخسر بموته خسارة لا تعوض.

البندري
12-27-2005, 08:02 PM
المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحـــمـد لله رب العــالميـن، والصــلاة والســـلام على أشـــرف الأنبياء والمرســـلين، ســــيدنا محمـد وعلى آله وصحبه أجمين، ســـــبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، رب اشــــرح لي صدري ويسر لي أمري.

أما بعد:

أقدم هذا البحث دراسة حول جماعة الديوان بصفتها مدرسة نقدية هامة شاركت النهضة الأدبية الحديثة في مرحلة التجديد، واعتبارها المساهمة الفعالة في إرساء المقومات النقدية للشعر العربي المعاصر. في هذه الدراسة لمدرسة الديوان وحركتها التجديدية، يجدر العودة إلى مرحلة سابقة عنها لمعرفة كيف كان الشعر والنقد وحالة الأدب بصفة عامة قبلها، ليسهل التعرف على مظاهر التجديد في دعوتها، ومدى فعاليتها في تطبيق الأسس الجديدة على الشعر، وإلى أي مدي يصل هذا التجديد بالشعر العربي التقليدي.

فعلى هذا الأساس تم تقسم البحث إلى فصول ثلاثة، فالفصل الأول تمهيد ضروري للموضوع، وفيه إشارة إلى حال الأدب في عصر ما قبل النهضة، ثم بيان مظاهر النهضة الحديثة، وبوادر التجديد للأدب، والفصل الثاني التعرف على مدرسة الديوان: أعضائها وتكوينها وثقافتها ومجال دعوتها وجذورها، وأهمية دورها في التطور الأدبي، والفصل الثالث عرض شامل لدعوتها ونقدها للأساليب القديمة، وما وضعت من مقومات وأسس نقدية جديدة، وإلى أي مدى كان التطبيق الفعلي لها. ثم خاتمة البحث خلاصة لما سبق عرضه، وأهم النتائج المتحصلة من دراسة الموضوع.

وبالله التوفيق والهداية


--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الأول

الأدب العربي الحديث

أولاً: الأدب العربي قبل عصر التجديد:

' النهضة الأدبية في أي عصر من العصور مرتبطة إلى حد كبير بالنواحي السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والقومية للشعب، ومدينة إلى حد كبير بقيمة الفرد ومدى إحساسه بذاته وشعوره بنفسه كعنصر بشري مؤثر في جميع هذه النواحي ومتأثر بها، والأدب العربي قد عايش هذه الظروف وتأثرت بها على مختلف صورها في عصور مختلفة:

العصر التركي: قد كان الأدب العربي في مصر تحت الحكم المملوكي هامد خامد، وظل في مجتمع أعجم لا يُحفَل به، ولم تكن له ثمة هزات فكرية تؤثر أو هزات اجتماعية أو سـياسية توقظ أو دعوات إصلاحية ترود، وكانت اللغة بقايا مبهمة من تعابير سقيمة، ولم يعد في استطاعة كثير من كتاب أن يسـلموا من اللحن الفاحش، أو يأتوا بالفهم المقبول بل عز عليهم اللفظ الجزل والأسلوب القوي فلجئوا للزخارف والمحسنات.

أيام الحملة الفرنسية: لم تكن حياة الفن أيام الحملة الفرنسية بأحسن مما كان عليه، فلم تؤثر في عواطف الناس وإن كانت قد أثرت في عقولهم، ولم يخرج الشـعر عن حالته السابقة، فبقي مطموراً في أضابير التخلف والتأخر والانعزالية عن مسايرة الركب.

عصر محمد علي: لم يكن بعصر ازدهار للشعر ولا للأدب بنوع عام، فلم يتجه بالنهضة اتجاهاً ثقافياً بقدر ما يكون اتجاهاً مادياً علمياً يهدف إلى التطوير العسكري، وقد استولت الصناعة والسخافة على دواوين شعراء هذا العصر من تأريخ وتطريز وتخميس وتربيع وتضمين ليس فيه قليل معنى ولا عظيم غرض، ولا له بالخيال معرفة، ولا في اللغة نصيب مفيد، إنما هو نماذج قرأوها من عصور قريبة منهم وأخذوها وكأنها غاية الفن وقمة الشعر.

عصر إسماعيل: اهتم بالتعليم والحياة النيابية، وأنشئ دار العلوم وسرت روح الإصلاح في الأزهر، ونهض فن الطباعة، وظهرت حركة إحياء التراث القديم، وانتشرت كتب التراث، وكثرت المدارس الأجنبية وظهرت الدعوات الإصلاحية على يد الأفغاني ومحمد عبده، وتطورت العلوم وتطورت اللغة لتفي بالحـاجة، كما كان النمو القومي، والاتصال بالغرب والاحتكاك عن طريق البعوث، وبدأت الصحافة تتنوع، وتخصص بعضها في الأدب والشعر ونهض بهما '.


--------------------------------------------------------------------------------

ثانياً: النهضة الأدبية الحديثة:

بدأت النهضة الأدبية الحديثة مصاحبة بتطور الشعور القومي تحت وطأة الاحتلال الأجنبي، والرغبة في الاستقلالية الذاتية بالعودة والدعوة إلى إحياء التراث، فكان من العوامل الهامة للنهضة الأدبية الحديثة:

'ظهور المطبعة، إذ أتاحت للباحثين والدارسين أن يطلعوا على كثير من الدواوين الشعرية للشعراء القدامى في العصور الذهبية، ورواد العصر العباسي، وأتيح لهم الوقوف على المؤلفات العلمية والأدبية القديمة التي تدور حول علوم التفسير والحديث والفقه وصناعة الشعر والنثر.

ظهور فن الصحافة، وتمثلت في الصحف اليومية أو مجلات أسبوعية أو شهرية، وكانت تحوي مواد متعددة منها ما يتصل بالسياسة والاقتصاد، وما يتصل بالأدب والنقد، مما رأى فيها الأدباء متنفساً وطريقاً يذيعون من خلاله أدبهم شعراً ونثراً.

إنشـاء المدارس المتخصصة، والمعاهد العلمية النظامية، والمجامع الأدبية واللغوية، إلى جانب ما كان موجوداً وقتئذٍ، فأخرجت طائفة كثيرة من المتخصصين، الذين كان لهم دور بارز في النهوض بالأدب، والرقي في المقاييس النقدية، مما سـاعد على أن تتوارى تدريجياً الثقافة الهابطة الضعيفة التي كانت تعيش معهم إلى عهد قريب.

ظهور جيل من الشـعراء أحيوا في شـعرهم صورة الأدب العربي القديم في عصر ازدهاره وقوته، وهذا العمل تم أولاً على رائد الشعر العربي الحديث محمود سامي البارودي.

تطور حـركة النقد الأدبي، بقيام الأدباء والنقاد ببعث الكتابة النثرية الأدبية في كتاباتهم، إلى جانب بعث طريقة القدماء في تحليل النصوص الأدبية ونقد الأدب'.

'في نهاية القرن التاسع عشر قام فريق من الشعراء الذين ورثوا صناعة الشـعر من البارودي بالمناداة إلى ضرورة التجديد استجابة لدواعي العصر، لأن الزمان قد تغير، إذ ليس زمان المحدثين مماثلاً لزمان الأقدمين، فظهر بعض النداءات لشعراء هذه المرحلة، في المرحلة الأخيرة من مراحل شعرهم تدعوا إلى ضرورة الإتيان بشيء جديد يعكس حاجة العصر، من مثل: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، وتعتبر هذه المرحلة مرحلة الانتقال إلى محاولات التجديد'، 'إذ كانوا يترسـمون هذا المثل الذي ضربه البارودي، مثل الاحتفاظ بجزالة الأسـلوب ورصانته، أما بعد ذلك فهم يفرضون ثقافتهم وعصورهم على شعرهم وما ينظمون منه'.


--------------------------------------------------------------------------------

ثالثاً: المحافظة والتجديد:

( أ ) المحافظون: مفهوم المحافظة:

'تقوم منهجهم على تقليد الشعر العربي في المنحى والأسلوب من شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته ونصاعة التركيب، وتعلقت بكل مقوماته. والعودة إلى الآداب العربية القديمة هي مبدأ النهضة الأدبية المعاصرة، وينتظم للمذهب طائفة كبيرة من شعراء النهضة في مقدمتهم: شوقي وحافظ وخليل مطران والرافعي، وكان روادها يتفقون في أن يلتزموا بسلامة الأسلوب وصحته من حيث اللغة والإعراب، ولم يشذوا عن نهج القصيدة العربية، ثم هم بعد ذلك لا يكاد يجمعهم جامع آخر، فإن كلاً منهم يمضي مع ثقافته وفهمه لحقيقة الشعور على حسب ما أتيح له من شاعرية وإبداع'.

'فبعضهم فهم المحافظة فهما خاطئاً على أنها الاستناد إلى تراث الأقدمين الحضاري، وترديد مضامين شعرهم وأفكارهم، ولا يخرج الشعر عن سننهم في الأسلوب والتعبير والوزن، فحفظ قاموسهم اللغوي، وفهم بعضهم على أنها سير على نهج من سبق، فألغى نفسه وراح يستفتح الدمن، واستعمل النسيب فتشكا الوجد وبكى الفراق، وبعضهم فهمها على أنها نقل صور الماضي بما فيه، سهوله ونوقه وخيامه وليلاه، فحاكاهم في ذلك كله، ولم يدر أن ذلك هو الجمود والتكرار والفقر والضحالة، وأنه كرر نفس المواقف، ولم يزد، ودعا نفس العواطف ولم يجدد، فهموها من زاوية ضيقة، فحجر على عواطفه وإحساسه وخياله وتجاربه، ليظل محجوزاً بين أحاسيس الأقدمين'.

'كانت مدرسة (المحافظين) امتداداً لمدرسة البعث التي رادها البارودي بكل ما يعنيه الامتداد من احتذاء وبعث وتطوير، قد أطلق هذا المصطلح عليها ليس لأن شعراءها مجرد ظلال باهتة أو قوية لمن سبقهم من الشعراء الغابرين أو المحدثين، ولكن لأنهم قد استطاعوا المحافظة على العناصر الصياغية، والشكل الهيكلي للقصيدة، كما هي في عصور تألق الشعر وازدهاره، وعلى الروح العربي المنتمي إلى تراثه الحضاري والفني، ولعل هذه المحافظة على الشكل والروح والانتماء هي التي أعاقت شعرائها عن عالم آخر جديد، ولكنهم مع ذلك قد أعطوا للحركة الشعرية الحديثة من حضورهم التاريخي، ومن ثقافتهم المتنوعة، وإطلالهم بالشعر إلى عوالم جديدة وأجناس أدبية مستحدثة'.

(ب) المجددون: ثورة على الجمود والتكرار:

'في العقد الثاني من القرن العشرين، أمام أحداث عالمية ومحلية، الحرب العالمية الأولى، والاحتلال الأجنبي في البلاد العربية، كان لها أثر في إحداث روح متمردة قلقة عند الأدباء، فعبروا عن روح القلق والتمرد والإحساس بالظلم فيما صـاغوه من أدب، فنادوا بضرورة أن يكون الأدب معبراً عنها، غير منفصلة عن أحداث العصر، فانتقدوا شعراء القرن التاسع عشر الذين امتدت بهم الحياة إلى مطلع قرنهم، إضافة إلى ما حصلوه من ثقافات أجنبية، إنجليزية أو فرنسية، كان له أثر في تكوين روح التمرد، ورأوا أن الأدب الأجنبي يؤدي أهدافاً وغايات أوسع مما كان بين أيدي أدباء الجيل السابق، وكذلك فإن الروح الذاتية التي تشيع في الأدب الأجنبي أوحت إليهم أن الأدب هو الذي يكوّن شخصيةً مستقلة للأديب'. ولهذا ظهرت عدة اتجاهات مختلفة يمثلها أدباء وشعراء ومدارس.

(ج) المدارس الأدبية الحديثة: تيارات لتعدد المذاهب وتنوع الثقافات:

'ظهرت بوادر التجديد منذ بدأ الشعور القومي يملأ الصدور، وتلفت الشعراء إلى ألوان الشعر العربي وضروبه، فشاركوا في تصوير هموم الشعب وموقعهم من الركب الإنساني، فانتقوا ألواناً تلائم العصر وأسلوب الحياة الجديدة، ويستسيغها طبع التغيير. وتنوعت دعوات التجديد بألوان من المذاهب الفلسفية والنفسـية الغربية وتأثرت بها، وبدأت تطبق بحق أو باطل على الأدب العربي، وراح الشـعراء يفكرون في التجديد ويحاولونه ويدعون إليه. وأول من فكر في التجديد شوقي، إذ نعى على الشعراء تسخير أشعارهم للمديح الذي يغل المواهب، وعاب نجيب الحداد فقدان الشعر العربي للوحدة العضوية، ودعا إلى الوحدة العضوية ومجاراة الطبع، ودعا نجيب شاهين إلى أن يكون الشـعراء عصريين ويدرسوا الشعر الأجنبي، وينبذوا القديم وأغراضه الباطلة،كالمدح والهجاء وبكاء الأطلال وديار الأحبة، وكثيرون غيرهم، ولكن تبدوا هذه الدعوات في هذه الفترة ساذجة.

وظهرت مدرسة (الديوان) تصدر دواوينها الشعرية حاملة بذرة التجديد الحقيقية، ومفهومه الواعي للشعر وغايته ووسائله وصلته بالفنون والحياة، وتجسيده لحس الشاعر، وتصويره لأفكاره وانطباعاته وأعماقه في اتصاله المباشر بالحياة'،'وظهر بعدها أدباء المهجر، وجماعة أبولو، وجماعات أخرى في الساحة الأدبية لا ينتمون إلى مدارس معينة، خاصة النقاد الذين ينتمون للحقل التعليمي'. ونظراً للمصادر الثقافية لأدباء ونقاد فترة التجديد 'التي تعود إلى منبعين: الثقافة العربية الأصيلة، والثقافة الأجنبية'11،فإن للأخيرة أثرها عند بعض أنصاره بدعوتهم إلى الاحتذاء بالأدب الغربي والتغيير الشامل في الأدب العربي مبتعداً عن الأصول العربية، فبدت ظواهر جديدة تدعوا إلى الواقعية، وامتد إلى الأدب ولغته المظاهر السلبية من التجديد. والفصل التالي نستقل بمدرسة الديوان لما لها السبق في حركة التجديد المنظم في الأدب العربي، وعملها الدأب في الرقي به، والدفاع عن شخصية الأدب العربي وملامحه المستقلة، الذي يعبر عن الحياة بالروح العصرية، والمستمد من المنبع العربي الأصيل.


--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الثاني:

الديوان: مدرسة التجديد

أولاً: مدرسة الديوان:

( أ ) التسمية والتأسيس وأعضاء المدرسة:

' جماعة الديوان مصطلح يُطلق على مجموعة من الشعراء النقاد، هم: عبد الرحمن شكري، وعباس العقاد، وإبراهيم المازني،وهذا المصطلح إنما هو نسبة إلى هذا الكتاب النقدي المعنون باسم: 'الديوان في النقد'، وهو كتاب ألفه العقاد والمازني فحسب، وإن كانت التسمية تشمل الثلاثة معا'.

'عباس محمود العقاد: ولد بأسوان سنة 1889م لأسرة مصرية متوسطة، ولم يكمل دراسته في المدارس الرسمية، بل أخذ يكملها بنفسه، رحل عن بلدته وهو في السادسة عشرة، والتحق ببعض الوظائف الحكومية، ثم تركها إلى القاهرة وعمل بالصحافة، وكتب في جريدة البلاغ الوفدية، فنهض فيها بالمقالة السياسية، مقتبساً كثيراً من آراء المفكرين والفلاسفة الغربيين، وخاصة في مجال الحرية وحقوق الشعب والسياسة، وينقل إلى قرائه مباحث الأدب والنقد الغربية ويشفعها بنظرات تحليلية. أخرج أول دواوينه سنة 1920م، ونال سنة 1960م جائزة الدولة التقديرية في الآداب تنويهاً بأعماله الأدبية، وأهم ما يميزه مواقفه الثابتة في الحياة وفي الآراء الأدبية، توفي سنة 1964م.

إبراهيم عبد القادر المازني: ولد بالقاهرة سنة 1889م، عمل في التعليم والصحافة، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، نظم الشعر أولاً ثم كتب القصة بأسلوب ضاحك تغلب فيه على كآبته الأصلية، يميل في أسلوبه إلى الدعابة والسخرية وإبراز المفارقات، يؤدي مشاعره وأحاسيسه وأفكاره وانطباعاته بالروح المصرية. توفي بالقاهرة سنة 1949م.

عبد الرحمن شكري: ولد بمدينة بورسعيد سنة 1886م، درس الثانوية، والتحق بمدرسة الحقوق ولكنه فصل منها لتحريضه الطلاب على الإضراب استجابة لزعماء الحزب الوطني، فاتجه إلى دراسة الآداب التي كانت تتفق وميوله، ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا، وتخرج سنة 1909م، التزم فيها الدرس الصارم في الأدبين العربي والغربي، وذهب في بعثة إلى إنجلترا، عمل في صحيفة الجريدة، كتب فيها عن علاقة الشعر بالفنون ونحوه من الموضوعات التي كانت تعد حينئذٍ جديدة، توفي بالإسكندرية سنة 1958م'.

(ب) الخلفية الثقافية للمدرسة:

'حظهم من الثقافة العربية يكاد يكون متفقاً، فالعقاد يقول عن شكري: (لم أعرف قبله ولا بعده أحداً من شعرائنا وكتابنا أوسع منه إطلاعاً على أدب اللغة العربية، وأدب اللغة الإنجليزية، وما يترجم إليها من اللغات الأخرى، ولا أذكر أنني حدثته عن كتاب قرأته إلا وجدت عنده علماً به، وإحاطة بخير ما فيه، وكان يحدثنا عن كتب لم نقرأها ولم نلتفت إليها). ولقد كان إطلاع العقاد مضرب المثل في وسعه، فكان يحيط إحاطة بفروع اللغة العربية وآدابها، عارفاً بدقائقها. والمازني هو اللآخر حظه من العربية أقوى من حظه من الثقافة الإنجليزية.

أما ثقافتهم الأجنبية فهي الأخرى مستوعبة (أوغلت في القراءة الإنجليزية، ولم تقصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي، ولم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى'.

(ج) الاختلاف بين أعضاء المدرسة:

'كان عزم العقاد والمازني أن يصدر الديوان في عشرة أجزاء، ولكن لم يصدر منه إلا جزءان، وكانت خطتهما تقضي بأن يبدأ بتحطيم الأصنام مثل شوقي والمنفلوطي وغيرهما بنقدهم تفصيلياً، حتى إذا تم الهدم بدأوا في نشر آرائهما النقدية البناءة، لكن لماّ لم يظهر من الديوان إلا جزءان فقد ظلت آراؤهما النقدية البنائية مجهولة. ولكن العلاقة فسدت بين شكري والمازني بعد أن عاب شكري على المازني انتحاله لبعض الأشعار الإنجليزية، وكان الرد من جانب المازني فقط، ووقف العقاد إزاء هذه المعركة حيران صامت، خوفاً من فرحة صرعى المذهب القديم، ومن ثم لم يطب نفساً بتلك الجفوة التي حدثت بين صاحبيه فجمعهما ورأب الصدع وعاهدها على أن يكفا، فرضيا بحكمه'، 'وانزويا بعدها عن الساحة النقدية وبقي العقاد وحده إلى نهاية عمره يباشر عمله النقدي في صبر ودأب، إلى جانب نشاطه العلمي المتعدد الجوانب'.


--------------------------------------------------------------------------------

ثانياً: دور مدرسة الديوان وأثرها:

( أ ) الأهداف:

'حُددت أهداف المدرسة كما يقول العقاد في الديوان: (وأوجر ما نصف به عملنا إن أفلحنا فيه أنه إقامة حد بين عهدين لم يبق مال يسوغ اتصالهما والاختلاط بينهما، وأقرب ما نميز به مذهبنا أنه مذهب إنساني مصري عربي). إذاً فقد كان هدفهم أن يكون لمصر أدب يعبر عن الروح الأصيلة لها يترجم عن طبع الإنسان فيها بلسان عربي وأدب مصري، وعلى نحو ما صور المازني: لقد عز على العقاد وقد رجع إلى مصر القديمة فلم يجد لها شاعر أو واحداً عظيما، يقول: (ونظراً إلى العصور الحديثة بعد الإسلام فلم أعثر بشاعر واحد من مصر)..'.

(ب) مجالات الدعوة:

'تنوعت مجالات الدعوة لمدرسة الديوان على النحو التالي:

دراسات نقدية: كما يبدوا في دراسات المازني النقدية في الربع الأول من هذا القرن.

النماذج الشعرية: التي حملت في أطوائها هذه القيم الجديدة.

كتاب الديوان في النقد والأدب: وقد صدر سنة 1921م.

مقالات العقاد وبحوثه'.

(ج) الأثر الأدبي:

'لهم آراء نقدية مذكورة في كتب أخرى غير الديوان:

فللعقاد: مقدمات دواوينه الشعرية، ومقدمته لديوان المازني، ومنها كتبه: ساعات بين الكتب، بين الكتاب والناس، مطالعات في الكتب والحياة، يسألونك، اليوميات، اللغة الشاعرة، الشذوذ، أشتات مجتمعات، مراجعات في الآداب والفنون، ابن الرومي حياته وشعره، ودواوينه: يقظة الصباح، وهج الظهيرة، أشباح الأصيل، أشجان الليل، وحي الأربعين، هدية الكروان، عابر سبيل، أعاصير مغرب، ما بعد الأعاصير، وغير ذلك دراسات متعددة حول الأدب والنقد والشعراء.

وللمازني: آراء نقدية كذلك فيما كتبه عن بشار وابن الرومي وحافظ إبراهيم، والمعروف أنه لم يتابع مسيرة النقد الأدبي بعد حدة الاختلاف بينه وبين شكري، إذ انصرف عن الشعر والنقد واتجه إلى الكتابة القصصية والاجتماعية.وله كتب أخرى أهمها: حصاد الهشيم، قبض الروح،الشعر غاياته ووسائله.ومن قصصه:إبراهيم الكاتب،إبراهيم الثاني،صندوق الدنيا،عود على بدء،قبض الريح.

ولشكري: مقدمات لدواوين شعره، ومقالات متفرقة يرسلها بين الحين والحين بعد هجر الجماعة بسبب الخلاف، وانطوى على نفسه بعيداً معتزلاً عن الأضواء، وهذه المقالات مع ما كتبه في مقدمات دواوينه الشعرية تمثل رصيده من النقد الأدبي، وهو رصيد لا بأس به. فمن دواوينه: ضوء الفجر، لآلئ الأفكار، أناشيد الصبا، زهر الربيع، خطرات، الأفنان، أزهار الخريف'.

وما يهمنا أكثر الآن هو تلك الآراء النقدية التي دعت إليها مدرسة الديوان، وهو ما ســندرســه في الفصل التالي من هذا البحث.


--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الثالث:

مدرسة الديوان: الآراء النقدية وجذورها

أولاً: مبدأ التمرد على الأساليب القديمة:

'قد عملت مدرسة الديوان منذ نشأتها على التمرد في وجه القصيدة العربية التقليدية شكلاً ومضموناً وبناءً ولغة، وربما لأن روادها فتنوا بنماذج الشعر الغربي الذي لا يغرق في هذه القيود، والتي كانت القصيدة العربية اصطنعتها لنفسها أو اصطنعتها لها عصور التخلف والانحطاط والتقليد:

( أ ) في الشكل: ثاروا على نظام القصيدة الطويلة ذات النسق الموحد، وجنحوا إلى شعر المقطوعات، وشعر التوشيح، وشعر تعدد الأصوات، وثاروا على نظام القافية الموحدة، فنوعوا فيها على فترات متقاربة تتردد بين البيتين والأبيات القليلة، بل امتد (شعر شكري) على القافية بكاملها، فألغاها في عديد من قصائده.

(ب) في المضمون: تمردوا على محدودية الفضاء المتناول عن بقية آفاق الوجود، ومحدودية الطموح والانحصار في توافه الأمور. وتمردوا على رضوخ الشاعر حيال ما يراه في الكون من تناقض ونقص، ودعوا إلى ضرورة التعبير عنها، وعن إيقاعها في ذهن الشاعر. وتمردوا على تعالي موضوعات الشعر عن الواقع التاريخي الذي تحياه الجماهير، ورفضوا التفاهة التي غلبت على الحياة والشعر، وخلو الشعر من عناصر التفكير والإحساس، ورفضوا شعر المناسبات، ووصف الأشياء وتعديد أشكالها وألوانها، وعدم الشـعور بجوهرها ونقل هذه الشعور. وتمردوا على بقاء الشعر قيمة لسانية وليس قيمة إنسانية. وتمردا على ضياع المواقف الشخصية في الشعر، وفقدان ذاتية الرؤية وخصوصية الأسلوب، وتمردوا على الغموض وفرقوا بينه وبين العمق، وتمردوا على فساد المعنى بما ينطوي عليه من تعسف وشطط ومبالغة ومخالفة للحقائق، أو الخروج بالفكر عن المعقول، أو قلة جدواه وخلو مغزاه.

(ج) في البناء: رفضوا التفكك الذي يحيل القصيدة إلى مجموع مبدد، لا تربطه وحدة معنوية صحيحة، فنادوا بالوحدة العضوية.

(د) في اللغة: تمردا على ما سمي بلغة الشـعر أو القاموس الشعري، ودعوا إلى تحرير اللغة الشعرية من القوالب الجاهـزة، والأنماط القبلية، وضرورة التعبير عن المضامين الجديدة بلغة قادرة على التحليل والتركيب، واسـتبدال معجم مهجور أو خطابي أو مبتذل أو مكرور بمعجم آخر مأنوس ومتعال على الدلالات الوضعية المحدودة للألفاظ، وتقرب العمل الشعري من حركة العصر وحيوية المعاناة وتأمل الفكر وإشعاء الوجدان'.

ثانياً: الآراء النقدية لمدرسة الديوان:

'سجل كل من أعضاء الديوان آراءه النقدية نحو بعض الشعراء والكتاب، إذ نرى العقاد ينقد أحمد شوقي في جزء كبير من الكتاب، كما ينقد مصطفي صادق الرافعي. أما المازني فإنه ينقد زميل له في مدرسته عبد الرحمن شكري، كما ينقد مصطفي لطفي المنفلوطي'.

وهذه بعض القضايا النقدية التي دعت إليها مدرسة الديوان:

قضية التشبيه: 'يدلي العقاد برأيه في التشبيه الأدبي بصفة عامة: (إن الشاعر هو من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها، وليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو، ويكشف عن لبابه وصلة الحياة به… إن الناس جميعاً يرون الأشكال والألوان محسوسـة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس)…(الديوان). وقد انتقد شوقي في بعض صور التشبيه في شعره.

الطبع والصنعة: نادى المازني بأن يتحرر الأدب من الصناعة اللفظية، وأن يكون المضمون هو الذي ينبغي أن يعني به الأديب أولاً، لأنه إذا اتضحت له المعاني استقامت له الألفاظ. وقد اتهم المنفلوطي بالصنعة الأسلوبية وبالتكلف في التعبير، ولا يجري على الطبع والسليقة، شاع في أسلوبه كثير من المحسنات البديعية المتكلفة.

صدق الوجدان: ومن آراء شكري ما نادي به بأن يكون الشعر ترجمة عن النفس والوجدان، دون أن يكون الشاعر مشغولاً بغيره مردداً لأقوال سابقيه في معاني شعره: (الشعر هو ما أشعرك، وجعلك تحس عواطف النفس إحساساً شديداً، فالمعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه)…'.

وحدة القصيدة:'أن تكون القصيدة عملاً فنياً تاماً يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها. وفيها انتقد العقاد شوقي.

التجربة الشعرية: أن تكون التجربة الشعرية مكوناً من مكونات البناء العام للقصيدة المعاصرة بكل ما تنحني عليه التجربة الشعرية من عناصر العاطفة والحس والعقل والتفكير، والحلم والخيال والإيقاع الموسيقي وبكل ما تعنيه التجربة الشعرية من معايشة واقعها الموضوعي والنفسي والفكري واللغوي'. 'وترتب على ذلك أن تكون لكل شاعر تجربته الذاتية الخاصة، وذلك حتى يتجنب التقليد والأخذ من الآخرين'22ب.

الوزن والقافية: 'نادوا بالتحرر من قيد الوزن والقافية، لأن الالتزام بذلك يؤدي إلى الملل بسبب تكرر نغمة واحدة على الأذن، وإن كان العقاد قد عدل عن ذلك وأصبح من أكبر المناصرين للشعر العامودي مع إباحة التنويع في القصيدة ذات المقطوعات'.'أما شكري فقد ألغي القافية في عديد من قصائده، وراد بذلك حركة (الشعر المرسل)، والتي ربما تكون أساساً لحركة (الشعر المتحرر) التي رادها بعد (أبو شادي)، ثم لحركة (الشعر الحر) التي رادها أخيراً جيل الأربعينات'.

ثالثاً:جذور المذهب:

'الواقع أن هذا المذهب له جذور عربية في العصر العباسي، وجذور غربية في القرن التاسع عشر في أوروبا. فأما جذوره في الأدب العربي ففي محاولات أبي تمام وابن الرومي، إذ حاولا أن يعمقا النظرة الشعرية في مجال الفكرة كما صنع أبو تمام، وفي مجال التوليد والإصابة في التشبيهات واستنكاره خفايا الطبيعة كما فعل ابن الرومي.كما أن اكثر القضايا النقدية التي أثارها هذه المدرسة ضد شوقي وحافظ لها جذورها في النقد العربي القديم والحديث، فالتفكك والإحالة والتقليد والولوع بالأعراض دون الجواهر قد التفت إليها النقاد كالآمدي والجرجاني وغيرهما، وقضية وحدة القصيدة التي تكلم فيها السابقون مثل: ابن خلدون والحاتمي (من علماء القرن 14ً) والشيخ المرصفي وخليل مطران'.

رابعاً: ما قصرت فيه مدرسة الديوان:

'وقفت آراء هذه المدرسة عند باب الشعر الغنائي، ولم تتعد أسوار الشعر الموضوعي أو تقتحمه لتبين لنا رأيها فيه، ولتحدد له أصولاً ومعايير ومناهج تطوره وتنهض به. والمنهج النفسي الذي حاولت مدرسة الديوان تطبيقه في كل شعر وشاعر والاهتمام بظهور شخصية الشاعر في الشعر يعتبر بعداً عن الشعر الموضوعي وقاعدة لا يصح إطلاقها في كل حالة.'.

'إن الدعوة الجارفة للقيم النقدية ربما تكون قد نمت من خلال التأصيل النظري لها فحسب، وهم شعراء بالدرجة الأولى لم يستطيعوا -إلا قليلاً- تجسيدها في واقع شعري ممتاز يغري بمتابعتها أو التشيع لها، فانصرفوا يدعون لها دعوة نقدية هائلة حتى استقرت كأساس راسخ من أسس قيمنا النقدية المعاصرة، ولقد حاولوها شعراً، ولكن قامتهم الشعرية كانت أقل من حجم الدعوة المغامرة، ومهما يكن من شيء، فإن مدرسة الديوان نهضت قضية تطور شعرنا المعاصر لأخطر الأدوار شكلاً ومضموناً وبناءً ولغة'.


--------------------------------------------------------------------------------

الخاتمة:

ظهر في الأدب العربي الحديث جيل من الشعراء أحيوا صورة الأدب العربي القديم، يترسمون خطا البارودي رائد حركة البعث في المحافظة على الشكل والروح والانتماء، فحال ذلك عن تقديم الجديد في المضمون الأدبي، وتطورت بعدها حركة النقد، فنودي بضرورة التجديد استجابة لدواعي العصر. وللأدب الغربي أثره، فأدخل ألواناً من المذاهب الفلسفية والنفسية الغربية إلى الساحة العربية، كما أوحت الروح الذاتية التي قد شاعت فيه إلى أن الأدب هو الذي يكوّن شخصيةً مستقلة للأديب، فظهرت عدة اتجاهات مختلفة يمثلها أدباء وشعراء، تبعاً لاختلاف مستوى الفكر والإبداع.

وظهرت مدرسة (الديوان) تدعوا إلى التجديد بمفهومه الواعي للشعر وغايته ووسائله، فعملت منذ نشأتها على التمرد في وجه القصيدة العربية التقليدية، فثاروا على نظام القصيدة الطويلة في وحدة النسق والقافية، وتفكك الموضوع أو تعدده في القصيدة الواحدة، وانتقدوا تعالي الشعر عن الواقع التاريخي للحياة، أو بعد عن الروح العصرية وحاجة المجتمع، أو خلوه من عناصر التفكير والشـعور بجواهر الأشياء، أو الغموض وفساد المعنى، أو فقدان المواقف الشخصية وذاتية الرؤية وخصوصية الأسلوب، وبقاء الشعر لغة قديمة مضى عصرها وانزوى.

وضعت المدرسة أسساً قيمة للنقد الأدبي، فدعت إلى التجربة الشعرية والمجاراة للطبع والصدق في الوجدان والإصابة في التشبيه والوحدة في القصيدة والموضوع، ولتعدد المصادر الثقافية لأدباء ونقاد فترة التجديد بين العربية الأصيلة والأجنبية، فقد لقيت الثقافة الغربية بعض الأنصار، تأثروا بها، ودعوا إلى الاحتذاء بالأدب الغربي والتغيير الشامل في الأدب العربي تقليداً بالأدب الغربي بكل ما يحتويه، فبدت ظواهر تدعوا إلى الواقعية والانحلال، وامتدت إلى الأدب ولغته المظاهر السلبية من التجديد. فكما كان لمدرسة الديوان دور مهم في حركة التجديد المنظم في الأدب العربي، كانت هي الواجهة في الدفاع عن شخصية الأدب العربي وملامحه المستقلة المستمد من المنبع العربي الأصيل.

كان عزمها أن يصدر كتاب الديوان في أجزاء عشرة، وخطتها أن تبدأ بالهدم أولاً، ثم تشرع في البناء، لكن لماّ لم يظهر منه إلا جزءان فقد ظلت آراؤها النقدية البنائية مجهولة، ووقفت آراؤها عند الشعر الغنائي، ولم تتعد إلى الشعر الموضوعي لتحدد له أصولاً ومعايير ومناهج، ودعوتها الجارفة للقيم النقدية قد نمت نظرياً، ولكن قَلّمَا استطاعت تجسيدها في واقع شعري بَيّن. وإن كان قد قصرت قامتها الشعرية عما بلغت إليه الدعوة التجديدية، إلا أن آراءها ظلت أسساً راسخة من أسس القيم النقدية الأدبية المعاصرة، وأضحت مدرسة الديوان قضية هامة في نهضة وتطور الشعر العربي الحديث، والأدب العربي المعاصر بشكل عام. والله أعلم.أهـ.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


--------------------------------------------------------------------------------

المراجع:

_ أحمد حسن الزيات، تاريخ الأدب العربي، الطبعة الرابعة والعشرون، بدون تاريخ، القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر.

_ د.أحمد هيكل، تطور الأدب الحديث في مصر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، القاهرة: دار المعارف.

_ أ.د.سعد عبد المقصود ظلام، مدخل إلى النقد الحديث، الطبعة الأولى، 1404هـ-1989م، القاهرة: دار المنار.

_ د.شوقي ضيف، الأدب العربي المعاصر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، القاهرة: دار المعارف.

_ د.شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، الطبعة السابعة، بدون تاريخ، القاهرة: دار المعارف.

_ أ.د.طه أبو كريشة، في النقد العربي الحديث تاريخه وقضاياه، بدون تاريخ، القاهرة: جامعة الأزهر.

_ د.طه عبد الرحيم عبد البر، قضايا النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، 1403هـ-1983م، القاهرة: مطبعة دار التأليف.

البندري
12-27-2005, 08:04 PM
أنشودة المطر
لبدر شاكر السياب

التعريف بالشاعر :
بدر شاكر السياب شاعر عربي عراقي ولد1929م بقرية ( جيكور) بالبصرة ، كانت طفولته سعيدة يحب مراقبة السفن والمراكب وقد تركت حكايات جدته انطباعات عميقة الأثر في نفسه جسدها شعرا فيما بعد ، أتم تعليمه الثانوي فيها ثم التحق بدار المعلمين ببغداد وتخصص في اللغة العربية والإنجليزية وزادت شهرته من خلال المجالس الأدبية عمل معلما كما عمل في الاستيراد والتصدير بميناء البصرة ، وخسر في الجميع لمواقفه السياسية فقد كانت الحركات اليسارية العربية في العراق مشتعلة وقد انضم السياب إلى الموجة الشيوعية والتي انعكست على شعره فاتسم بالبعد عن مقتضى الإيمان ثم حدثت بعض المفارقات التي أبعدته عن الفكر الشيوعي فقد كان طريدا من قبل الحكومة مما دفعه للجوء إلى إيران . أصيب السياب بداء عضال أقعده فكان الجسر الذي عبر من خلاله إلى التوبة وتفجرت من خلاله المعاني الإيمانية ، يعد من رواد شعر التفعيلة ، وقد تأثر السياب بالأدب العربي و الأوروبي والإنجليزي والصيني مما كان عاملا لنزوعه إلى الأسطورة والرمز ، له عدة دواوين منها : أزهار ذابلة وأساطير وأنشودة المطر وقد جمعت في مجلدين .


مناسبة القصيدة
اتخذ بدر شاكر السياب من المطر رمزا واسعا قادرا على حمل هواجس النفس الإنسانية . فيتخذ الشاعر من موطنه العراق حبيبة يتغنى بها ويتمنى أن يعم وطنه الخير والخصب والنماء منطلقا من همه الفردي الخاص إلى عرض بعض الهموم الاجتماعية مثل : الفقر والجوع على الرغم من وجود الخير الكثير في بلده .


1- ذكريات الشاعر الجميلة :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجدافُ وَهْناً ساعةَ السحر...
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف
والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء
فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر
كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم..
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر...
وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم
ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
مطر

المفردات :
السحر : قبل الصبح (ج) أسحار ، ينأى : يبتعد ، تورق : تكثر أوراقها ' دلالة على الإزهار والإثمار' ، الكروم : شجر العنب ، يرجه : يهزه بشدة ويحركه ، المجداف : خشبة يحرك بها القارب (ج) مجاديف ، وهناً : نصف الليل ووَهِنَ بمعنى أصابه الوجع ويقال 'دخل في الوهن من الليل ' ، تنبض : تحرك الشيء في مكانه ، غور : القعر والعمق (ج) غيران وأغوار ، تغرقان : يغلب عليها الماء حتى يهلكها ، الضباب : سحاب يغشى الأرض كالدخان ، أسى : حزن ، شفيف : شديد ، سرَّح : أرسل ، ارتعش : ارتجف واضطرب ، تستفيق : أفاق فلان أي عاد إلى طبيعته من غشية لحقته ، ملء : قدر ما يأخذه الإناء ، رعشة : رجفة ، نشوة : أول السكر والارتياح للأمر والنشاط له والمراد بها الرغبة ، وحشية : عارمة لا يسيطر عليها ، تعانق : تحتضن حباً ، أقواس : مفردها قوس وهو جزء من محيط الدائرة ، الغيوم : السحب مفردها غيمة ، تذوب : تسيل ، كركر : ضحك بشدة ، عرائش : مفردها عريشة وهو ما يستظل به ، دغدغ : غمزة تسبب انفعالا ، أنشودة : الشعر المتناشد بين القوم (ج) أناشيد .

الشرح
يتخيل الشاعر العراق حبيبة له ويتذكر من خلالها ذكرياته الجميلة بها فيتذكر غابات النخيل الشامخة في أواخر الليل بهدوئها وسكونها ، فعندما يعم السلام والسعادة في العراق تتحرك كل مباهج الكون وتعزف أنشودة الحياة التي يراها في شجر الكروم الذي كثرت أوراقه وكذلك في الأضواء المنبعثة من القمر التي تتراقص وتتلألأ على سطح الماء عندما يتحرك المجداف بضعف قبيل الصباح . يتذكر الشاعر لمعان النجوم الخافت الذي يكاد يختفي في الضباب الشديد مما يسود البلاد من حزن شديد للأوضاع العامة فيعم الظلام على البحر والبر وبدأ الشاعر يستشعر بالعراق فشعر بدفء شتاء الوطن ورعشة الخريف فيه فتدور بداخله ملحمة عظيمة يروى من خلالها قصة الحياة بين الموت والميلاد ، بين النور والظلام ، مما أفاق بداخله الشعور الجارف بالبكاء على هذا الوطن فيشعر بالرغبة الشديدة للتحرر والارتباط بعالم السماء الرحب فيرى بصيص من الأمل المتمثل في المستقبل والطفل ، ويعود مرة أخرى فيتذكر طفولته في العراق وقد امتلأ الجو فيها بالسحب الماطرة التي بدأت تقضي على الغيوم فيسقط المطر قطرة قطرة وقد تهلل الأطفال فرحين في عرائش العنب وبدا المطر محركاً لصوت العصافير على الشجر يعزف أنشودة الحرية والخصب والنماء ' مطر... مطر.... مطر ' .

مواطن الجمال :
· عيناك غابتا نخيل ساعة السحر : شبه عينا الحبيبة بغابتا النخيل وقت السحر للدلالة على الهدوء والسكون .
· أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر: شبه عينا الحبيبة بالشرفتين اللتين بعد عنهما القمر للدلالة على الأمل في التحرر من الليل .
· يلاحظ استخدام الشاعر للجمل الاسمية مما يوحي بالسكون والهدوء ويبدأ يعقبها بالجمل الفعلية التي تسبب الحركة وبدء الحياة وتجددها مثل : ' تورق الكروم ، ترقص الأضواء ، يرجه المجداف ، تنبض في غوريهما ..........'
· استخدام الشاعر للأفعال المضارعة للدلالة على الاستمرارية والدوام
· عيناك حين تبسمان : تراسل حواس حيث أعطى وظيفة الفم للعين .
· استعارة مكنية شبه العين بالإنسان الذي يبتسم .
· ترقص الأضواء : استعار مكنية شبه الأضواء بإنسان يرقص .
· ترقص الأضواء كالأقمار في نهر : شبه رقص الأضواء باهتزاز القمر في النهر عندما يتحرك المجداف فوق الماء .
· كأنما تنبض في غوريهما النجوم : استعارة مكنية شبه النجوم بالقلب الذي ينبض .
· وتغرقان في ضباب من أسى شفيف : استعارة تمثيلية شبه النجوم التي تختنق بالضباب بالإنسان الذي يغرق في الحزن الشديد .
· كالبحر سرح اليدين فوقه المساء: استعارة مكنية شبه المساء بالإنسان الذي أرسل يده فوق البحر.
· الموت والميلاد ، الظلام والضياء : طباق يوضح المعنى ويبرزه .
· ونشوة وحشية تعانق السماء: وصف النشوة بالوحشية دلالة على عدم قدرته على السيطرة عليها
· وفيها استعارة مكنية شبه النشوة بالحيوان المفترس ، وشبه السماء بالإنسان الذي يعانق ، وشبه النشوة بالإنسان الذي يعانق .
· ونشوة وحشية كنشوة الطفل إذا خاف من القمر : شبه النشوة الوحشية بنشوة الطفل عند خوفه من القمر .
· وهنا إشارة لأسطورة خسوف القمر والخوف الذي يدفع الأطفال للغناء والإنشاد.
· والطفل هنا يرمز إلى المستقبل الذي يبشر بالأمل .
· كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم: استعارة مكنية شبه السحاب بالإنسان الذي يشرب الغيم.
· وقطرة فقطرة تذوب في المطر : تقديم ما حقه التأخير
· وكركر الأطفال في عرائش الكروم : كناية عن السعادة التي يحملها المستقبل و تجدد الحياة وولادة العالم الفتي الذي بدأ يلوح في الأفق .
· ودغدغت صمتَ العصافير على الشجر: كناية على الحرية والانطلاق
· تكرار كلمة مطر يدل على حرص الشاعر على إظهار أثر المطر في الخصب والنماء.


2- المناحي التي تبعث السرور والحزن في نفس الشاعر :

تثاءبَ المساءُ والغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال:
كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام
بأنّ أمّه - التي أفاقَ منذ عام
فلم يجدْها، ثم حين لجَّ في السؤال
قالوا له: 'بعد غدٍ تعود ...'
لا بدّ أنْ تعود
وإنْ تهامسَ الرِّفاقُ أنّها هناك
في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود،
تسفُّ من ترابها وتشربُ المطر
كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك
ويلعنُ المياهَ والقدر
وينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر
مطر، مطر، المطر

أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع
كالحبّ كالأطفالِ ، كالموتى –
هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار
أصيحُ بالخيلج: 'يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى'
فيرجع الصدى
كأنّهُ النشيج:
'يا خليج: يا واهب المحار والردى'

المفردات :
تثاءب : تصنّع الثوباء ، الثوباء حركة للفم لا إرادية من هجوم النوم أو الكسل ، تسح : تنزل وتنصب ، الثقال : الشيء الكريه للنفس ، يهذي : تكلم بغير معقول لمرض ، أفاق : تنبه ، لج : ألح ولزم الشيء ولم ينصرف عنه ، تهامس : تكلم بصوت منخفض ، التل : ما علا من الأرض (ج) تلال ، اللحود : مفردها لحد وهو القبر ، تسف : تأكل ، يلعن : يسب ، القدر : قضاء الله ، ينثر : ينشر ، يأفل : يغيب ، تنشج : ونَشَجَ الباكي يَنْشِج نَشْجاً ونَشيجاً، إذا غَصَّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب ، المزاريب : مفردها مزراب وهي مجاري للماء ، انهمر : سال بشدة ، الضياع : الفقد والهلاك ، المراق : المسال ، مقلتاك : عيناك ، تطيفان : تأتيان كالخيال ، المحار : حيوان بحري ينتج اللؤلؤ ، تهم : تشرع ، دثار : ما يتدثر به ( يتغطى به) الإنسان من كساء أو غيره ، واهب : معطي ، الردى : الموت والهلاك ، الصدى : رجع الصوت .

الشرح :
يستمر الشاعر في تداعي الذكريات التي تربطه بالوطن في تعبيرات رمزية رائعة ، فيرى دخول الليل وما زالت الغيوم تنزل المطر الذي أثقل كاهلها فيرى أبناء العراق الذين استفاقوا من غفوتهم للتحرر يحملون معهم الأمل الذي سيتحقق طالما أصروا عليه وقد أخذ بعض الرفاق البعيدين عن الوطن يتكلمون همسا أن العراق ما زالت في رقادها وذلها وهوانها فالشعب يعاني فيها في يأس وحزن ينعى حظه وقدره يحاول أن يتغلب على قهره بالغناء عندما يغيب القمر منشدا ' مطر... مطر ..'
ثم يوضح الشاعر أن المطر يبعث الحزن في نفسه ، فعندما ينهمر المطر ويسمع صوت وقع الماء من المزاريب وكأنه بكاء عنيف يشعر الإنسان الوحيد بالضياع والهلاك ولا ينتهي هذا الشعور كالشعور الناجم من رؤية الدم المسال والناس الجوعى أو الشعور بالحب المتجدد والحنين للوطن والشعور النابع من رؤية طفل أو ميت ، فالمطر يطلق هذا الشعور باستمرارية .
تمر علي هذه الأطياف أطياف الوطن مع هطول المطر فأقف أتأمل أمواج الخليج التي تحمل معها الأمل من جديد وقد رأيت الأحرار الذين يعدون أنفسهم لتخليص العراق من الظلم واسترداد ثرواتها المسلوبة وكأنهم سيشرقون بعراق جديد ولكن هذه المحاولات انتهت بالفشل وسالت دماء هؤلاء الأحرار ومن بقى منهم لاجئا بعيدا عن وطنه ليس له إلا أن ينادي على الخليج الذي يهب الخير والعطاء وكذلك الهلاك لصعوبة الحصول على خيراته ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتفشل هذه الحركات التحررية .

مواطن الجمال :

· تثاءب المساء : استعارة مكنية شبه المساء إنسانا يتثاءب
· الغيوم ما تزال تسح ما تسح من دموعها الثقال : استعارة مكنية شبه الغيوم بالمرأة التي تبكي بشدة .
· دموعها الثقال : كناية عن شدة ما يعانيه الوطن من ظلم وقهر .
· كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام : : يربط الشاعر صورة الغيوم التي تذرف الدمع بصورة الطفل الذي فقد أمه ويبكي سألا عنها
· يستخدم الشاعر الطفل رمزا للمستقبل الذي يحمل الأمل في الحرية
· ويستخدم الشاعر الأم رمزا للوطن المستعمر .
· حين لج في السؤال
قالوا له بعد غد تعود
لا بد أن تعود : نلمح إصرار الشاعر وتحدي المناضل الطريد على تحرير الوطن وعودة العراق حرة كما كان.
· وإن تهامس الرفاق : الهمس هنا يدل على مدي الخوف والقلق الذي يملأ النفوس .
· تنام نومة اللحود : كناية عن الموت والخراب الذي حل بالوطن.
· تسف من ترابها وتشرب المطر: كناية عن الذل الذي تعيش فيه العراق.
· كأن صيادا حزينا يجمع الشباك
ويلعن المياه والقدر
وينثر الغناء حيث يأفل القمر : ربط الشاعر حال العراق بحال الصياد الذي نصب شباكه للصيد وأتى المطر وخرب عليه الصيد فأخذ يجمع شباكه لاعناً القدر الذي لم يمكنه من صيده .
· فالصياد رمز للشعب اليائس الحزين الذي يصارع الحياة .
· وينثر الغناء حيث يأفل القمر : كناية عن الألم الذي يعانيه الشعب في وجود الظلم والاحتلال .
· تكرار كلمة ' مطر ' يدل على الثورة العارمة والصراع .
· أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟ وكيف تنشج المزا ريب إذا انهمر؟ وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟
أساليب إنشائية استفهام غرضها التقرير .
· كالدم المراق .. كالجياع.. كالحب .. كالأطفال .. كالموتى : كلمات تحمل ترسبات الماضي في نفس الشاعر مما يوحي بالمفارقات الكامنة بنفسه .
· تمسح البروق سواحل العراق : استعارة مكنية شبه البروق بالإنسان الثائر ضد الظلم .
· النجوم والمحار : كناية عن الثروات الموجودة بالعراق .
· كأنها تهم بالشروق : كناية عن الأمل في زوال المستعمر .
· فيسحب الليل عليها من دم دثار : شبه الليل بالإنسان الذي يغطي ، والدم بالغطاء ، دلالة على العنف المتواجد في العراق .
· يا خليج ، يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى : أسلوب نداء يدل على بعد الشاعر وغربيه عن الوطن
· اللؤلؤ والمحار والردى : اللؤلؤ والمحار كناية عن مهنة الغوص والتي ارتبطت بالموت للدلالة على صعوبة العيش في العراق
· كأنه النشيج : كناية عن الألم الذي يعتصر العراق من المستعمر.
· عودة الصدى ' يا واهب المحار والردى ' تحمل دلالة ضياع خيرات العراق وثرواته .


الهم الذي يؤرق السياب :

أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
ويخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود
في الوادِ من أثر
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
وأسمعُ القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ وبالقلوع
عواصفَ الخليجِ والرعود، منشدين
مطر.. مطر .. مطر


المفردات :
يذخر : خبأ لوقت الحاجة ، الرعود : صوت السحاب المصطدم المحمل بالمطر ، البروق : مفردها برق وهوا للمعان الناتج من اصطدام السحب ببعضها ، فضّ : فض الشيء فرقه ، ختمها : ختم النحل أي ملأ خليته عسلا ، واختم الشيء أي أتمه ، ثمود : إشارة إلى قوم ثمود الذين أخذهم الله بالصيحة والرجفة والزلزلة ، تئن : تتألم ، المهاجرين : المستعمرين ، يصارعون : يقاتلون ، المجاذيف : مفردها مجذاف وهو ما تتحرك به السفينة ، القلوع : مفردها قلع وهو الشراع ، عواصف : مفردها عاصفة وهي الريح الشديدة .

الشرح
في هذا المقطع يوضح السياب الهم الذي سبب له الأرق وهو المستعمر الذي غزا بلاده فنجده يعايش الموقف بالعراق فالثورة قائمة والعراقيون يستعدون للقاء المستعمر وحربه ولكن تفرقوا وتشتت أمرهم فلم يبق إلا صوت المطر الذي يضفي الحزن في النفس وكذلك القرى التي لحقها الدمار من جراء الصراع الذي دار بينهم وبين المستعمر لاقتلاع خيرات الخليج .

مواطن الجمال
· اسمع العراق : شخص الشاعر العراق بالإنسان الذي يتكلم .
· يذخر الرعود ، يخزن البروق : أساليب خبرية تدل على الثورة الموجودة داخل العراق .
· لم تترك الرياح من ثمود
في الوادي من أثر : إشارة إلى قوم ثمود الذين أخذهم الله بالصيحة والرجفة والزلزلة وقد التبس الأمر على الشاعر بين قوم عاد وثمود فعاد هم من أخذوا بالريح الباردة ' وهنا لجأ الشاعر إلى استخدام معاني القرآن الكريم '
· أكاد أسمع النخيل يشرب المطر : استعارة مكنية شبه النخيل بالإنسان الذي يشرب .
· أسمع القرى تئن : استعارة مكنية شبه القرى بالإنسان الذي يئن .
· المهاجرين يصارعون عواصف الخليج : شبه أهل العراق بالعواصف في ثورتهم .






نقد القصيدة

التمهيد ..
يعد بدر شاكر السياب من الذين وظفوا المطر ليكون رمزا واسعاً على حمل هواجس النفس الإنسانية وعرض همومه الفردية منطلقاً منها إلى عدد من الهموم الاجتماعية مثل الفقر والجوع على الرغم من وجود الخير الكثير في بلده ، فقد حوّل المطر إلى قيمة ثرية غنية بالدلالات .
ولعل المحور الرئيسي الذي تدور حوله هذه الأبيات من القصيدة هو قضية العراق والاستعمار الذي طالما حاول النيل منها ولا عجب أن تتفق هذه الرؤية مع الواقع الحالي الذي يعيشه العراق فقد استبد فيه الطامعين وحولوه إلى ساحة قتال لهدف واحد وهو الثروات العراقية التي تزخر بها .

الأفكار :
أفكار القصيدة مترابطة ، وقد ابرز الشاعر أفكاره من خلال التشخيص والتجسيم والرمز فلم يعبر عنها صراحة ولكن ضمنا حيث نجده يبدأ القصيدة بذكرياته الجميلة في العراق ثم يبين المناحي التي تبعث السرور في حياته والمناحي التي تثير الحزن فيها والأسى ، فينطلق مباشرة إلى الهم الذي يؤرقه ويؤرق العراق كلها وهو طمع المستعمر فيها .

العاطفة :
عاطفة الشاعر في هذه القصيدة إنسانية عامة ، فهو يريد أن يدفع الخطر عن وطنه المتمثل في المستعمر الغاصب لخيرات بلاده فحب الوطن والانتماء إلى الأرض يشترك فيه جميع الناس ، فالعاطفة صادقة ' بين الألم والحزن والأمل والفرحة ' نابعة من حب الشاعر لوطنه وأرضه وشعبه المقهور .

الألفاظ :
استخدم الشاعر الألفاظ السهلة الواضحة موحية فجاءت ملائمة للموضوع ، وقد استخدم الشاعر الرمز للتعبير عما يريد دون خوف مثل:
الطفل : رمز للمستقبل الذي يبشر بالأمل ، والأم : رمز للوطن ، والصياد : رمز للشعب اليائس الذي يصارع الحياة ، والمهاجرين : رمز للمستعمرين الذين يغتصبوا ثروات العراق .

الأساليب
تنوعت الأساليب في القصيدة بين الخبرية والإنشائية التي توحي بالصراع المرير والحزن
فمن الأساليب الإنشائية أكثر من النداء والاستفهام للتعبير عن الجو النفسي الذي يعيشه الشاعر.
وبالنسبة للأساليب الخبرية نجد الشاعر وفق في استخدام الجمل الاسمية التي توحي بالسكون والهدوء و يعقبها بالجمل الفعلية التي تسبب الحركة وبدء الحياة وتجددها .
وكذلك استعان الشاعر بأسلوب التقديم لما حقه التأخير مثل تقديم الحال
كما ضمن الشاعر بعض الأساليب القرآنية ويعاب عليه الخلط بين عاد وثمود .

الصور والأخيلة :

جمع الشاعر بين التصوير الكلي والجزئي لتوضيح الفكرة والتعبير عن المشاعر فنجده يفصّل الصور الكلية بصور جزئية تثري العمل الفني مثل : ' عيناك حين تبسمان ' صورة كلية فسرها بعدة صور جزئية مثل :' ترقص الأضواء كالأقمار في نهر ، كأنما تنبض في غوريهما النجوم ، وتغرقان في ضباب من أسى شفيف ، كالبحر سرح اليدين فوقه المساء '
فنلاحظ تداعي الصور الشعرية فالصور تتوالد داخليا لتشكل حشداً هائلا من الصور المبنية على التشبيه والتي تعد بمثابة إشعاعات تومض بصفة دورية.


المحسنات البديعية :
غير متكلفة وقد استخدم الشاعر بعض المتناقضات للتعبير عما بداخله من إحساس
كالموت والميلاد ، والظلام والضياء ، دفء وارتعاشة

الموسيقا
في القصيدة نوعان من الموسيقى :
1- خارجية ظاهرة : حيث تعتمد هذه القصيدة في بناء الموسيقا الخارجية على تفعيلة بحر الرجز ' مُسْتَفْعِلُنْ ' وصورها :' مُتَفْعِلُنْ ، مُسْتَعِلُن ، مُسْتَفْعِلْ ، مُتَفْعي ' المتكررة مرات غير متساوية في كل سطر .
2- داخلية : الموسيقى الداخلية نوعان :
أ – ظاهرة : وتتمثل في المحسنات البديعية والمتناقضات .
ب- خفية : تتمثل في حسن اختيار الألفاظ الموحية التي تعبر عن الحالة الوجدانية ، والمتواليات الصوتية التي تحدث إيقاعاً يتوافق مع الجو النفسي والصور الحية الرائعة وترتيب الأفكار مع صدق العاطفة وقوتها .

الوحدة العضوية :
تتحقق الوحدة العضوية حيث نرى أن حب الوطن والانتماء إليه يدفع الشاعر لدفع خطر المستعمر عن بلاده ، ووحدة الجو النفسي والتي تمثلت في الفاجعة والحزن لما آل إليه الوطن الجريح .

الخصائص الفنية لأسلوب الشاعر :
1- اختيار الألفاظ السهلة الموحية المعبرة الموسيقية .
2- عدم الالتزام بقافية واحدة .
3- الميل إلى التجسيم والتشخيص والاهتمام بالصورة الشعرية.
4- التحرر من المحسنات البديعية المتكلفة .
5- التجديد في شكل القصيدة .
6- البناء على وحدة التفعيلة
7- استخدام الرمز في قصائده .
8- التأثر بالآداب الغربية والصينية .
9- استخدام الأسطورة أو الحكايات المروية من التراث .

البندري
12-27-2005, 08:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

سلام عيكم ورحمة الله وبركاتة.....

ان عين النعامه اكبر من دماغها!!; وانه قامت دراسة على امتداد 80 سنه على اكثر من 200.000نعامه لم يثبت فيها ان النعامه تدفن رأسها في التراب,

ان النمله اذا انقلبت...تنقلب على جانبها الايمن فقط,ان الدببة القطبيه عسراويه- تستخدم يدها اليسار فقط,ان المراه ترمش مرتين اكثر من الرجل
, ان الفيل هو الحيوان الوحيد الذي لا يقفز,ان حاسة التذوق عند الفراشة في اقدامها,ان التمساح لا يستطيع اخراج لسانه من بين فكيه,ان الاسكيمو يستخدمون الثلاجات لحفظ الطعام من التجمد
,ان البطه هي الحيوان الوحيد الذي لا صدى لصوته,شخص واحد من بين بليونين شخص يعمر حتى يصل الى سن 116 او اكثر!!! ,عرفت الولاعة قبل معرفة عود الثقاب!!!
في ولايه كليفلاند وتحديدا في مدينة اوهايو..لا تستطيع صيد الفئران الا بتصريح!!! هذا اللي ناقص..... ,ان ذاكرة السمكه الذهبية 3 ثواني فقط!!! ,عندما تعلق رجل الذئب في مصيدة من المصائد فانه يمضغها!!! ,ان الرجال معرضون لضربات الصواعق اكثر من النساء!!;1;1 ,للتفاحة خاصية مؤثره اكثر من الكافيين في ابقاء الشخص مستيقظ حتى الصباح ,تضرب الصواعق الارض اكثر من 6.000 مره في الدقيقه الواحدة!!! ,ينام الدلفين واحدى عيناه مفتوحتان,يتحرك قفصك الصدري اكثر من 5 ملايين مره في السنه الواحدة عندما تتنفس!!! ,ان قلب الجمبري في رأسه!!! ,الخنزير هو المخلوق الوحيد الذي لا يستطيع النظر الى السماء!!! ,50% من سكان العالم لم يتلقوا في حياتهم مكالمة تليفونيه واحده..او يقوموا بعمل اتصال!!!! ,احمر الشفاه يحتوي على بودرة..هذه البودرة ما هي الا جماجم اسماك مطحونة!!!,الحكمه من قول 'الحمد لله' ذلك ان القلب يتوقف عن النبض خلال العطس!!! العطسه سرعتها 100كلم في الساعة!! اذا عطست بشده من الممكن ان تكسر ضلع من اضلاعك!! اذا حاولت ايقاف عطسه مفاجئه من الخروج..ذلك يؤدي الا ارتداد الدم في الرقبة او الراس ومن ثم الى الوفاة!!;4 اذا تركت عيناك مفتوحتان اثناء العطس...من المحتمل ان تخرج من محجريها!!!


سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته

البندري
12-27-2005, 08:07 PM
البحث الاول (الشاعر ابو العلاء المعري)

من هو أبو العلاء المعري :

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي , عربي النسب من قبيلة تنوخ إحدى قبائل اليمن ، ولد في معرة النعمان بين حماة وحلب في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة للهجرة (973م) وكان أبوه عالما بارزا ، وجده قاضيا معروفا.

جدر في الرابعة من عمره فكفت عينه اليسرى وابيضت اليمنى فعاش ضريرا لا يرى من الألوان إلا الحمرة.

تلقى على أبيه مبادئ علوم اللسان العربي ، ثم تتلمذ على بعض علماء بلدته ، وكان حاد الذكاء قوي الذاكرة ، يحفظ كل ما يسمع من مرة واحدة ، وجميع من كتبوا عن أبي العلاء المعري قالوا فيه أنه مرهف الحس ، دقيق الوصف، مفرط الذكاء ، سليم الحافظة ، مولعاً بالبحث والتمحيص ، عميق التفكير .

اعتكف في بيته حتى بلغ العشرين من عمره ، منكبا على درس اللغة و الأدب ، حتى أدرك من دقائق التعبير وخواص التركيب مالا يطمع بعده لغوي أو أديب ، وقد بدأ ينظم الشعر وهو في الحادية عشر من عمره .

وفي سنة ثلاثمائة واثنين وتسعين هجرية ، غادر قريته قاصدا بلاد الشام ، فزار مكتبة طرابلس التي كانت في حوزة آل عامر ، وانقطع إليها فترة طويلة ، فانتفع بما فيها من أسفار جمة ، ثم زار الّلاذقية وعاج على دير بها ، وأقام فترة بين رهبانه ، فدرس عندهم أصول المسيحية واليهودية ، وناقشهم في شتى شؤون الأديان ، وبدأ حينئذ شكه وزيغه في الدين .

قصد أبو العلاء المعري بعد ذلك ، وهي مستقر العلم ومثابة العلماء فاحتفى به البغداديون وأقبلوا عليه ، فأقام بينهم فترة طويلة يدرس مع علمائهم الأحرار الفلسفة اليونانية والحكمة الهندية ، ويذيع آرائه ومبادئه على جمع من التلاميذ لازموه وتعيشوا له .

وكان قد فقد أباه وهو في الرابعة عشر من عمره ، فلما فقد أمه كذلك وهو في بغداد حزن عليها حزنا شديدا ، وأحس الخطوب الداهمة والمصائب تترى عليه دون ذنب جناه ، فبدأ ينظر إلى الحياة والعالم نظرة سخط ومقت وازدراء وتشاؤم ، و رأى أن من الخير أن يعتزل الناس والحياة ويزهد في ملذاتها ووصلت درجة زهد أبو العلاء المعري إلى أنه ظل خمسة و أربعين عاما لا يأكل لحم الحيوان ولا لبنه وبيضه قانعا من الطعام بالعدس ومن الحلوى بالطين ومن المال بثلاثين دينارا يستغلها من عقار له ، عاد إلى بلدته سنة أربعمائة هجرية ، وكانت آراء المعري شاهد على ما نقول عنه من نظرة تشاؤمية للحياة فهو يرى أنه ليس في الدنيا ما يستحق أن نضحي من أجله وأن كل ما فيها شر وشرور ، بل هناك من الباحثين في حياته من يقولوا أنه كان ينظر إلى أن كل من يسعى لملذات الدنيا فهو شر ، كما أنه ينضر إلى المرأة نظرة قريبة إلى نظرته إلى الحياة ، فهي كما يرى من الملذات ومن أقواله في المرأة :

بدء السعادة إن لم تخلق امرأة

ولم يكن أبو العلاء ناضب الفكر تجاه المرأة كما يبدو من بيت الشعر السابق لكن كل ما في الأمر أن أبو العلاء كان يخاف من فتنة المرأة وجمالها ، كما أن هناك نظرة أبي العلاء للولادة و الموت يدرك حجم تشاؤمه فهو يرع أن العدم خير من الوجود ، كما أنه يرى أن الإنسان معذب ما دام حيا , وأن متى ما مات استراح و له بيتان شعر قال فيهما :

قضـى الله أن الآدمـي مـعذب حتـى يقـول العالمـون بـــه قضـــى
فهنئ ولاة الموت يوم رحيــله أصابوا تراثا و استراح الذي مضــــى

كما أن له بيت قريبا من البيتبن السابقين يقول فيه :

فليت وليدا مات ساعة وضعه ولم يرتضع من أمه النفساء

وهناك أيضا من حياته ما يدل على تشاؤمه فلقد احتجز نفسه في داره ، وسمى نفسه رهين المحبسين يقصد بذلك العمى والمنزل .

وظل معتقلا عن الناس ما عدا تلاميذه ، دائبا على البحث والتعليم والكتابة ، فأخرج مجموعة ضخمة من التواليف والكتب ذهبت أكثرها بفعل الحروب الصليبية ، ومن أهم وأبرز كتبه :

1. ديوان سقط الزند، ويشمل ما نظمه من الشعر أيام شبابه.
2. ديوان اللزوميات، ويشمل ما نظمه من الشعر أيام كهولته.
3. رسالة الغفران، وهي قصة خيالية فريدة في الأدب العربي.
4. ديوان رسائله، ورسالة الملائكة والدرعيات.
5. كتاب الفصول والغايات.

كان للمعري كما هو شأن أي شاعر ومؤلف آخر خصائص في شعره ونثره وكتاباته بفعل البيئة التي عاش فيها وغير ذلك من العوامل الأخرى ، من أهم خصائص شعر وكتابات المعري الاشتمال على الأمثال والحكم والحكمة ، و خصوبة الخيال ، تكلمه عن التاريخ والحوادث التاريخية ورجال العرب الذين اشتهروا بفعل حوادث تاريخية مشهورة وله بيت شعر طريف يتكلـم فيه عن معرفته برجـال العرب والحوادث التاريخية يقول فيه :

ما كان في هذه الدنيا بنو رمن إلا وعندي من أخبارهم طرف

كما أن كتاباته تميزت بالأسلوب الساخر والمتهكم، ولا يفوتنا أن نقول أن أبرز ملامح وخصائص ما شعر و كتب أبو العلاء المعري النظرة التشاؤمية التي يحملها شعره أو نثره.

أما عن أهم أهداف مؤلفاته من رسائل ودواوين فهو الوصف و كان من أكثر الشعراء إجادة له ، وفد قيل عنه أنه ليس أقل إجادة في الوصف لغير المحسوس من المحسوس ، وأيضا من أهدافه في مؤلفاته النقد ، ومن أمعن النظر في شعره تبين أن له طريقتان في النقد ، الأولى نقد المسائل العلمية ، والثانية نقد الأخلاق والعادات والمزاعم ، وفي كلتا الطريقتين لا يخلو كلامه من التهكم والسخرية والاستخفاف فهو أسلوب يكاد أن يقترن به دائما .

وقد شرح كتب ودواوين ومؤلفات عدة مثل ديوان معجز أحمد لأبي الطيب المتنبي ، وديوان ذكرى حبيب لأبي تمام ، وديوان عبث الوليد لأبي عبادة البحتري .

أما عقيدته فقد اختلف فيها الكثيرون فمنهم من زعم أنه من المتصوفين لكلامه ظاهر وباطن , ومنهم من زعم أنه كافرا ملحدا ، ومنهم من قال أنه كان مشككا متحيرا ففي شعره ما يدل على الإيمان وفيه ما يدل على الكفر , ولعل من أبرز شعره الذي يدل على إيمانه قوله :

إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد

أما أبرز ما يدل على كفره قوله :

قلتم لنا صانع قديـم قلنا صدقتم كذا نقــول
ثم زعمتم بلا مكـان ولا زمان، ألا فقولـــــوا
هذا كـــلام له خبئ معناه ليست لنا عقول

رفض أبو العلاء المعري الزواج – من مظاهر زهده في ملذات الدنيا والحياة ونظرته لها – لكي لا يجني على ابنه ما جناه عليه أبوه ، مات سنة أربعمائة وتسعة وأربعون هجرية ، تحديدا يوم الجمعة الثالث عشر من ربيع الأول ، وكان حينئذ في السادسة والثمانين من عمره، وقف على قبره مائة وثمانون شاعرا منهم الفقهاء والعلماء والمتحدثون والمتصوفون ، وقد أوصى أن يكتب على قبره :
هذا جناه أبي علي و ما جنيت على أحد

البندري
12-27-2005, 08:10 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المتنبي



نشأته وحياته :

المتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين ، الكوفي الكندي ، ولد بمحلَّةِ كِنْدة بالكوفة سنة ( 203 هـ ـ 915 م ) ، ولهذا نسب إليها .
وقد اعتنى والده بتربيته منذ الصغر ، فأدخله مدرسة بالكوفة ، تعلم فيها مذهب الشيعة ، وشيئاً من العلوم والفلسفة ، ثم انتقل إلى الشام ، وعلمه في مكاتبها ، وطاف به على القبائل بالبادية ، فأخذ عنهم الفصاحة ، وبرع في نظم الشعر ، ولم تثنه وفاة أبيه عن متابعة التحصيل ، والأخذ عن اشهر اللغويين والأدباء ، حتى صار غزير العلم ، كثير الرواية عظيم الاطلاع .
ودفعه طموحه إلى الدعوة لنفسه بين القبائل في بادية الشام ، ولما عَلِمَ لُؤْلُؤُ أمير حمص بهذه الدعوة عجَّل بتفريق أصحابه عنه ، وأسره مدة ، كاد يموت فيها لولا أنه استعطفه فرَّق له ، وأطلق سراحه .
ويقال أنه ادَّعى النبوة ، ولكنه يتنصل من ذلك . وأخذ المتنبي يتكسب بشعره ، ووصلته الأقدار بسيف الدولة بن حمدان فصار من خاصة شعرائه المقربين ، وقد مدحه بمدائح صافية رائعة ، ولازمه في حلِّه وترحاله ، وتلقى عنه فنون الفروسية ، وخاض معه المعارك ضد الروم .
وظل مقيماً لدى سيف الدولة ، كريم المنزلة عنده ، حتى نَفسَ عليه مكانته منافسوه من الشعراء وبعض حاشية الأمير ، فدسوا له عنده ؛ حتى أسخطوا عليه .
قصدَ المتنبي إلى كافور الإِخشيدي ، متطلعاً أن ينال الحُظوة لديه ، وأن يظفر عنده بما لم يظفر به في رحاب سيف الدولة ، ومدحه بقصائد كثيرة ، ولكنه لم يظفر بأمنيته .
واستأْذن المتنبي كافوراً في الخروج من مصر فأًبى ، فانتهز فرصة ليلة عيد النحر سنة 370هـ وخرج إلى الكوفة ، ومنها إلى عضد الدولة بين بويه بفارس ، فمدحه ، ومدح وزيره ابن العميد ، وعاد إلى العراق ، فخرج عليه بعض الأعراب وفيهم فاتكُ ابن أبي جهل ـ وكان المتنبي هجاه ـ فقاتلهم قتالا شديداً ، حتى قتل هو وابن
وغلامه بمكان يسمى (( دير العقول )) ، على بعد خمسة عشر فرسخاً من بغداد ، سنة ( 354 هـ ـ 965 م ) .

شعره وخصائصه الفنية :

شعر المتنبي صورة صادقة لعصره ، وحياته ، فهو يحدثك عما كان في عصره من ثورات ، واضطرابات ، ويدلك على ما كان به من مذاهب ، وآراء ، ونضج العلم والفلسفة .
ويمثل شعره حياته المضطربة : ففيه يتجلى طموحه وعلمه ، وعقله وشجاعته ، وسخطه ورضاه ، وحرصه على المال ، كما تتجلى القوة في معانيه ، وأخيلته ، وألفاظه ، وعباراته .
وترى فيه شخصية واضحة ، حتى لتكاد تتبينها في كل بيت ، وفي كل لحظة ، بل هي تُضفي طابعاً خاصاً يميز شعره عن غيره .
فبناءُ القصيدة بناء محكم منطقي متسلسل ، وهو يتناول موضوعه مباشرة أن يقدم له بحكم تناسبه ، وقد ظهرت قصائده الموحَّدة الموضوع ، أو المتماسكة الموضوعات في كهولته ، حين كان في صحبة سيف الدولة ، وكافور ، وأما قصائده الأخرى فيسير فيها على نمط الشعر القديم ، ويمزج فيها بين فنون وأغراض مختلفة .
والمعاني تمتاز بقوتها وفخامتها ، وسموها غالباً ، وكثيراً ما يركزها في صورة حقائق عامة ، ويصوغها في قوالب حكمة بارعة .
وتختلف الأخيلة في شعره تبعاً لمراحل حياته ، ويمتاز خياله بالقوة والخصب : وألفاظه جزلة ، وعباراته رصينة ، تلائم قوة روحه ، وقوة معانيه ، وخصب أخيلته ، وهو ينطلق في عباراته انطلاقاً ولا يعنى فيها كثيراً بالمحسنات والصناعة .

أغراضه الشعرية :

اتسع شعر المتنبي لأكثر الأغراض ، ولكن كثُر فيه المدح ، الوصف ، والحكمة ، وإليك كلمة عن أغراضه :

المدح :

أكثر الشاعر في المدح ، وأشهر من مدحهم سيف الدولة الحمداني وكافور الإخشيدي ، ومدائحه في الأول تبلغ ثلث شعره ، وقد استكبر عن مدح كثير من الولاة والقواد حتى في حداثته ، وكان في مدحه حيّ الشعور ، غزير المعاني ، يكسب في مدائحه روحه الطامحة السامية حتى نراها مزيجاً بين المدح ، والحكمة ، وكان يبدؤها بالمدح تارة وبالحكمة ، وبالغزل ، وشكوى الدهر تارة أخرى ، وما سيق منها في سيف الدولة أصدق عاطفة ، وأفخم نسجاً ، لأنه كان يراه المثل الأعلى له ، وتبدو مدائحه متقاربة الأفكار ، ولكن له إلى جانب ذلك صوراً بديعية ، تبعث في نفس قارئها السمو والحماسة . وقد اخترنا لكم من القصيدة التي مدح فيها سيف الدولة :

وقفت وما في الموت شكٌّ لواقف كأنك في جفن الرَّدى وهو نائم
تمـر بك الأبطال كَلْمَى هزيمـةً ووجهك وضاحٌ ، وثغرُكَ باسم
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى إلى قول قومٍ أنت بالغيب عالم

الوصف :
أجاد المتنبي في وصف المعارك والحروب البارزة التي دارت في عصره ، فجاء شعره سجلاً تاريخياً خلدها وخلد أصحابها ، وإلى جانب ذلك وصف الطبيعة ، وأخلاق الناس ، ونوازعهم النفسية ، كما صور نفسه وطموحه أروع تصوير ، كانت القوة واضحة في كل أوصافه ، وهو فيها واقعي إلى حد كبير .
وقد قال يصف شِعب بوَّان ، وهو منتزه بالقرب من شيراز :

لها ثمر تشـير إليك منـه بأَشربـةٍ وقفن بـلا أوان
وأمواهٌ يصِلُّ بها حصاهـا صليل الحَلى في أيدي الغواني
إذا غنى الحمام الوُرْقُ فيها أجابتـه أغـانيُّ القيـان

الفخر :
المتنبي من شعراء الفخر ، وفخره يأتي غالباً في قصائده في سائر فنونه الشعرية ، فهو لا ينسى نفسه ، حين يمدح ، أو يهجو ، أ, يرثى ، ولهذا نرى روح الفخر شائعةً في شعره .
وإني لمـن قـوم كـأَن نفـوسهـم
بهـا أنَـفٌ أن تـسكـن اللحـم والعظمـا

الهجاء :
لم يكثر الشاعر من الهجاء لأنه لا يتلاءم مع نفسه المترفعة ، ولم ينظم فيه قصائد مستقلة إلا قليلاً ، وهو في هجائه يأتي بحكم يجعلها قواعد عامة ، تخضع لمبدأ أو خلق ، وكثيراً ما يلجأ إلى التهكم ، أو استعمال ألقاب تحمل في موسيقاها معناها ، وتشيع حولها جو السخرية بمجرد الفظ بها ، كما أن السخط يدفعه إلى الهجاء اللاذع في بعض الأحيان .
وقال يهجو طائفة من الشعراء الذين كانوا ينفسون عليه مكانته :

أفي كل يوم تحت ضِبني شُوَيْعرٌ ضعيف يقاويني ، قصير يطاول
لساني بنطقي صامت عنه عادل وقلبي بصمتي ضاحكُ منه هازل
وأَتْعَبُ مَن ناداك من لا تُجيبه وأَغيظُ مَن عاداك مَن لا تُشاكل
وما التِّيهُ طِبِّى فيهم ، غير أنني بغيـضٌ إِلىَّ الجاهـل المتعاقِـل

الرثاء :
للشاعر رثاء غلب فيه على عاطفته ، ورثاء سكب فيه دموعه صادقة ، وقد كثرت الحكمة في تضاعيف مراثية ، وانبعثت بعض النظرات الفلسفية فيها ، وقصائده العاطفية في الرثاء قوية مؤثرة تهز الشعور . وقال يرثى جدته :

أحِنُ إلى الكأس التي شربت بها وأهوى لمثواها التراب وما ضمَّا
بكيتُ عليها خِيفة في حياتهـا وذاق كلانا ثُكْلَ صاحبه قِدما
أتاها كتابي بعد يأس وتَرْحَـة فماتت سروراً بي ، ومِتُ بها غمَّا
حرامٌ على قلبي السرور ، فإنني أَعُدُّ الذي ماتت به بعدها سُمَّا

الحكمة :
اشتهر المتنبي بالحكمة وذهب كثير من أقواله مجرى الأمثال لأنه يتصل بالنفس الإنسانية ، ويردد نوازعها وآلامها . ومن حكمه ونظراته في الحياة :

ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيـه وأن نتـفانى
غير أن الفتى يُلاقي المنايـا كالحات ، ويلاقي الهـوانا
ولـو أن الحياة تبقـى لحيٍّ لعددنا أضلـنا الشجـعانا
وإذا لم يكن من الموت بُـدٌّ فمن العجز أن تكون جبانا

منزلته الشعرية :
لأبي الطيب المتنبي مكانة سامية لم تتح مثلها لغيره من شعراء العربية ، فقد كان نادرة زمانه ، وأعجوبة عصره ، وظل شعره إلى اليوم مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء ،يجدون فيه القوة ، والتدفق ، والشاعرية المرتكزة على الحس والتجربة الصادقة.



المراجع


1. مع المتنبي : للدكتور طه حسين .
2. ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام : للدكتور عبد الوهاب عزام .
3. المتنبي : للدكتور زكي المحاسني .

البندري
12-27-2005, 08:13 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كعب بن زهير


كعب بن زهير بن أبي سلمى ، شاعر مخضرم ، لا نعرف الكثير عن حياته في الجاهلية ، إلا أنه شاعر ، سلك مسالك الشعراء الجاهليين ، ونهج منهج أبيه زهير في النظم . ولا نكاد نعرف عنه بعد الإسلام إلا حادثته الشهيرة مع النبي ، ونجهل تاريخ ميلاده وموته . فلم يحفل المؤرخون بمثل ذلك .
لما انتشرت الدعوة الإسلامية ، أرسل كعب أخاه بجيراً ليستطلع مبادئ الإسلام ويعود إليه بالخبر اليقين . ولكن بجيراً أسلم وبقي في المدينة قرب النبي ، فاستاء كعب وأرسل إليه أبياتاً يلومه فيها على ما فعل ، وعلى ترك دين الآباء . فأقرأها النبي فأهدر دمه .

فأرسل بجير رسولاً إلى كعب ينذره ، ويدعوه إلى الإسلام ، أو اللجوء إلى مكان آمن . لم تلجأه قبيلته ، وتخلى عنه أصدقاؤه ؛ فسار إلى المدينة متخفياً ، ولزم بيت صديق له حيناً ، ثم قدم على النبي وهو في مجلس المؤمنين ، ووضع يده بيده ، وقال : (( إنْ كعب بن زهير أتاك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه ؟ قال : نعم . قال : فأنا كعب )) . فوثب أحد رجل من الأنصار يريد قتله فمنعه النبي .

نوع النص الذي ألقاه على الرسول تائباً :

الأبيات من الشعر الغنائي ، يعبر فيه الشاعر عن انفعالات الخوف والرهبة والأمل والإيمان ، وعن عواطف الثناء نحو النبي والمهاجرين . فكعب في موقف يخشى معه أن يقتص منه النبي ، ولكنه آمل في العفو ، تسيطر عليه مهابة النبي ، وما يلقي من حديث جديد على إسماعه ، يملأ نفسه ؛ ومنتظر الكلمة الفصل . وإذ يحدوه الرجاء ، تحفزه النفس على مديح النبي ومن آزروه في أحلك أيامه .


مناسبة النص :

الأبيات جزء من قصيدة طويلة أعدها لإلقائها بين يدي النبي حين عزم على القدوم عليه ، وقد أنشدها حين قبل النبي توبته وإسلامه ومطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيمٌ إثرها ، لم يفد مكبول
يبدأ القصيدة بالوقوف على الأطلال ، ويصف ناقته . ويذكر ما قال الوشاة ن ويتبرأ منه ، ثم يمدح النبي والمهاجرين .

المضمون :

يخاطب كعب النبي ، فيقول إنه علم بوعيده ؛ ولكنه رغم رهبته كبير الأمل في عفوه . يرجوه أن يتمهل في حكمه عليه ، وهو الذي أرسله الله إلى البشر هادياً ومبشراً ؛ ويتبرأ من أقوال الوشاة ، ويزعم أنه يرتكب ذنباً ، وأن الأقاويل فيه كاذبة .
ويصف موقفه بين يدي النبي 0ص) ، فإذا هو في رهبة مما يرى ويسمع ، ولو كان الفيل في موضعه ـ وهو أضخم الحيوانات جثة ـ لأصابته الرعدة من خوف وهيبة ، ولم ترتح نفسه إلا إذا أمنه الرسول على حياته .
ويروي ما كان بينه وبين النبي ن فقد وضع كفه بكفه ، وكلمه في توبته وإسلامه ، فقبلهما وعفا عنه .
ويمدح النبي ، فإذا مهابته أشد وقعاً في النفوس من مهابة أشد الأسود ضراوة ، فهو سيف الله المسلول على أعدائه ، في سبيل الحق والهداية .
ويثني على المهاجرين الذين نزحوا من مكة مع النبي لا خائفين ولا متهيبين ، فهم من أشد المحاربين دراية بالحرب ، وأكثرهم إباءً وشمماً ، وأسرعهم إلى القنال ، فإذا انتصروا فالنصر من عاداتهم ، فلا يثير فيهم فرحاً ، وإذا غلبوا فلا يبتئسون لثقتهم بالنصر في المعارك المقبلة . ويستقبلون الموت بصدورهم لأن الموت في سبيل معتقدهم نعمة .


مميزات المضمون :

· أول ما يبادرنا من النص أنه جاهلي ، في شكله وأسلوبه ، ومعظم معانيه . والواقع أن كعباً كان ما يزال على جاهليته ، في عيشه وعقله وقلبه . ولم يكن من السهل أن يتبدل فجأة بعد لقاء النبي ، مع العلم أنه نظم قصيدته قبل قدومه عليه .
· أنه متأثر باعتذاريات النابغة ن حتى في الصيغة ، فهذا النابغ يخاطب أبا قابوس ( كنية ملك الحيرة ) :
نُبئتُ أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأرٍ من الأسد .
الشطر الأول مأخوذ برمته ، مع تبديل ( أبا قابوس ) ب ( رسول الله ) . كذلك بدء البيت الثاني ( مهلاً ) ، والثالث : ((لا تأخذني ) . وهذا تأكيد واضح على شعر الآخرين في التعبير .
كذلك تشبيه النبي بالأسد ، مأخوذ من تشبيه النابغة . ومثله الحديث عن الوشاة ، على أن النابغة كان أبلغ .

مثل هذا الأخذ ، بل النقل ، يوحي بالتكلف والصناعة ، أكثر مما يوحي بالطبيعة .
· معظم المعاني مأخوذ من الجاهلية ، ومثلها الصفات التي أطلقها الشاعر على النبي والمهاجرين ، ولم يجدد في الكنايات . ولولا رواية ما حدث له بين يدي النبي 0ص) ، وما كان من أمر هجرة المهاجرين ، لما انطوت الأبيات على معنى واحد جديد . فتشبيه النبي بسيف الله والأسد ، قديم ، فكثيراً ما شبه البطل بالسيف والأسد. كذلك نعت المهاجرين بأنهم غير أنكاس ولا كشف ولا ميل ولا معازيل ، والكناية عنهم ، بشم العرانين ، ولبس دروع من نسج داود ، وعدم فرحهم بالنصر ، وثقتهم بالنصر إذا غلبوا ، ومواجهة الموت بصدورهم ، كل ذلك مبتذل لكثرة ما ردده الشعراء في الجاهلية .

· ويتجلى جفاف فطرية كعب في تشبيه نفسه بالفيل . فقد أراد أن يعظم من أمر رهبته ، فلم يجد غير الفيل يجعله في مكانه ، فيرعد جزعاً . ذلك أن كعباً ما يزال في النص ينتسب إلى جاهليته وعفويتها التي تبلغ هذا الجفاف .
· وليس في النص أي معنى إسلامي ن إلا قوله : ( من سيوف الله ) فهو تعبير استحدث في الإسلام ، ونعتت به أكثر من شخصية إسلامية . وقوله ( هداك الذي أعطاك نافلة القرآن ) وهذا نعت لما ضم القرآن ، لا معانٍ يشير إليها .

· ولو جعل الشاعر الرعدة من سماعه حديث النبي (ص9 ورؤية مهابته ، دون الخوف من غضبه ، لكان المعنى أوقع في النفس . لا ريب أن الشاعر صادق في هذا الموقف ، فهو خائف من أ، يقتل بعد أن أهدر دمه ، ولكن بلاغة الصيغة ، والتعبير عن الإيمان الصادق ، على النحو الأول ، أفصل .
· وإعلان إيمانه في كلمة ( لا أنازعه ) يشوبه الخوف ، لا الاطمئنان النفسي بفعل الإيمان ، فهو خائف من تنفيذ الوعيد لأن ( قيله القيل ) آمل في العفو ، راهب من أن يؤخذ بما نسب إليه : ( منسوب ومسؤول ) .

· والشاعر مضطرب ، لا يعرف من أية طريق ينفذ إلى رضى النبي ، فهو حيناً ينفي قول الوشاة ، وحيناً يقص ما حدث له ، وتارة يمدح النبي والمهاجرين ، ولعله ارتجل بعض الأبيات ، بعد لقاء النبي ، فهو يروي قصة هذا اللقاء ، وما كان من أمره مع النبي . فإذا صح ذلك ، يكون كعب قد أضاف اضطراباً جديد إلى بناء القصيدة .

· الواقع أن القصيدة لا تشكل وحدة تامة ، فكعب من أنصار وحدة البيت ، التي ظلت القياس حتى أواخر العهد الأموي . ومع ذلك ، فبين البيتين الرابع والخامس وصل ، فجواب : لو يسمع الفيل ، في مطلع البيت الخامس : لظل ، هو مستنكر في عرف الجاهلي . ومثل ذلك في البيتين السابع والثامن فلقد علق الجار والمجرور : من خادر ، بأهيب , ولا نعني هنا بالصياغة فذاك من شأن الأسلوب ، وإنما القصد ربط معنى بيت بمعنى آخر .

· وكعب جاهلي في إيجاز المعاني : وصف القرآن وصفاً عاماً ، دون الإشارة إلى معاني ( المواعظ والتفصيل ) . ونفي الأقاويل ، وزعم البراءة ، وسأل النبي 0ص) ألا يأخذه بقول الوشاة ، في بيت واحد ، دون أن يشرح شيئاً من تلك ، فهي لديه تحصيل حاصل . وعبر عن إيمانه وتوبته بقوله : لا أنازعه .

مميزات الأسلوب :
· لا يشعر المطلع على الشعر الجاهلي أن أسلوب كعب ذاتي ، فقد أخذ أكثر من صيغة وتركيب عن النابغة الذبياني . نقل حيناً نقلاً حرفياً ، وحيناً بدل بعض الكلمات ، أو قدم وأخر ، فالبيتان الأول والثالث مأخوذان أخذاً حرفياً تقريباً .
· واستعان بمعظم صيغ الكنايات المعروفة في العصر الجاهلي : ( كشف عن اللقاء ، لبوسهم سرابيل ، شم العرانين ، لا يقطع الطعن إلا في نحورهم .. ) كذلك تشبيه النبي بالأسد ، فمشهور في الجاهلية . وهكذا فإن كعباً غير مجدد ، لا في المعاني ولا في الأسلوب ، بل سارق أدبي .

البندري
12-27-2005, 08:15 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
توفيق الحكيم

المقدمة
في تاريخ حياة الأفراد بل والأمم منحنيات تتخذ فيها شخصياتها أوضاعا جديدة إثر اختبارات مصيرية حادة. ولا شك أن لقاء الشرق بالغرب, أو لقاء الحضارة الإسلامية العربية بالحضارة الغربية كان احد تلك الاختبارات المهمة في التاريخ المشرق العربي, وقد انعكس هذا الاختبار أوضح انعكاس في سير حياة المفكرين وأهل الثقافة, وخير مثال على ذلك 'توفيق الحكيم'.

حياة الحكيم ونشأته
بين الإسكندرية والقاهرة-1902م-1924م.

ولد توفيق الحكيم بالإسكندرية سنة 1902م ويذكر احد الباحثين أن ولادته كانت سنه 1898م، ولكنوالدته تؤكدانه ولد عام1902م0كان والده على حظ وافر من الثراء، وأما أمه فتركية الأصل، يذكر الحكيم انهاكانت عنيفة الطباع، ذات كبرياء واعتداد بأصلها، ومما قاله عنها في 'سجن العمر' أن علاقته بها لم تكن سوية مشبعة, فقد تميزت بشخصية أشبه بالبركان الثائر, وبقدر غير قليل من الأثرة والعناد, والاهتمام بالمظاهر, مع حب التفاخر والتعالي, كلها صفات لا تتيح لابنها الصغيران يتقرب منها، بل تركت في نفسه صفات الخجل والانطواء، والميل الىالعزلة، وما حدثنا الحكيم عن حرمان والدته إياه ممارسة أشياء حبيبة إلى نفسه، كالعزف على العود والتردد على دور السينما ! وأشار إلى أن لها النفوذ نفسه والسلطان الصارم على من في البيت، بمن فيهم والده0 هذه الجوانب تؤكد إلى أي مدى اتسعت الهوة بين الابن وأمه من الناحية العاطفية، وقد زادت هذه الهوة اتساعا بمولد أخيه الصغير زهير, ومع ذلك فقد ارتبطت في ذهنه ذكريات طيبة عن والدته, تتمثل في تلك القصص التي كانت تقصها عليه في أثناء مرضها, مما كان له أثره في تكوين خياله في سن مبكرة. التحق الحكيم عند بلوغة السابعة من عمره بالمدرسة الابتدائية في (دمنهور) ثم سافر إلى القاهرة لمتابعة دراسته الثانوية, حيث استقر في منزل أعمامه, وانضم إلى مدرسة محمد علي الثانوية وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة التحق بكلية الحقوق تلبية لرغبة والده الذي كان يحلم بأن يرى ابنه محاميا كبيرا أو قاضيا شهيرا, وتلك كانت مهنة (الأرستقراطيين) وفعلا تخرج سنة 1924م في الكلية بشهادة الإجازة. وكان الحكيم في هذه الفترة ميالا إلى التمثيل, فقدم إلى بعض الفرق بالقاهرة أولى محاولاته في المسرح الاجتماعي (الضيف الثقيل) و (المرأة الجديدة).



عودة الحكيم إلى مصر

1928م0

عاد الحكيم إلى مصر بزاد فكي خصب وذخيرة فنية متميزة، إلا انه لم يعد الدكتوراه التي سافر من اجلها، وفي مصر تقلد عدة مناصب حكومية، فقد عين وكيلا للنائب العام في أرياف مدينة طنطا بين 1930و1934م، وكانت ثمرة هذه التجربة(يوميات نائب في الأرياف) ثم عين رئيسا لقسم التحقيقات بوزارة المعارف إلى أن اعتزل الوظائف الحكومية ليفرغ للصحافة والإنتاج الأدبي.اختير مديرا لدار الكتب المصرية, فعضوا بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية, ثم مندوبا في منظمة (اليونسكو) بباريس عام 1959م, إلا أنه عاد عام 1960م ليواصل عمله السابق في مجلس الأعلى للفنون والآداب. واستمر الحكيم في كتاباته الأدبية والصحفية إلى أن أوى إلى السكينة, وارتحل يشير الحكيم في مقدمة مسرحيته عن هذا العالم. تاركا تراثا ضخما وإنتاجا غزيرا سيبقى خالد مع
(أويب) إلى أن الأدب التمثيلي باب لم يفتح في اللغة العربية إلا في العصر الحاضر, وقد تردد الأدب العربي في قبول هذا اللون الغريب عليه, فتركه زمنا خارج جدرانه, يسمع بأمره من أفواه النظارة الكبيرة, دون أن يحفل بالالتفات إليه أو الخوض فيه وذلك لان الأدب العربي كغيره من الآداب العريقة لا يقبل العبث من دون بحث وتمحيص وحذر واحتياط, ولم يكن في ذلك ملوما ولا متجنيا, فان الطريق التي ظهره بها المسرح في الشرق العربي لم تكن على أساس يمكن تسويغه في نظر ذلك الأدب العريق. وكل ما جد في بعض البلاد العربية (كسوريا) و (لبنان و مصر) من أنواع المسارح, وما كان جاريا في تلك الأيام على خشبة المسرح وما كتبه شوقي بعدئذ من روايات شعرية, ومع كل هذه الأعمال لم يجرؤ أحد على أن يسمى ما انتجة منها أدبا تمثيليا؛ فالأدب المسرحي بمفهومه الصحيح لم يبرز إلا في كتابات توفيق الحكيم0


آثار الحكيم ومنابعها

من يستقص آثار الحكيم يجد أن هذا الفنان الكبير لم يلتزم بمصدر واحد يستمد منه فكره، او بمذهب فني واحد يسير عليه في إنتاجه؛ ففي كثير من آثاره استمد مسرحياته من التراث الإسلامي والشرقي عموما, فمسرحية (أهل الكهف) وهي أولى مسرحياته الذهنية وقد صدرت عام 1933م – استمد موضوعها من قصة أهل الكهف في القرآن الكريم, والتي طرح فيها قضية الإنسان والزمان, والصراع بين القلب والزمن, ولعله بذلك أراد أن يناقش مشكلة اجتماعية, هي عدم القدرة على مواجهة الحاضر بتلك العقلية الغارقة في الأفكار القديمة. وقد قال عنها طه حسينإنها حدث في تاريخ الأدب العربي، وأنها تضاهي أعمال فطاحل أدباء الغرب) ثم كانت مسرحيته(شهر زاد) التي استمدها من قصص ألف ليلة وليلة0
وصدرت عام 1934م والتي يصور فيها فكرة الصراع العنيف بين (المادة والروح ) ثم كتب مسرحية(سليمان الحكيم) وهي أيضا مستقاة من التراث الشرقي الديني. والحكيم في هذه الأعمال الفنية يحاول التوفيق بين العنصر العربي الإسلامي. وبين العنصر الغربي في ثقافته.
وهو في هذه الأعمال الفنية لم يكن مجرد ناقل, ينتقل بالقصة من الكتب الدينية إلى العمل المسرحي من دون تغيير، بل كان يضيف إلى المادة الأصلية من فكره وجدانه، ما يجعلها مطبوعة بشخصية الحكيم ونظرته الشرقية إلى الإنسان0

يقول صلاح عبد الصبور في هذا الصدد (وقد استلهم توفيق الحكيم تراثه العربي والإسلامي في أعمال عدة، يأتي على رأسها (شهرزاد) و(أهل الكهف) و(محمد) و(أشعب) و(شمس النهار) و(السلطان الحائر) وغيرها، وهو حين استلهم هذا التراث حاول أن يوفق بين مادته القديمة وبين الشكل المعماري الذي اكتسبه من الحضارة الأوروبية )0 ولم يستقر الحكيم في كتاباته على شكل فني واحد، ولم يكتف بمصدر واحد لاستقاء مادة مسرحياته، ولكنه تعرض لتقلبات فكرية؛ فمن يقرا مسرحياتها الأولى يتراء له انه يريد أن يعيد صياغة الحضارة العربية والاسلامية. بعامة صياغة عصرية جديدة بإحياء ما فيها من قضايا وقصص في صورة تلائم العصر وتطوراته, ولكنه لا يواصل التحرك في هذا الاتجاه, بل يعود إلى الحضارة اليونانية يتخذ من أساطيرها ومآسيها (خامات) فنيه وفكرية لكتاباته, فتظهر مسرحية (الملك أوديب) التي تطرح صراع الإنسان مع القدر والمصير الإنساني في الوجود, ومسرحيته (بجماليون) التي تناقش مشكلة الفن والحياة. والمسرحيتان تدوران في إطار يوناني, تعتمدان الأساطير الإغريقية اعتمادا كاملا, وقد حافظ الحكيم على الأصل اليوناني للأسطورة ولم يخرج عن دائرة نصها, ولم يحطم الأسوار اليونانية بل التزم بها, وإن أضاف بعض الإضافات الذاتية النابعة من ثقافته الإسلامية وتكوينه الشخصي, كما يتجلى في مسرحية ( بجماليون). ومن الطبيعي أن يهتم توفيق الحكيم, وهو رائد الفن المسرحي في الأدب العربي باليونانيات, فالمسرح اليوناني هو أنضج الأشكال المسرحية التي وصلت إلينا من التراث القديم.
وإذا تابعنا خطى الحكيم المسرحية, سواء من الناحية الفنية أم الفكرية نجده _بعد أن اتجه إلى القصص الديني والشعبي والأصول اليونانية_يتجه إلى الحضارة الفرعونية ليستمد منها خامات جديدة لبعض مسرحياته المشهورة مثل (إيزيس). صحيح أن الحكيم قد عرف الحضارة الفرعونية منذ بداية حياته الفنية, واستمد منها بعض ما كتبه في رواياته الأولى, (كعودة الروح) 1928م, ولكنه لم يكتب عملا مسرحيا كاملا مستمدا من تراث الفراعنة إلا عام 1955م, حيث صدرت مسرحيه (إيزيس) التي تعالج فكرة الحكم وعلاقة الشعب بالحاكم.
ونفاجأ بعد صدور مسرحية (إيزيس) بصدور مسرحية(الصفقة) وهي مسرحي اجتماعية تناقش مشكلات الفلاحين، وبعدها تظهر مسرحية(السلطان الحائر) وهي مسرحية ذات طابع فكري تعالج مسؤوليةالانسان في الكون و إرادة الاختيار عنده متأثرا فيها بالفكر الوجودي الغربي، ثم يفاجئنا الحكيم بعدها بمسرحية (يا طالع الشجرة)وهي تنتمي إلى مسرح (اللامعقول) فهي بعيدة من ناحية الشكل الفني عن كل ما سبقها من نتائج توفيق الحكيم المسرحي, وإن كان هناك ربط بين بعض الأفكار هذه المسرحية وبين القضايا الذهبية التي طرحها في مسرحياته السابقة, كالعبث و الخلود, والمادة والروح, ولكن الشكل الفني جديد تماما, لم يلجأ إليه الحكيم من قبل, هذا التقلب الفكري والفني, هذا وراءه ؟ وما سره عند الحكيم.
لعل سر هذا التقلب يعود إلى شخصية الحكيم الحساسة التي تتأثر بالأفكار تأثرا سريعا, وتلتقط التأثيرات بسرعة مذهلة, فتثمر فيه هذه التأثيرات. فعندما اتجه إلى الإسلاميات كما في (أهل الكهف) كان هناك جو ثقافي عام يهتم بإعادة التفكير في التراث الإسلامي وبإحيائه, وقد امتدت هذه الحركة طيلة الثلاثينيات إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, ومن رواد هذه الحركة, العقاد, وطه حسين, والزيات....
هكذا عاش الحكيم في هذا الجو الفكري وتأثر به, ولكن عندما ظهر الاهتمام بالتراث الفرعوني في الخمسينيات ممثلا في كتابات لويس عوض عن مصر الفرعونية ومعرفتها بالمسرح, كتب توفيق الحكيم مسرحية (إيزيس). ومن تأثراته بما حوله ما أثير من ضجة فنية حول مسرح (اللامعقول) في (الستسنيات), فقد أصدر إلى العيون المتطلعة إلى مسـرح اللامعـقول مسـرحية (يا طالع الشجرة), و(الطعام لكل فم). كل هذه نماذج على تقلبات الحكيم الفكرية, وشدة تأثره بالجو الثقافي الذي يحيط به.

منزلة الحكيم الفكرية والفنية

كان الحكيم في جيل القرن العشرين علامة بارزة في الثقافة العربية والفكر العربي, كتب عن المجتمع المصري وريفه بشكل خاص, وصور ما من فيه ملامح التخلف من خلال, (حمار الحكيم) و(يوميات نائب في الأرياف), وعاد في(عودة الروح) ينقض ما قاله ويعلل ويبرر كل مظاهر التخلف التي ذكرها, وفي كثير من مسرحياته تناول قضايا الإنسان: المادية والروحية, وحاول أن يجد لها حلولا في إطار نظرة شرقية للإنسان ومنزلته في الوجود.
وتوفيق الحكيم مجدد الأسلوب الفني في الأدب العربي الحديث, أدخل علي فن الحوار الذي استقر على يديه, وأدخل قوالب تعبيرية أخرى, مثل: اليوميات, والاعتراف والرسائل, كما أن (زهرة العمر, والرباط المقدس ). و كلها ألوان لم يعرفها الأدب العربي من قبل على هذا الوضع الفني الذي عرضه الحكيم., كما أن له رأيا في اللغة وأسلوب الكتابة؛ فهو من دعاة اللغة الثالثة, وهي لغة وسط بين الفصيحة والعامية, وهو من دعاة التخلي عن الزخرف اللفظي وغريب اللغة, ليسهل على القارئ الاتصال بفكره وأدبه., وهو أيضا من دعاة ارتباط الأدب بالمجتمع, وعدم الاهتمام بالشكل.
والحكيم يؤمن بوحدة الحضارة الإنسانسة, إلا أنه يحاول داخل إطارها أن يثير وعيا خاصا بقيام حضارة شرقية مميزة, و أن يقضى على عقدة النقص التي تطالع الشرقيين حين يقرنون أنفسهم بالغربيين, وان ينفض عنهم ذلك الغبار الكثيف الذي ران عليهم, وهو ينقد جوانب الحضارة الغربية التي غرقت في المادية, فتناست الروح التي لا تزال خميرتها كامنة في الشرق العظيم.
لقد أغنى الحكيم المكتبة العربية بعشرات المسرحيات والمؤلفات, وحظي فكرة وأدبه بكثير من التقدير في الوطن العربي والعالم الغربي, فترجم العديد من مؤلفاته إلى لغات أجنبية كالفرنسية والإنجليزية والإيطالية والأسبانية والألمانية والروسية, مثل: (يوميات نائب في الأرياف ) و(أل الكهف), و(عصفور من الشرق). فهو رجل المسرح والأدب والفن.

البندري
12-27-2005, 08:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طه حسين

وُلد في الرابع عشر من شهر نوفمبر سنة 1889، في 'عزبة الكيلو' قرب مغاغة، بالصّعيد المصري الأوسط، ونشأ في الريف ضعيف البنية كأنّه 'الثُّمامة'، لا يستطيع ما يستطيعه النّاس، ولا ينهض من الأمر لما ينهض له النّاس، ترأف به أمّه دائما وتهمله أحيانا، ويلين له أبوه تارة ويزور عنه طورا، ويشفق عليه إخوته إشفاقا يشوبه احتياط في معاملتهم إيّاه، وشيء من الازدراء.
توفّي في الثّامن والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1973 بالقاهرة، وقد استطاع ما لم يستطعه كثير من المبصرين، فتناقلت خبر وفاته العواصم وحزن لفقدانه الأدباء والباحثون والعلماء.
'أخذ العلم بأُذُنَيْه لا بأصابعه' فقهر عاهته قهرا، محروما يكره أن يشعر بالحرمان وأن يُرَى شاكيا متبرّما، جادّا متجلّدا مبتسما للحياة والدّرس والبحث، حتّى انتهى غلى حال العلماء المبَرَّزِينَ ومراتب الأدباء المفكّرين، فشغل النّاس ولن يزال.
فقد بصره طفلا : 'اصابه الرّمد فأُهمل أيّاما، ثمّ دُعي الحلاّق فعالجه علاجا ذهب بعينيه'. وحفظ القرآن في كُتّاب القرية وهو في التّاسعة، فأصبح 'شيخا'، كذا كان أبوه يدعوه، وأمّه، 'وسيّدنا' مؤدّب الصّبيان.
وقدم القاهرة سنة 1902 للتعلم في الأزهر، فدخله والقلبُ ممتلئ خشوعا والنّفس ممتلئة إجلالا. وأنفق فيه ثماني سنين لم يظفر في نهايتها بشهادة 'العالميّة'، لأن 'القوم كانوا مؤتمرين به ليسقطوه' ! نبأ عجيب حمله غليه شيخه سيّد المرصفي ليلة الامتحان، بعد أن صُلِّيَتِ العِشَاءُ... وفارق الأزهر وقد ارابه منه أمر، شديد الضّيق به وبأهله. وخاب أمل أبيه، فلن يرى ابنه من بين علماء الأزهر ولا 'صاحب عمود في الأزهر ومن حوله حلقة واسعة بعيدة المدى' وأُتيحتْ للفتى حياة أخرى...
فما إن أُنشئت الجامعة المصريّة (الأهلية) سنة 1908 حتّى انتسب إليها الطّالب الأزهري، ولكنّه ظلّ مقيّدا في سجلاّت الأزهر : وقضى سنتين (1908-1910) يحيا حياة مشتركة، يختلف إلى دروس الازهر مصبحا وإلى دروس الجامعة مُمْسِيًا. وما لبث أن وجد في الجامعة روحا للعلم والبحث جديدة و'طعما للحياة جديدا' فشغف بالدّرس والتّحصيل حتّى نال درجة 'العالميّة' (الدكتوراه) سنة 1914 برسالة موضوعها 'ذكرى أبي العلاء'، فكانت 'أوّل كتاب قُدّم إلى الجامعة، وأوّل كتاب امتُحِنَ بين يدي الجمهور، وأول كتاب نال صاحبه إجازة علميّة منها'.
ثمّ سافر الفتى إلى فرنسا لمواصلة التّعلّم، فانتسب إلى جامعة مونبيليى حيث قضّى سنة دراسيّة (1914-1915) ذهب بعدها إلى باريس، وانتسب إلى جامعة السّوربون حيث قضى أربع سنوات (1915-1919). وما كاد يختلف إلى دروس التاريخ والأدب فيها 'حتّى أحسّ أنّه لم يكن قد هيّئ لها... وأنّ درسه الطويل في الأزهر وفي الجامعة (المصريّة) لم يهيّئه للانتفاع بهذه الدّروس'. فأقبل على قراءة الكتب المقرّرة في المدارس الثانويّة، ولم يجد بدّا من أن يكون 'تلميذا ثانويا في بيته وطالبا في السّوربون'.
أرسل ليدرس التّاريخ في السّوربون، فما لبث أن أيقن بأنّ الدرجات العلميّة لا تعني شيئا إن هي لم تقم على أساس متين من الثقافة. وليس غلى ذلك من سبيل سوى إعداد 'الليسانس'. وقد صرّح بذلك في الجزء الثالث من كتاب الأيّام، قال : 'كان (الفتى' قد أزمع أن يظفر قبل كل شيء بدرجة 'الليسانس' ثم يتقدّم لدرجة الدكتوراه بعد ذلك. ولم يكن الطلاّب المصريون - إلى ذلك الوقت - يحاولون الظفر بدرجة الليسانس هذه، لأنّها كانت تكلّف الذين يطلبونها عناء ثقيلا'.
وأحرز طه حسين درجة 'الليسانس في التّاريخ' سنة 1917، فكان أوّل طالب مصرين ظفر بهذه الشهادة من كليّة الآداب بالجامعة الفرنسيّة.
إنّ أمر هذا الفتى عَجَبٌ ! فهو قد كان يتهيّأ لامتحان الليسانس ويعدّ في المدّة نفسها رسالة 'دكتورا جامعة' باللّغة الفرنسيّة موضوعها : 'دراسة تحليليّة نقديّة لفلسفة ابن خلدون الاجتماعيّة' (Etude analytique et critique de la philosophie sociale d'Ibn Khaldoun).
إنّ أمر هذا الفتى عجب ! فهو لم يكد يفرغ من امتحان الدكتورا حتّى نشط لإعداد رسالة أخرى، فقد صحّ منه العزم على الظفر 'بدبلوم الدّراسات العليا' (Diplôme d'Etudes Superieures) وهو شهادة يتهيّأ بها أصحابها للانتساب إلى دروس 'التبريز في الآداب'. وما هي إلاّ أن أشار عليه أُستاذه بموضوع عسير مُمْتع مرير، وهو : 'القضايا التي أقيمت في روما على حكّام الأقاليم الذين أهانوا جلال الشّعب الرّوماني، في عهد تباريوس، كما صوّرها المؤرّخ تاسيت' (La loi de lèse-majesté, sous Tibère, d'après Tacite) فقبله الطالب 'طائعا قلقا مستخذيا'، ومارسه بالصّبر على مشقّة البحث وبالمثابرة على الفهم حتّى ناقشه ونجح فيه نُجْحًا حسنا سنة 1919.
عاد طه حسين إلى وطنه، فلم تُمهله الجامعة المصريّة وعيّنته مباشرة أستاذا للتاريخ القديم (اليوناني والرّوماني)، فظلّ يُدرّسه طيلة ستّ سنوات كاملات (1919-1925).

بعد اكثر من قرن كامل على ميلاده، و27 عاما على وفاته، ما زال عميد الادب العربي الدكتور طه حسين احد الاركان الاساسية في تكوين العقل العربي المعاصر، وصياغة الحياة الفكرية في العالم العربي، وملمحاً أساسياً من ملامح الادب العربي الحديث... بل ان الاجيال الجديدة من ابناء الامة العربية لا تزال تكتشف جوانب جديدة من القيمة الفكرية والانسانية لاحد رواد حركة التنوير في الفكر العربي... وما زالت اعمال طه حسين ومعاركه الادبية والفكرية من أجل التقدم والتخلي عن الخرافات والخزعبلات التي حاصرت وقيدت العقل العربي لعدة قرون، من اهم الروافد التي يتسلح بها المفكرون العرب في مواجهة الحملات الارتدادية التي تطل برأسها في عصرنا.
وما زالت السيرة الذاتية لطه حسين وما تجسده من كفاح انساني وفكري مدرسة هامة ما اشد حاجة الاجيال الجديدة للتعلم منها والتأمل فيها.
من عزبة صغيرة (اصغر من القرية) في صعيد مصر بدأت رحلة طه حسين، فقد ولد عميد الادب العربي في تلك البقعة الصغيرة التي تقع على بعد كيلو متر واحد من مغاغة بمحافظة المنيا في وسط صعيد مصر... كان ذلك في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889م، وكان والده حسين علي موظفاً في شركة السكر وانجب ثلاثة عشر ولداً كان سابعهم في الترتيب 'طه' الذي اصابه رمد فعالجه الحلاق علاجاً ذهب بعينيه (كما يقول هو عن نفسه في كتاب 'الايام').
وفي عام 1898 وبينما لم يكن قد اكمل السنوات العشر كان طه حسين قد اتم حفظ القرآن الكريم... وبعد ذلك بأربع سنوات بدأت رحلته الكبرى عندما غادر القاهرة متوجها الى الازهر طلباً للعلم. في عام 1908 بدأت ملامح شخصية طه حسين المتمردة في الظهور حيث بدأ يتبرم بمحاضرات معظم شيوخ الازهر فاقتصر على حضور بعضها فقط مثل درس الشيخ بخيت ودروس الادب... وفي العام ذاته انشئت الجامعة المصرية، فالتحق بها طه حسين وسمع دروس احمد زكي (باشا) في الحضارة الاسلامية واحمد كمال (باشا) في الحضارة المصرية القديمة ودروس الجغرافيا والتاريخ واللغات السامية والفلك والادب والفلسفة على اساتذة مصريين واجانب.
في تلك الفترة اعد طه حسين رسالته للدكتوراه نوقشت في 15 أيار 1914م. هذه الرسالة (وكانت عن ذكرى ابي العلاء) اول كتاب قدم الى الجامعة واول رسالة دكتوراه منحتها الجامعة المصرية، واول موضوع امتحن بين ايدي الجمهور.
ومثلما كانت حياته كلها جرأة وشجاعة واثارة للجدل فقد احدث نشر هذه الرسالة في كتاب ضجة هائلة ومواقف متعارضة وصلت الى حد طلب احد نواب البرلمان حرمان طه حسين من حقوق الجامعيين 'لأنه الف كتابا فيه الحاد وكفر'!، ولكن سعد زغلول رئيس الجمعية التشريعية آنذاك اقنع النائب بالعدول عن مطالبه.

الرحلة الثانية
اذا كانت الرحلة الاولى ذات الاثر العميق في حياة طه حسين وفكره هي انتقاله من قريته في الصعيد الى القاهرة... فإن الرحلة الاخرى الاكثر تأثيراً كانت الى فرنسا في عام 1914 حيث التحق بجامعة مونبلييه لكي يبعد عن باريس احد ميادين الحرب العالمية الاولى... وهناك درس اللغة الفرنسية وعلم النفس والادب والتاريخ. ولاسباب مالية اعادت الجامعة المصرية مبعوثيها في العام التالي 1915 لكن في نهاية العام عاد طه حسين الى بعثته ولكن الى باريس هذه المرة حيث التحق بكلية الاداب بجامعة باريس وتلقى دروسه في التاريخ ثم في الاجتماع حيث اعد رسالة اخرى على يد عالم الاجتماع الشهير 'اميل دوركايم' وكانت عن موضوع 'الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون' حيث اكملها مع 'بوجليه' بعد وفاة دوركايم وناقشها وحصل بها على درجة الدكتوراه في عام 1919م ثم حصل في العام ذاته على دبلوم الدراسات العليا في اللغة اللاتينية، وكان قد اقترن في 9 اغسطس 1917 بالسيدة سوزان التي سيكون لها اثر ضخم في حياته بعد ذلك.
في عام 1919 عاد طه حسين الى مصر فعين استاذاً للتاريخ اليوناني والروماني واستمر كذلك حتى عام 1925 حيث تحولت الجامعة المصرية في ذلك العام الى جامعة حكومية وعين طه حسين استاذاً لتاريخ الادب العربي بكلية الآداب.

أولى المعارك
رغم تمرده على الكثير من اراء اساتذته الا ان معركة طه حسين الاولى والكبرى من اجل التنوير واحترام العقل تفجرت في عام 1926 عندما اصدر كتابه 'في الشعر الجاهلي' الذي احدث ضجة هائلة بدأت سياسية قبل ان تكون ادبية. كما رفعت دعوى قضائية ضد طه حسين فأمرت النيابة بسحب الكتاب من منافذ البيع واوقفت توزيعه... ونشبت معارك حامية الوطيس على صفحات الصحف بين مؤيدين ومعارضين لهذا الكتاب.
وفي عام 1928 وقبل ان تهدأ ضجة كتاب الشعر الجاهلي بشكل نهائي تفجرت الضجة الثانية بتعيينه عميداً لكلية الآداب الامر الذي اثار ازمة سياسية اخرى انتهت بالاتفاق مع طه حسين على الاستقالة فاشترط ان يعين اولاً. وبالفعل عين ليوم واحد ثم قدم الاستقالة في المساء وأعيد 'ميشو' الفرنسي عميداً لكلية الآداب، ولكن مع انتهاء عمادة ميشو عام 1930 اختارت الكلية طه حسين عميداً لها ووافق على ذلك وزير المعارف الذي لم يستمر في منصبه سوى يومين بعد هذه الموافقة وطلب منه الاستقالة.

الازمة الكبرى
وفي عام 1932 حدثت الازمة الكبرى في مجرى حياة طه حسين... ففي شباط 1932 كانت الحكومة ترغب في منح الدكتوراه الفخرية من كلية الآداب لبعض السياسيين... فرفض طه حسين حفاظاً على مكانة الدرجة العلمية، مما اضطر الحكومة الى اللجوء لكلية الحقوق...
ورداً على ذلك قرر وزير المعارف نقل طه حسين الى ديوان الوزارة فرفض العمل وتابع الحملة في الصحف والجامعة كما رفض تسوية الازمة الا بعد اعادته الى عمله وتدخل رئيس الوزراء فأحاله الى التقاعد في 29 آذار 1932 فلزم بيته ومارس الكتابة في بعض الصحف الى ان اشترى امتياز جريدة 'الوادي' وتولى الاشراف على تحريرها، ثم عاد الى الجامعة في نهاية عام 1934 وبعدها بعامين عاد عميداً لكلية الاداب واستمر حتى عام 1939 عندما انتدب مراقباً للثقافة في وزارة المعارف حتى عام .1942
ولأن حياته الوظيفية كانت دائماً جزءاً من الحياة السياسية في مصر صعوداً وهبوطاً فقد كان تسلم حزب الوفد للحكم في 4 شباط 1942 ايذاناً بتغير آخر في حياته الوظيفية حيث انتدبه نجيب الهلالي وزير المعارف آنذاك مستشاراً فنياً له ثم مديراً لجامعة الاسكندرية حتى احيل على التقاعد في 16 تشرين الاول 1944 واستمر كذلك حتى 13 حزيران 1950 عندما عين لاول مرة وزيراً للمعارف في الحكومة الوفدية التي استمرت حتى 26 حزيران 1952 وهو يوم احراق القاهرة حيث تم حل الحكومة.
وكانت تلك آخر المهام الحكومية التي تولاها طه حسين حيث انصرف بعد ذلك وحتى وفاته عام 1973 الى الانتاج الفكري والنشاط في العديد من المجامع العلمية التي كان عضواً بها داخل مصر وخارجها.

البندري
12-27-2005, 08:18 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشاعر ابو القاسم الشابي

الشاعر الرائع أبو قاسم الشابي

المقـدمـة:

لم يكن الشابي ومضة في حياة الشعر العربي وإنما كان بحياته القصيرة الطويلة نقطة تحول في الشعر العربي فقد كان من كبار المجددين الذين رأوا في الشعر العربي القديم تراثا يجب احترامه وليس منهجا يجب اتخاذه. فكان رأيه هذا سببا في نفور الناس منه لأنهم لم يفهموه لأنه سبق عصره أم اليوم فنحن فهمناه فاستوعبنا أراه.

لقد كان الشابي بشعره يقف في مصاف كبار جنود وسياسيي العالم الثالث(المستعمر) فقد كان حربا لا هوادة فيها ضد الاستعمار، وأخذ على عاتقه محاربة الرجعية و الجهل وظلام التخلف.
كما أنه لم يظهر نجمه بعد موته لأن بعد موته بفترة بسيطة أشتعل العالم بنيران الحرب العالمية الثانية، وتلتها ثورات التحرير في الوطن العربي، فكاد العالم أن ينسى الشابي إلى أن نشر زميله وأخوه آثاره وبعض النقاد كذلك.

لهذه الأسباب وغيرها رأينا أن نقدم تقرير نعرض فيه نبذة عن حياته وشعر هذا (الشاعر البلسم) بلسم الشعوب المستعمرة بالجهل والمكبلة بالرجعية، ثم نتحدث حول الإطار الاجتماعي الذي عاش فيه، ونختم ذلك بذكر بعض المعاني في شعره.
حياة الشابي.

ولد في مارس 1909 في بلدة (الشابة) على مقربة من توزر، وعين أبوه قاضيا في نفس عام ولادته وراح يتنقل من بلد لبلد، وتلقى تعليمه الأول في المدارس القرآنية وكان ذكيا قوي الحافظة فقد حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، بعد ذلك أرسله والده لجامع الزيتونة وحصل على شهادة التطويع 1927 وهو في سن الثامنة عشرة، ولم يكتف أبوه بذلك فأدخله كلية الحقوق وتخرج منها سنة 1930 .

وكانت نقطة التحول في حياة شاعرنا موت حبيبته وهي مازلت شابة، ثم تبعه بعد ذلك الموت وأختطف أبوه، فتسبب هذين الحادثين في اعتلال صحته وأصيب بانتفاخ في القلب فأدى ذلك لموته وهو صغير السن في عام 1934 بمدينة تونس، ونقل جثمانه لمسقط رأسه قرية الشابة.

ثقافته وشخصيته:

نشير في هذا المحور لشيء من ثقافته، نشأ في أسرة دينية فقد تربى على يدي أبوه وتلقن روح الصوفية التي كانت سائدة في المغرب العربي، وسددتها دراسته الدينية، وساعده مكوثه في مدينة تونس

لدراسة الحقوق أن ينضم (للنادي الأدبي) وأخذت مواهبه الأدبية تبرز و تعبر عن نفسها في قصائد ومقالات ومحاصرات، أعلن فيها عن نفسه وهو دون العشرين. ونلمح في عجالة لتجربته الكبرى التي بآت بالفشل لأن طائر الموت أختطف حبيبته وأعقبه بفترة أن أختطف أبوه مثله الأعلى ومربيه ومثقفه.

والآن نبين شخصية الشابي التي وجدت الرومانسية الملاذ الوحيد له ليعبر عن ما في نفسه وقد كان الطابع المميز لشبان عصره وهو سر الذيوع. وقد كان مؤمنا بقضيته السياسة وكان من الذين حاربوا الاستعمار، وأبرز عاطفته الصادقة في عدة مواضع.


* بعض المعاني في شعره:

الوطنية:

نلاحظ أن ما أثار وطنية الشابي بالدرجة الأولى هي اصطدامه بالرجعية، ووطنيته وطنية جد صارخة ذات هجمات نارية عاتية مدمرة، ولكن لم تكن موجهة للاستعمار بقدر ما هي موجهة لسلاحه الرجعية التي حبست أنفاس الشعب والتي تقيد طموح الشعب فمنعه من التحرر والانطلاق أرجعته بقوة للماضي البالي الذي فقد معناه في نفوس الشباب المتفهم لرسالته في الحياة.

الطبيعة:

حين نتأمل شعر الشابي في ذكره للطبيعة نستطيع وصف حالته بأنه يصفها وصف المعبود وينظر إليها بعاطفة رفيعة تنبعث من مشاركته لظواهرها والاندماج معها. وتصل به هذه العبادة إلى حد الموت الفاني في جمالها وهنا ندرك مدى شدة تركيب شعوره، لأنه لم يتذوقها إلا بعميق إحساسه حتى أنه يبعث من الطبيعة دفئا وحنانا، وهو يظهرها أمامك في كامل بهائها بما تملكه عباراته من قدرة على الإحياء.

الـمـرأة:

من خلال شعر الشابي الذي يتشوق فيه إلى المثالية المرضية لطموحه ويشبع روحه و الشعر الذي قاله في المرأة لا نستطيع أن نجد فيه على أمراه معينة، لها شخصيتها و طبائعها و مزاياها التي تتفرد بها، ونحن نلاحظ أن شعر الشابي صادر عن نفسه المحرومة وكان يتغنى في المرأة كمثل أعلى.


أسلوبه:

نجد أن شعر الشابي منبثق من قوة إحساسه، أنه أسلوب محسوس لأن الروح التي تسري فيه تسد عليك طريقك وتحاصرك فلا تعرف تحديد موضع القوة فيه، وقوة الإحساس هي كل شيء في فنه وشعره، وقد وجهته هذه القوة توجيها خطابيا فلم يستطع التحرر من تلك الصفة التي أخذها على الشعر العربي وهناك أمثلة كثيرة من شعره التي يشعرك فيها بأنه واقف بين قومه يلقنهم تعاليمه أو يصب عليهم جام غضبه ونقمته.

أيها الشعب! ليتني كنت حطا با فأهوي على الجذوع بفأسي!
أنت روح غبية، تكره النو ر،وتقضي الدهور في ليل ملس

الخاتمة:

قدمنا في هذا التقرير نبذة قصيرة عن سيرة شخصية للشابي وأدبية لشعره وقد استخلصنا منها ثلاث نقاط وهي:

1. أوضحنا نظرة الشابي للشعر العربي القديم بأنه تراث يجب احترامه، وأنه يجب أن يبدأ مرحلة جديدة من الشعر الذي يشخص الجمادات فيعمق في وصفها.
2. رأينا أن وطنية الشابي نابعة من الظروف التي دعت كل شخص التعلق بها جراء الاستعمار، فصدق تعبيره عنها.
3. عاطفة الشابي صادقة فهو ذا حس مرهف فقد تأثر بموت حبيبته وأبوه، وأدى ذلك لموته.
نتمنى أن نكون قد بين حياة أحد كبار المجددين في الشعر الذي وهب حياته وشعره لدينه ووطنه وحبه.

رأيي في شخصية أبو القاسم الشابي:

يعجبني,, لان أشعاره تدخل في السياسة , وأيضا يعايش الأمة آلامها , اتصف في شعره بالرومانسية , اعتقاده بالعبودية وغلى حد أكبر له في أشعاره يذكر عبوديته لله والخوف من الموت , كان يمدح في المرأة وليس مقصده الغزل ولكن جعلها له مثالية.



المصادر:
1. الشابي: د. عبد اللطيف شرارة
2. الشابي وجبران: خليفة محمد التليمي

البندري
12-27-2005, 08:20 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جــمــيــل بــثــيــنــة

نســـبه:

هو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن ظبيان وينتهي نسبه إلي قضاعة.

ملامــح من حـياته وشـــعره:

شاعر صادق الصبابة والعشق،إذا احب هام فمات قلبه كقلب الطير دائم الخفقان اشتهر بهيامه وبحبه لبثينة وكان ينسب بأم الجسير أخت بثينة قبل أن يلتقي ببثينةأسرته كانت على جانب مرموق من الجاه والثروة،وقد كان هو غصن الشباب وسيم الطلعة فنشأ موفور العيش ، يزهو بشبابه، ينعم بالرخاء، راعيا يرعى أغنام قومه لقي بثينة في وادي بغيض فكان ذلك اليوم يوما مشهورا في حياته ة، وبداية الحب العذري القوي الذي انشد فيه شعره وافنى عمره وشبابه، جاء قومها يخطبها ، ولكنهم رفضوه وذلك بسبب ما ذكره عنها في شعره ولكثرة ماردد اسمها على لسانه،واستحكم العداء بينه وبين قومها وراح يهجوهم ويمعن في إثارة حقدهم و أكد عزمه على الالتقاء بها سرا أو جهرا شكوا أمرهم إلى مروان حاكم المدينة فأهدر دمه ولم يجد جميل وسيلة للنجاة إلا الهرب فسارع بالفرار إلى اليمن وظل تائها عن دياره،يشكو لوعة فؤاده ثم عاد من جديد لدياره بعد عزل مروان.

وتقول رواية بأن بثينة بأنها أحبت رجلا يدعى حجنة الهلالي وتقول رواية أخرى بان أهلها أرغموها على الزواج من رجل لا تحبه يدعى نبيه بن الأسود وفي سائر الأحوال ظل جميل على وفائه يلوم بثينة تارة، ويعاتبها تارة فلجأ قوم بثينة إلى أهله لمنعه عنها وقيل أنهم أهدروا دمه فاضطر إلى الارتحال إلى مصر ولبث هناك حتى مات.


رجل عاش لقلبه، وعاشق أخلص لهواه وحبه، وشاعر صادق في عواطفه فاستحق عن جدارة زعامة الحب العذري،وفاز عند الأدباء بالمكانة الأسمى بين الشعراء. من غزلي البادية وممن اتسم غزلهم بالصدق وبالعفة وبالبعد عن المادية لا يكاد يظهر فيه اثر النوازع الحسية التي نجدها في الغزل الحضري الصريح كما أننا لا نلمس في شعره الميل إلى شهوات اللقاء بين الجنسين فهو غزل عاطفي وجداني يحرص فيه المتحابان على العفة.

ووحدانية الحب،والقناعة بالمحبوب الواحد ولذته في التضحية وتحمل الألم ولوعة الفراق وتحمل العاذلين والوشاة لذا يتقبل العذري الرفض والخيبة ويقتنع تماما بالنظرة السريعة الخاطفة العاجلة وكل ذلك أحب إلى نفسه من انقطاع حبل الود.


مميزات شعره:

الرقة، التناغم الموسيقي، الوضوح في المضامين، الانسياب في الأداء.

ذكرت أيامي

إن المنازل هيجت أطرابي
واتعجمت آياتها بجوابي
قفرا تلوح بذي اللجين ، كأنها
انضاء رسم ، أو سطور كتاب
لما وقفت القلوص ، تبادرت
مني الدموع ن لفرقة الأحباب
وذكرت عصرا ، يا بثينة شاقني
وذكرت أيامي ، وشرخ شبابي

***


أنتي طبي

ارحميني ، فقد بليت ، فحسبي
بعض ذا الداء ، يا بثينة حسبي
لامني فيك ، يا بثينة ، صحبي
لا تلوموا ن قد أقرح الحب قلبي
زعم الناس أن دائي طبي
أنت والله ، يا بثينة طبي

***

الحب تسوقه الأقدار

لاحت ، لعينك من بثينة نار
فدموع عينك درة وغزار
والحب ، أول ما يكون لجاجة
تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى
جاءت أمور لا تطاق كبار
ما من قرين آلف لقرينها
إلا لحبل قرينها اقصار
وإذا أردت، ولن يخونك كاتم
حتى يشيع حديثك الإظهار
كتمان سرك ، يا بثين ، فإنما
عند الأمين ، تغيب الأسرار


رأيي في شخصية جميل بثينة:

يعجبني ,, وذلك لوضوح مضامينه الشعرية ,و تحمل أذى الفراق ولوعتها وآلامها , و غزله عاطفي ووجداني يبين فيه أن المتحابان على العفة.

البندري
12-27-2005, 08:23 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فدوى طوقان

الشاعرة الفلسطينية فدوى


- فدوى عبد الفتاح آغا طوقان (الأردن) .
- ولدت عام 1917 بفلسطين، وتحمل الجنسية الأردنية.
- تلقت تعليمها الابتدائي في نابلس ثم ثقفت نفسها بنفسها، والتحقت بدورات اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي.
- عضو في مجلس أمناء جامعة النجاح بنابلس.
- حضرت العديد من المهرجانات والمؤتمرات العربية والأجنبية.
- دواوينها الشعرية: وحدي مع الأيام 1952 – وجدتها 1957 – أعطنا حبا 1960 – أمام الباب المغلق 1967 – الليل والفرسان 1969 – على قمة الدنيا وحيدا 1973 – تموز والشيء الآخر 1989.
- مؤلفاتها: رحلة صعبة، رحلة جبلية (مذكرات).
- حصلت على جائزة رابطة الكتاب الأردنيين 1983، وجائزة الزيتونة الفضية من إيطاليا، وجائزة درع الريادة الشعرية من الأردن، وجائزة سلطان العويس 1987، وجائزة ساليرنو للشعر من إيطاليا، ووسام فلسطين وجائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري 1994.
- صدرت عنها تسع دراسات أكاديمية (للماجستير والدكتوراه) في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، كما كتبت عنها دراسات متفرقة في الصحف والمجلات العربية، إلى جانب كتابات أخرى لكل من إبراهيم العلم، وخليل أبو اصبع، وبنت الشاطئ وروحية القليني، وهاني أبو غضيب
==========
من قصائدها (مراهقة)
-------------------

يا نخلتــي يحبنــي اثنانِ
كلاهما كــورد نيســان
كلاهما أحلــى من السكر
وتاه قلبي الصغير بينهما
أيهما أحبه أكثـر؟؟
أيهما يا نخلتي أجمـل ؟
قولي لقلبي، إنه يجهـل

في الرقصة الأولــــى
بين ظلالٍ وهمس موسقى
وشوشني الأول
وقال لي ما قال
رفَّ جناحا قلبي المثقـل
بالوهم، بالأحلام، بالخيال
لم أدر ماذا أقول أو أفعل
* * *
في الرقصة الأخرى
حاصرني الثاني
وطوّقتْ خصري ذراعان
نهران من شوق وتحنان
وقال لي ما قال
رفَّ جناحــا قلبي المثقل
بالوهم، بالأحـلام، بالخيال
لم أدر ماذا أقول أو أفعل

واحيرتي! يحبني اثنانِ كلاهما كـورد نيســان
كلاهما أحلى من السكر أيهما أحبــه أكثــر ؟

البندري
12-27-2005, 08:24 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشاعر احمد محمد الخليفة
تاريخ حياته ونشأته

لا غرو أن تنجب البحرين شاعراً فذاً رقيق الحس والمشاعر كالشاعر أحمد محمد الخليفة 00 وهي التي عودتنا دائماً وأبدا بأن تثمر حدائقها الأدبية شاعراً مجيداً أو أديباً عتيداً بين الفينة والفينة 00 ففي تاريخ البحرين وحاضرها أشرا قات رائعة من المجد الأدبي والثقافي 00 تألقت خلال فترات من العهود الماضية والحاضرة 00 تحدث عنها الأدباء وامتلأت صحائفها بالأشعار 00 فهي لا تستقر إلا على عز ومجد ولا تعيش إلا لبناء وعمل جادين .
نشأ أحمد محمد الخليفة في كنف بيئة رائعة الجمال يعانق مياه الخليج سواحلها وأسرة عريقة لها باع طويل في ميدان الشعر والعز والجاه 00 وتأثر بشاعرين عظيمين ألا وهما: الشاعر السوري عمر أبو ريشه والمصري علي محمود طه .
وفي مضمار الحديث عن الشاعر أحمد محمد الخليفة تطوف أمامنا مواكب كثيرة من ذكريات حياته وإشعاعات من مفاخر علمه ونشأته 00 نظراً للعلاقة الكبرى والمميزة بين مجد الشاعر من جهة ومجد موطنه من جهة أخرى 00 ومن هنا فإنه يعنينا كثيراً أن نعرف عن حياته وأعماله الأدبية والشعرية بشيء من التفصيل .
أحمد محمد الخليفة واحد من كبار الشعراء المعاصرين الذين جمع الشعر من طرفيه فصيحه ونبطه 00 وهو شاعر مبدع يعيش في مجتمعه بمشاعره فتتفاعل أحاسيسه مع ما يعيشه من أحوال ومناسبات 00 وما يتعاقب عليه من أحداث ترحة أو مرحة . فيصبح أكثر تأثراً من أي فرد آخر من هذا المجتمع بالظاهرة الماثلة التي أثرت في المحيط حوله سلباً أو إيجاباً 00 فكان أجدر بالتعمق في نتائجها لتعبّر قريحته بالمفيد .
وأبياته الشعرية تقف اليوم وغداً كالنجوم الساطعة في الشعر العربي لسهولة لفظها 00 وطريقة موضعها 00 وواقية آرائها .
ولد أحمد محمد الخليفة في قرية الجسرة عام 1929 ميلادية وانتقل إلى قرية الزلاق وعمره لم يتجاوز السنوات الثلاث لينشأ فيها ويترعرع ويهنأ بطفولته وصباه بين بساتينها الوارفة الظلال 00 ورياضها الغناء 00 وجمع في حياته تلك 00 الحياة في بيئة صحراوية 00 مارس نشاطه البدني والفكري بين رمالها وكثبانها 00 وشمسها المشرقة .
سار أحمد محمد الخليفة صعداً في مدارج الشعر برقة وعذوبة وكون ثقافته الأدبية من اطلاعه الخاص 00 له شعره المتبحر في الأدب الشعبي 00 وقصائد ذاتية في التعبير عن معاناة الإنسان الخليجي إزاء حياته ومجتمعه 00 فلم تخل بعض من قصائده من معاناة وإحساس ذاتي 00 وتغلب على شعره أحياناً كثيرة النزعة الرومانسية 00 ولا عجب في ذلك فقد تأثر بشكل مباشر بالشعراء الرومانسيين العرب .
فحين بلغ شاعرنا الثالثة والعشرين من العمر غادر الزلاق إلى القضيبية من ضواحي مدينة المنامة ليستقر ويبدأ من هناك أولى مراحل عمره الأدبية 00 وتلقى تعليمه في مدرسة المنامة الثانوية للبنين 00 على حين تلقى دروسه في مادة اللغة العربية بالذات على يد الشيخ يوسف الصديقي وغيره من علماء اللغة والدين في تلك الحقبة من الزمان .
اتجهت أنظار الشعراء والأدباء في أواسط الأربعينيات من هذا القرن إلى البحرين وإلى اسم جديد مبدع ونجم ساطع يلمع في سماء هذا الوطن المعطاء 00 وذلك حينما نشرت إحدى الصحف الإذاعية أبياتاً رقيقة وقع عليها أحمد محمد الخليفة – البحرين – على حد تعبير عبد الله محمد الطائي في كتابه الأدب المعاصر في الخليج العربي .
وفي الخمسينيات بدأ أحمد محمد الخليفة ينشر قصائده تباعاً في غزل رقيق يجمع فيها عواطفه الغرامية بمظاهر بيئة البحرين الخلابة في معان فريدة 00 فتألق بسرعة البرق 00 وأخذ بألباب الأدباء والشعراء وراسله أو كتب إليه الكثيرون منهم مكبرين فيه رقة شاعريته وعذوبة ألحانه الحانية والمتكاملة 00 وبذلك برز بشعره مطمحاً للأمل ودليلاً قاطعاً يخلده لنا بأن من سار على الدرب وصل .
وبرقته وعذوبته وألفته تعد واسطة العقد التي تشد بخيوط المودة والتآلف النفسي والعقلي والفكري والوجداني لدى كوكبة من فرسان الخمسينيات والستينيات جمعتهم بعضهم به مقاعد الدراسة أو مهنة الأدب والشعر 00 فلم يكن من الصعب اكتشاف أن الدكتور غازي القصيبي والأستاذ ناصر بوحميد والشاعر عبد الرحمن رفيع هم أقربنا إلى قلب الشاعر أحمد محمد الخليفة وعقله 00 وأن محمود طه وعمر أبو ريشه – كما سبق وأشرت – هما مصدر الكثير من وحي شعره الوجداني والقومي والوصفي 00 وأن المرحوم الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة والمغفور له الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة هما حسه ومشاعره وعنوان دربه 00 وهما من أفراد أسرته وأهل بيته 00 كما أنه يحمل للشاعر إبراهيم العريِّض من المحبة والتقدير ما يفوق بعض معايشاته المعلنة في مجالس الشيوخ تحت عنوان منطلق هموم الشعر والكتابة والإبداع عند معلمه .
صدرت له في عام 1955 أول مجموعة شعرية أسماها (( أغاني البحرين )) 00 (( والأغاني كما تعلمون )) كما يقول عبد الله الطائي (( أنغام تتصاعد إلى الأفق 00 إلى النجوم 00 ولكنها قد تلتقي بحواجز تمنعها من التحليق فتية في هذا الكون كما يتبعه المخدوع بالسراب )) . وتلت هذا الديوان مجموعاته الأخرى الثلاث والتي جمعها مؤخراً مع ديوانه الأول في ديوان واحد تحت عنوان (( العناقيد الأربعة )) يضم بين أبياته من الشعر الوصفي والوجداني والقومي أبدع الشعر وأجمله وأرقه .
ولنأت إلى قول منصور محمد سرحان عنه في كتابه (( واقع الحركة الفكرية في البحرين )) 00 الذي صدر له حديثاً 00 جاء فيه (( أثرت الطبيعة بشكل مباشر على عناوين دواوينه ومن بينها (( القمر والنخيل )) 00 و (( غيوم في الصيف )) و (( ديوان العناقيد الأربعة )) 00 و (( بقايا الغدران )) وقد صدر للشاعر عام 1992 ستة دواوين التزم فيها بالقصيدة العمودية 00 وكان تأثره البالغ في العديد من دواوين الشعراء الذين ينظمون القصيدة العمودية مما أدى إلى إثراء هذا النهج الكلاسيكي )) .

البندري
12-27-2005, 08:26 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الجاحظ في خدمة العقل


وضع أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني الشهير بالجاحظ -لجحوظ واضح في عينيه- 96 عامًا هي كل عمره، ووضع كل ثقافة العرب واليونان والفرس التي عرفها عصره والتي جمعها الجاحظ ووعاها.
كان الجاحظ منهوم علم لا يشبع، ومنهوم عقل لا يرضى إلا بما يقبله عقله بالحجج القوية البالغة.
كان صبيًا يبيع الخبز والسمك في سوق البصرة، ثم بدأ يأخذ العلم على أعلامه.. فأخذ علم اللغة العربية وآدابها عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري، ودرس النحو على الأخفش، وتبحر في علم الكلام على يد إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري..
وكان يذهب إلى مربد البصرة فيأخذ اللغة مشافهة من الأعراب، ويناقش حنين بن إسحاق وسلمويه فيتعرَّف على الثقافة اليونانية، ويقرأ ابن المقفع فيتصل بالثقافة الفارسية، ثم لا يكتفي بكل ذلك، بل يستأجر دكاكين الوارقين ويبيت فيها ليقرأ كل ما فيها من كتب مؤلفة ومترجمة، فيجمع بذلك كل الثقافات السائدة في عصره؛ من عربية وفارسية ويونانية وهندية أيضا.
ولد الجاحظ سنة 159 هجرية في خلافة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، ومات في خلافة المهتدي بالله سنة 255 هجرية، فعاصر بذلك 12 خليفة عباسياً هم: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي بالله، وعاش القرن الذي كانت فيه الثقافة العربية في ذروة ازدهارها.
كان الجاحظ موسوعة تمشي على قدمين، وتعتبر كتبه دائرة معارف لزمانه، كتب في كل شيء تقريبًا؛ كتب في علم الكلام والأدب والسياسية والتاريخ والأخلاق والنبات والحيوان والصناعة والنساء والسلطان والجند والقضاة والولاة والمعلمين واللصوص والإمامة والحول والعور وصفات الله والقيان والهجاء.
أما عن منهجه في معرفة الحلال والحرام فيقول : 'إنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق، وبالسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، والمقاييس المعينة' رافضًا بذلك أن يكون اتفاق أهل المدينة على شيء دليلاً على حله أو حرمته؛ لأن عظم حق البلدة لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولأن أهل المدينة لم يخرجوا من طباع الإنس إلى طبائع الملائكة 'وليس كل ما يقولونه حقًا وصوابًا'.
فقد كان الجاحظ لسان حال المعتزلة في زمانه، فرفع لواء العقل وجعله الحكم الأعلى في كل شيء، ورفض من أسماهم بالنقليين الذين يلغون عقولهم أمام ما ينقلونه ويحفظونه من نصوص القدماء، سواء من ينقلون علم أرسطو، أو بعض من ينقلون الحديث النبوي.
فإذا كان بعض فلاسفة الشرق والغرب فد وقفوا أمام أرسطو موقف التلميذ المصدق لكل ما يقوله الأستاذ فإن الجاحظ وقف أمام أرسطو عقلا لعقل؛ يقبل منه ما يقبله عقله، ويرد عليه ما يرفضه عقله، حتى إنه كان يسخر منه أحيانا.. ففي كتابه الحيوان يقول الجاحظ عن أرسطو وهو يسميه صاحب المنطق: 'وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمى باليونانية 'طبقون'، حية صغيرة شديدة اللدغ إلا أنها تُعالج بحجر يخرج من بعض قبور قدماء الملوك-، ولم أفهم هذا ولمَ كان ذلك؟!'
ويقول الجاحظ: 'زعم صاحب المنطق أن قد ظهرت حية لها رأسان، فسألت أعرابيًا عن ذلك فزعم أن ذلك حق، فقلت له: فمن أي جهة الرأسين تسعى؟ ومن أيهما تأكل وتعض؟ فقال: فأما السعي فلا تسعى؛ ولكنها تسعى على حاجتها بالتقلب كما يتقلب الصبيان على الرمل، وأما الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغذى بفم، وأما العض فأنها تعض برأسيها معًا. فإذا هو أكذب البرية'.
وكان الجاحظ يؤمن بأهمية الشك الذي يؤدي إلى اليقين عن طريق التجربة، فهو يراقب الديكة والدجاج والكلاب ليعرف طباعها، ويسأل أرباب الحرف ليتأكد من معلومات الكتب.. قال أرسطو: إن إناث العصافير أطول أعمارًا، وإن ذكورها لا تعيش إلا سنة واحدة… فانتقده الجاحظ بشدة لأنه لم يأت بدليل، ولامه لأنه لم يقل ذلك على وجه التقريب بل على وجه اليقين.
كما هاجم الجاحظ رجال الحديث، لأنهم لا يحكّمون عقولهم فيما يجمعون ويروون، ويقول: ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهانها خفّت المؤنة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة ودون الإخبار عن البرهان.
فهو لا يقبل ما يرويه الرواة من أن الحجر الأسود كان أبيض اللون واسودَّ من ذنوب البشر، فيقول ساخرًا: 'ولماذا لم يعد إلى لونه بعد أن آمن الناس بالإسلام؟!'.
والجاحظ يرفض الخرافات كلها ، وينقد من يرويها من العلماء أمثال أبي زيد الأنصاري، فيقول: إن أبا زيد أمين ثقة، لكنه ينقصه النقد لأمثال هذه الأخبار التي يرويها عن السعالي والجن، وكيف يراهم الناس ويتحدثون إليهم ويتزوجونهم وينجبون؟.
وكان الجاحظ يرفض وضع صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكانة أعلى من البشر، بحيث لا يحق لأحد أن يتعرض لأعمالهم ويقيمها وينقدها، فهو يرى أن من حق المؤرخ أن يتناول أعمالهم بميزان العقل، لأنهم بشر كالبشر يخطئون ويصيبون، وليسوا ملائكة، وإذا كانت صحبتهم للرسول -صلى الله عليه وسلم- تعطيهم حق التوقير فإن هذه الصحبة نفسها تجعل المخطئ منهم موضع لوم شديد؛ لأنه أخطأ رغم صحبته وقربه من الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ورفض الجاحظ بشدة القول بأن سب الولاة فتنة ولعنهم بدعة'، وعجب من أن الذين يقولون بذلك الرأي مجمعون على لعن من قتل مؤمنًا متعمدًا، ثم إذا كان القاتل سلطانًا ظالمًا لم يستحلوا سبه ولا لعنه ولا خلعه، وإن أخاف العلماء وأجاع الفقراء وظلم الضعفاء..، فالجاحظ -كمعتزلي- كان يرى ضرورة الخروج على الإمام الظالم في حالة وجود إمام عادل، مع الثقة في القدرة على خلع الظالم وإحلال العادل محله، دون إحداث أضرار أكثر مما يتوقع جلبه من المنافع.
وكان الجاحظ يؤكد أن العقل الصحيح أساس من أسس التشريع.
والأسلوب أحد المميزات الكبرى التي تمتع بها الجاحظ، فهو سهل واضح فيه عذوبة وفكاهة واستطراد بلا ملل، وفيه موسوعية ونظر ثاقب وإيمان بالعقل لا يتزعزع.
ويعد الجاحظ من أغزر كتّاب العالم ؛ فقد كتب حوالي 360 كتابًا في كل فروع المعرفة في عصره… وكان عدد كبير من هذه الكتب في مذهب الاعتزال.. وبحث مشكلاته.. والدفاع عنه… لكن التعصب المذهبي أدى إلى أن يحتفظ الناس بكتب الجاحظ الأدبية.. ويتجاهلوا كتبه الدينية فلم يصل إلينا منها شيء.
ومن أشهر وأهم كتب الجاحظ كتابا 'البيان والتبيين' و'الحيوان'.
ويعتبر البيان والتبيين من أواخر مؤلفات الجاحظ.. وهو كتاب في الأدب يتناول فيه موضوعات متفرقة مثل الحديث عن الأنبياء والخطباء والفقهاء والأمراء… والحديث عن البلاغة واللسان والصمت والشعر والخطب والرد على الشعوبية واللحن والحمقى والمجانين ووصايا الأعراب ونوادرهم والزهد.. وغير ذلك.
ويعد كتاب الحيوان -وهو من مؤلفات الجاحظ الأخيرة أيضا- أول كتاب وضع في العربية جامع في علم الحيوان.. لأن من كتبوا قبل الجاحظ في هذا المجال أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وابن الكلبي وابن الأعرابي والسجستاني وغيرهم.. كانوا يتناولون حيوانًا واحدًا مثل الإبل أو النحل أو الطير.. وكان اهتمامهم الأول والأخير بالناحية اللغوية وليس العلمية.. ولكن الجاحظ اهتم إلى جانب اللغة والشعر بالبحث في طبائع الحيوان وغرائزه وأحواله وعاداته.
ولأن الجاحظ كان غزير العلم.. مستوعبًا لثقافات عصره.. فقد كانت مراجعه في كتبه تمتد لتشمل القرآن الكريم والحديث النبوي والتوراة والإنجيل وأقوال الحكماء والشعراء وعلوم اليونان وأدب فارس وحكمة الهند بالإضافة إلى تجاربه العلمية ومشاهداته وملاحظاته الخاصة.
وقد كان للجاحظ أسلوب فريد يشبه قصص ألف ليلة وليلة المتداخلة… إذ أن شهرزاد تحكي لشهريار قصة… ثم يحكي أحد أبطال هذه القصة قصة فرعية.. وتتخلل القصة الفرعية قصة ثالثة ورابعة أحيانًا..ثم نعود للقصة الأساسية.. فالجاحظ يتناول موضوعًا ثم يتركه ليتناول غيره.. ثم يعود
للموضوع الأول.. وقد يتركه ثانية قبل أن يستوفيه وينتقل إلى موضوع جديد… وهكذا.
فكتابه 'الحيوان' مثلاً لم يقتصر فيه على الموضوع الذي يدل عليه عنوان الكتاب.. بل تناول بعض المعارف الطبيعية والفلسفية.. وتحدث في سياسة الأفراد والأمم.. والنزاع بين أهل الكلام وغيرهم من الطوائف الدينية.. كما تحدث في كتاب الحيوان عن موضوعات تتعلق بالجغرافيا والطب وعادات الأعراب وبعض مسائل الفقه … هذا عدا ما امتلأ به الكتاب من شعر وفكاهة تصل إلى حد المجون بل والفحش.
فكل فصل من الفصول -كما يقول أحمد أمين عن كتاب البيان والتبيين- 'فوضى لا تضبط، واستطراد لا يحد… والحق أن الجاحظ مسئول عن الفوضى التي تسود كتب الأدب العربي، فقد جرت على منواله، وحذت حذوه، فالمبرد تأثر به في تأليفه، والكتب التي ألفت بعد كعيون الأخبار والعقد الفريد فيها شيء من روح الجاحظ، وإن دخلها شيء من الترتيب والتبويب.. والجاحظ مسئول عما جاء في الكتب بعده من نقص وعيب، لأن البيان والتبيين أول كتاب ألف في الأدب على هذا النحو وأثر فيمن جاءوا بعده.. وأوضح شئ من آثار الجاحظ في كتب الأدب إذا قورنت بالعلوم الأخرى الفوضى والمزاح ومجون يصل إلى الفحش أحيانًا.
وقد أوضح الجاحظ في 'الحيوان' أسلوب تأليفه للكتاب قائلاً : 'متى خرج -القارئ- من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى الشعر، ومن الشعر إلى النوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب ولعله أن يكون أثقل والملال أسرع حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة وإلى سخف وخرافة ولست أراه سخفًا'.
ويبدو أن عدم ثقة الجاحظ في القراء على وجه العموم كانت سبباً في سلوكه هذا السبيل… فهو يقول: 'ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويظهر اصطناع الكتب في هذا الدهر لما احتجت إلى مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع قلوبهم -مع فوائد هذا الكتاب- إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأن الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأن رغبتي في صلاحهم رغبة من رغب في دنياهم'
والأسلوب أحد المميزات الكبرى التي تمتع بها الجاحظ، فهو سهل واضح فيه عذوبة وفكاهة واستطراد بلا ملل، وفيه موسوعية ونظر ثاقب وإيمان بالعقل لا يتزعزع.
والجاحظ بهذا الفكر الذي يعلي من شأن العقل، وهذه الثقافة المتنوعة الجامعة، وهذا العمر المديد بما يعطيه للمرء من خبرات وتجارب، وهذا الأسلوب المميز: استحق مكانه المتميز في تاريخ الثقافة العربية بما له من تأثير واضح قوي في كل من جاءوا بعده.
أما ما يؤخذ عليه فهو ما يؤخذ على المعتزلة عمومًا

البندري
12-27-2005, 08:27 PM
أسلوب الشعر الأندلسي ومعانيه وأخيلته

الشعر في الأندلس امتداد للشعر العربي في المشرق؛ فقد كان الأندلسيون متعلقين بالمشرق، ومتأثرين بكل جديد فيه عن طريق الكتب التي تصل إليهم منه، أو العلماء الذين يرحلون من الشرق أو الأندلسيين الذين يفدون إلى الشرق للحج أو لطلب العمل، فكانت حبال الود ووشائج القربى قوية بين مشرق العالم الإِسلامي ومغربه.
وكان الأندلسيون ينظرون إلى الشرق وما يأتي منه نظرة إعجاب وتقدير؛ فكانوا في غالب أمرهم مقلدين للمشارقة، ويبدو ذلك واضحاً في ألقاب الشعراء وفي معارضاتهم لشعراء المشرق.
ولكن هذا التقليد لم يمنعهم من الإِبداع والابتكار، والتميز بميزات تخصهم نتيجة لعوامل كثيرة، أنها البيئة الأندلسية الجديدة الجميلة التي طبعت الأدب الأندلسي بطابع خاص.

ويمتاز الشعر الأندلسي في ألفاظه ومعانيه وأخيلته بسمات تبدو واضحة في مجمله، ومنها:

1 - وضوح المعنى، والبعد عن التعقيد الفلسفي أو الغوص على المعاني وتشقيقها.
2- سهولة الألفاظ وسلاستها، والبعد عن التعقيد والغموض، وذلك ناتج عن بساطة الأندلسيين وبعدهم عن التعقيد في كل شيء. ويستثنى من ذلك شعر ابن هانئ وابن دراج، فهما يقربان من شعر المشارقة من حيث الجزالة والقوة.
3 - قلة الدخيل والألفاظ الأعجمية؛ فقد لاحظ الدارسون أن الأندلسيين أكثر تمسكاً بالعربية الفصحى من غيرهم.
4- التجديد في بعض أغراض الشعر والتفوق فيها، ويبدو ذلك واضحاً في رثاء الممالك الزائلة، وفي وصف الطبيعة.
5 - الخيال المجنح، وبراعة التصوير، والاندماج في الطبيعة، ووصف مناظرها الخلابة، وذلك أثر من آثار جمال الطبيعة الأندلسية، وتعلق الأندلسيين بطبيعة بلادهم، وانعكاس ذلك على شعرهم سواء من ناحية الألفاظ المنتقاة أو الخيال أو التصوير والتشخيص.
6 - التجديد في الأوزان، وذلك باختراع الموشحات، وسوف نتحدث عن الموشحات حديثاً مفصلاً.
7 - البعد عن المحسنات اللفظية المتكلفة والمبالغة، وبروز التشبيهات الجميلة والاستعارات الدقيقة وحسن التعليل.
والخلاصة أن الأندلسيين قد قلدوا المشارقة، ولكن هذا لم يمنعهم من الابتكار والتفوق في مجالات عديدة ورد ذكرها فيما سبق.

الموشحات

امتاز الأندلسيون على المشارقة باختراع الموشحات، وإن كانت قد انتشرت بعد ذلك في المشرق أيضاً.
والموشح مأخوذ من الوشاح[1>، وهو: عقد من لؤلؤ وجوهر منظومين، مخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، تتوشح المرأة به. وثوب موشح: أي مطرز مزين.
والموشح في الاصطلاح الأدبي له تعريفات كثيرة، لعل أدقها ما ذكره ابن سناء الملك في كتابه (دار الطراز)[2>، حيث يقول: 'الموشح: كلام منظوم على وزن مخصوص بقواف مختلفة، وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: التام. وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: الأقرع. فالتام ما ابتدِئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتُدِئ فيه بالأبيات'.
وسوف نشرح الاصطلاحات الخاصة بالموشحات بعد الإِلمام المختصر بتاريخ الموشحات.

نشأة الموشحـات:
أول من اخترع الموشحات في الأندلس كما يقول ابن خلدون 'مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه أبو عمر أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد'[3>.
ثم برع في الموشحات عبادة بن ماء السماء المتوفى عام 422 هـ، وهو إمام الوشاحين الذي استطاع أن ينشر الموشحات في الأندلس، ثم جاء بعده مجموعة من الوشاحين الأندلسيين، من أشهرهم: يحيى بن بُقّي، والأعمى التُطَيْلى، وأبو بكر بن زهر، وأبو بكر بن باجة، وابن سهل، ولسان الدين بن الخطيب.
ولا صحة لما قيل من أن ابن المعتز العباسي هو مخترع الموشح، وإنما ذلك محاولة لسلب الأندلسيين هذا الاختراع الذي أكد المؤرخون سبقهم إليه، حتى قال ابن سناء الملك. 'وبعد، فإن الموشحات مما ترك الأول للآخر، وسبق بها المتأخر المتقدم، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وصار المغرب بها مشرقاً لشروقها في أفقه وإشراقها في جوه '.
واختراع الموشحات الأندلسية نتيجة لحياة الترف والطرب واللهو، لأن الموشح يلائم ذلك، وهو تجديد في شكل الشعر العربي لا في مضمونه. وقد أدى اهتمام الأندلسيين بالموشح وكثرة الوشاحين إلى إغراقهم في ذلك الفن، وإلى كثرة أنماط الموشح حتى تحول إلى صناعة لفظية، كما أن العامية دخلت الموشح، حتى إن ابن سناء الملك يرى أن الخرجة يجب أن تكون عامية، فإن كانت معربة الألفاظ خرج الموشح من أن يكون موشحاً، اللهم إلا إذا كان موشح مدح...
وقد تناول الوشاحون في موشحاتهم أغراض الشعر العربي المشهورة من مدح ووصف وغزل وهجاء ورثاء وزهد... ولكن أشهر الموشحات في الغزل واللهو ووصف الطبيعة.

أجزاء الموشح ومصطلحاته:
الموشح يتكون من أجزاء معينة، اصطلح عليها الوشاحون، والتزموها في صنع الموشحات. وهذه الأجزاء هي:
المطلع: وهو ما يفتتح به الموشح - إذا كان تاماً - وهو يتألف من شطرين كما في المثال الأول، أو أربعة كما في المثال الثاني.
الدور: هو ما يأتي بعد المطلع في الموشح التام، فإن كان الموشح أقرعا جاء الدور في مستهل الموشح، ثم يتكرر الدور بعد كل قفل.
ويشترط في الدور أن يكون على وزن مخالف للمطلع أو القفل وقافيته كذلك، أما الأدوار فيجب أن تتحد فيما بينها في الوزن وعدد الأجزاء، وأن تختلف في القافية.
البيت: ومفهوم البيت في الموشحة غير مفهومه في القصيدة التقليدية، فالبيت في الموشح يتكون من الدور ومن القفل الذي يليه مجتمعين.
فالبيت الأول في المثال الأول هو:
وللنـسـيمِ مجـالُ
والروضُ فيه اختـيالُ
مُدَّتْ عليه ظــِلالُ
والزهرُ شـقَّ كِماما وَجْداً بتلك اللـحونِ

الخرجة: آخر قفل في الموشح، وهي تماثل المطلع والأقفال في الوزن والقافية وعدد الأجزاء.
وعلى هذا فالقفل الذي يأتي في مطلع الموشحة (إن وجد) يسمى المطلع، والقفل الذي يأتي في نهايتها (لا بد من وجوده) يسمى الخرجة.
الغصن: اسم اصطلاحي لكل شطر من أشطر المطلع أو الأقفال أو الخرجة في الموشِح، ولا بد من تساوي المطلع والأقفال والخرجة في عدد الأغصان كما ذكرنا سابقاً، ومطلع المثال الأول وأقفاله وخرجاته يتكون كل واحد منها من غصنين، أما في المثال الثاني فمن أربعة أغصان.
السمط: اسم اصطلاحي لكل شطر من أشطر الدور، ولا يقل عدد الأسماط في الدور الواحد من الموشح عن ثلاثة أسماط، وقد يكون السمط مفردا أي مكونًا من فقرة واحدة كما في المثال الأول، وقد يكون من فقرتين كما في المثال الثاني أو أكثر من ذلك، والمهم هو تساوي الأدوار في عدد الأسماط.

البندري
12-27-2005, 08:29 PM
طرفة بن العبد

هو عمرو بن العبد ينتمي الى اكبر قبائل العرب وهي قبيلة بكر بن وائل. و'طرفة' لقب غلب عليه. ولد في البحرين سنة 543 م، وقتل في عهد عمرو بن هند، ملك الحيرة سنة 569 م. فيكون قد عاش ستة وعشرين عاما فقط، ولهذا عرف باسم 'الغلام القتيل'.
وينتمي طرفة لأسرة عرفت بكثرة شعرائها من جهة الأب والأم. وكان في صباه عاكفا على حياة اللهو، يعاقر الخمر وينفق ماله عليها. ولكن مكانه في قومه جعله جريئا على الهجاء. وقد مات أبوه وهو صغير فأبى أعمامه أن يقسموا ماله وظلموه.
ولما اشتدّت عليه وطأة التمرد عاد إلى قبيلته وراح يرعى إبل أخيه 'معبد' إلا أنها سرقت منه. ولما قصد مالكاً ابن عمه نهره. فعاد مجدداً إلى الإغارة والغزو.

موته :

توجه طرفة إلى بلاط الحيرة حيث الملك عمرو بن هند، وكان معه خاله المتلمّس (جرير بن عبد المسيح).
بسبب أن هذين الشاعرين قد هجوا عمرو بن هند من قبل حتى أحنقاه عليهما ، ثم وفدوا عليه فتلقاهما لقاء حسنا مظهرا حسن النية ومبطنا الغدر
وكان طرفة في صباه معجباً بنفسه يتخلّج في مشيته. فمشى تلك المشية مرة بين يديّ الملك عمرو بن هند فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه. وكان المتلمّس حاضراً ، فلما قاما قال له المتلمّس: 'يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك'. فقال طرفة: 'كلا'...
بعدها كتب عمرو بن هند لكل من طرفة والمتلمّس كتاباً إلى المكعبر عامله في البحرين وعمان وأوهمهما أنه كتب لهما بالجوائز والصِّلات
، وإذ كانا في الطريق بأرض بالقرب من الحيرة، رأيا شيخاً دار بينهما وبينه حديث. ونبّه الشيخ المتلمّس إلى ما قد يكون في الرسالة. ولما لم يكن المتلمّس يعرف القراءة، فقد استدعى غلاماً من أهل الحيرة ليقرأ الرسالة له، فإذا فيها:
'باسمك اللهم.. من عمرو بن هند إلى المكعبر.. إذا أتاك كتابي هذا من المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً'.
فألقى المتلمّس الصحيفة في النهر، ثم قال لطرفة أن يطّلع على مضمون الرسالة التي يحملها هو أيضاً فلم يفعل، بل سار حتى قدم عامل البحرين ودفع إليه بها.
فلما وقف المكعبر على ما جاء في الرسالة أوعز إلى طرفة بالهرب لما كان بينه وبين الشاعر من نسب ، فأبى . فحبسه الوالي وكتب إلى عمرو بن هند قائلاً : 'ابعث إلى عملك من تريد فاني غير قاتله'.
فبعث ملك الحيرة رجلاً من تغلب، وجيء بطرفة إليه فقال له: 'إني قاتلك لا محالة .. فاختر لنفسك ميتة تهواها'.
فقال: 'إن كان ولا بدّ فاسقني الخمر وأفصدني'. ففعل به ذلك.

شعره :

شعر طرفة قليل لأنه لم يعش طويلاً. ولكنه حافل بذكر الأحداث، ويعكس أفكاره وخواطره بالحياة وبالموت، وتبرز فيه الدعوة لقطف ثمار اللذة الجسدية والمعنوية قبل فوات العمر.
وقد ترك لنا طرفة ديواناً من الشعر أشهر ما فيه 'المعلّقة'. وقد قال عنه ابن سلام أنه اشعر الناس بواحده , يقصد المعلقة.
ويحوي الديوان 657 بيتاً ، أما المعلقة فيبلغ عدد أبياتها (104) بيتاً وهي على البحر الطويل. ومن موضوعاتها:
1- الغزل - الوقوف على الأطلال ووصف خولة.
2- وصف الناقة.
3- يعرّف نفسه ثم يعاتب ابن عمه.
4- ذكر الموت، ووصيته لابنة أخيه أن تندبه.

مختارات من معلقة طرفة بن العبد تدور حول عدة مواضيع :

نسيب :

لخولة أطلال ببرقـة ثهمــدِ

تلوح كبـاقي الوشم في ظاهر اليدِ

وقوفـاً بها صحبي عليّ مطيَّهم

يقولون لا تهلـك أسـىً وتجـلَّدِ

الإعتداد بالنفس :

إذا القوم قالوا : من فتى؟ خلتُ أنني

عُنيت فلم اكسل ولـم اتـبـلَّدِ

ولستُ بحلاّلِ التـلاعِ مـخـافةً

ولكن متى يسترفدِ القـومُ أرفِـدِ

خواطر وآراء :

ألا أيهـذا اللائمي أحضر الوغـى

وأنْ أشهدَ اللذاتِ، هل انت مُخْلِدي؟

فإن كنتَ لا تسطيعُ دفعَ مـنيـّتي

فدعني أبادِرْهـا بـمـا ملكَتْ يدي

ولولا ثلاثٍ هنَّ من لـذّةِ الفتـى

وجدِّكَ لـم أحفلْ متـى قام عُوَّدي

فمنهنَّ سبقي العاذلاتِ بشـربـةٍ

كُمَيْتٍ مـتى ما تُعْـلَ بالـماءِ تُزْبِدِ

حكم :

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً

على المرءِ مـن وَقْعِ الحسامِ المهنَّدِ

ستبدي لكَ الايامُ ما كنتَ جاهلاً

ويأتيكَ بـالأخبـارِ مـن لم تُزَوِّدِ



طرفة بين فكّي التاريخ :

طرفة الشاعر الجاهلي المبدع عانى من ظلم الأقرباء وهو أشنع ضروب الاستبداد لأنه يأتي من الأيدي التي نحبها والتي نظنّ أننا نأمن شرّها. ولم تمهله المؤامرات التي حيكت ضده كثيرا فمات في ربيع عمره عن 0(26) عاما، حيث قتل بوحشية لا لذنب اقترفه سوى إبداعه وإن كان بالهجاء.
سقط الشاعر ضحية لخلاف شخصي مع الملك. وإذا صحّت الرواية حول موته وأنه حمل الكتاب الذي يحوي أمراً بقتله، فإنّ هذا يدلّ على مدى عزّة النفس والثقة التي كان طرفة يتمتّع بها، وإن كانت في آخر الأمر، سبب مقتله.
بمقتل طرفة بن العبد في ربيع عمره وفي بداية عطائه حرم عشاق الأدب العربي والباحثين في علوم الصحراء والبداوة وتاريخ العرب من مصدر خصب كان يمكن أن يزوّدهم بالمعلومات التي يحتاجونها، وحرموا من عطاء خيال مبدع.
وتبقى معلّقة الشاعر شاهدا على مجد صاحبها وعلى الظلم والنهاية المؤلمة للشاعر.


المعلقة كاملة :


لـــخــولــة أطــلال بـبـرقـــة ثـهــمـــد
تلوح كباقـي الوشــم في ظـــاهر اليـــد

وقــوفــاً بهــا صحبــي علـى مطيـهـــم
يـقـــولـــون لا تـهــلك أســـى وتجـلـــد

كــأن حــدوج الــمـــالـكــيــــة غـــدوة
خلايـــا سفيـــن بالنـــواصـــف مــن دد

عــدولـيــة أو من سفيــن ابن يـــامـــن
يجــور بهـــا المـــلاح طوراً ويـهـتـدي

يشق حبـــاب المـــاء حيزومهـــا بـهـــا
كمــا قســم التـــرب المفـــايـــل باليـــد

وفي الحـي أحوى ينفـض المرد شـادن
مظـــاهـــر سـمـطــي لؤلؤ وزبــرجـــد

خـــذول تُــراعــي ربـربـــاً بخـمـيلـــةٍ
تنــــاول أطـــراف البـــريــر وترتـدي

وتــبــســم عــن ألـمـــي كأن مــنـــوراً
تـخــلل حــر الرمــل دعــص له نــدي

سـقــتـــه إيـــاة الـشـمــس إلا لثـــاتـــه
أســف ولـــم تـكــدم عـلـيـــه بــإثـمـــد

ووجه كأن الشـمـس حــلـــت رداءهـــا
عليــه نقـــي اللــــون لــــم يــتــخــــدد

وإني لأمضـي الهــم عـنـد احتضـــاره
بعوجــــاء مرقــــال تـــروح وتغتـــدي

أمـــون كــألــواح الأران نــصــأتـهـــا
علـى لا حــب كأنــــه ظهــــر برجــــد

جمـــاليــةٍ وجـنـــاء تــردي كـــأنــهـــا
سفـنـــجـــة تبــــري لأزعــــر أربــــد

تباري عتـــاقـــاً نـــاجيـــات وأتبعـــت
وظيفــــاً وظيفــــاً فــــوق مـــور معبـد

تربعـت القفيـــن في الشـــول ترتعـــي
حــدائــــق مولــــي الأســـرة أغــيــــد

تريـع إلـى صـــوت المهيـــب وتتقـــي
بذي خصل روعـــات أكلــــف ملبـــــد

كـــأن جـنـــاحـــي مضـرحـــي تكنفـــا
حفافيــة شكـــا في العسيـــب بمســــرد

فـطـــوراً به خلـــف الزميـــل وتـــارةً
علــــى حشف كــالــشــن ذاوٍ مــجـــدد

لهـــا فـخــذان أكمـــل النحض فيهـمـــا
كأنهـمـــا بــــاب مــنــيــــف مــمــــرد

وطـــي مـحـــال كالحـنـــي خلـــوفـــه
وأجــــرنــــة لــــزت بـــدأي مـنـضــد

كأن كنـاســـي ضـــالـــةٍ يكــنـفـــانهـــا
وأطـر قســي تحت صــلـــب مـــويــــد

لــهــــا مــرفــقـــان أفـتـــلان كأنــهـــا
تـــمـــر بــســلــمــــي دالـــج متشـــدد

كقنطـرة الــرومــــي أقـــســـم ربــهـــا
لــتـكـتـنـفــــن حتــــى تشـــاد بـقـرمــد

صهابية العثنـــون مـــوجـــدة القـــرى
بعيـــدة وخــــد الرجــــل موارة اليــــد

أمـــرت يداهـــا فتــل شزر وأجنحـــت
لهــــا عضداهــــا فــــي سقيــف مسنـد

جنوح دفـاق عنـــدل ثمـــر أفـرعــــت
لها كتفـــاهـــا في معـــالــــي مصعــــد

كأن عــلـــوب النســـع في دأبـــاتــهـــا
مــــوارد مــن خـلـقــاء في ظهــر قردد

تـــلاقـــي وأحـيـــانـــاً تــبيـــن كأنهـــا
بنائـق غــر فـــــي قميــــص مـــقــــدد

وأتـــلـــع نــهـــاض إذا صعـــدت بـــه
كسكــــان بـوصــــي بدجلــــة تصعـــد

وجــمــجــمـــة مثــــل العـــلاة كأنمـــا
وعي الملتقي منها الى حــرف مبــــرد

وحد كـقـرطـــاس الشـــامـــي ومشفـــر
كسبــــت اليـــمـــانــي قده لــم يجــــرد

وعــيـنـــان كالمـــاويتيـــن آستــكـنتـــا
بكهفي حجاجـي صخــرة قلــت مـــورد

طــحـــوران غـــوار القــذي فتراهمـــا
كـمـكــحـــولتـــي مـــذعـورة أم فرقـــد

وصـادقتـــا سمع التوجـــس للــســـرى
لـهـجــــس خفــــي أو لصــــوت منــدد

مــؤللــتـــان تــعـــرف العتـــق فـيهـــا
كســـامـعـتـــي شـــاة بحـــومــل مفــرد

وأروع نــبــــاض أحــــذ مــلــمــلــــم
كمرداة صخــر فـــي صفيـــح مصمـــد

وأعلــم مخـــروت من الأنــف مـــارن
عتيــــق متـــى ترجم به الأرض تـزدد

وإن شئت لم ترقــل وإن شئــت أرقلـت
مخــافــة ملــوي مـــن القـــد محصــــد

وإن شئت سامــى واسط الكور رأسهــا
وعـــامــت بـضـبـعـيـهــا نجـاء الخفيدد

على مثلهـــا أمضى إذا قــال صاحبــي
ألا لـيـتـنـــي أفـديـــك منهـــا وأفتـــدي

وجـــاشت إليـــه النفس خوفـــاً وخالــة
مصاباً ولول أمســى على غير مرصــد

إذا القـوم قالــوا من فتـــى خلت أننـــي
عـنـيــت فـلــم أكــســل ولـــم أتـبـلــــد

أحلت عــلـيـهـــا بالـقـطيـــع فأجذمـــت
وقـــد خـــب آل الامـعــز المـتـــوقــــد

فذالــت كمـــا ذالـــت وليـــدة مجلـــس
تري ربهـــا أذيـــال سحــــــل ممـــــدد

ولســـت بحـــلال التـــلاع مـخــافـــــةً
ولكــــن متــــى يسترفـــد القــوم أرفــد

فإن تبغنـي فـــي حلقة القـــوم تلقنــــي
وإن تقتنصنـي فـي الحوانيـت تصطـــد

وإن يلتـــق الحـــي الجميـــع تلاقنــــي
إلــى ذروة البـيــت الرفيـــع المصمـــد

ندامـــاي بيـــض كالـنـجـــوم وقينــــة
تــروح عـلينــــا بيــن بردٍ ومــجــســـد

رحيب قطان الجيب منهــا رقـــيـــقـــة
بـحــبـــس النـــدامـــى بـضـة المتجـرد

إذا نحن قلنـــا أمسعينـــا آنبـــرت لنـــا
على رسلـهـــا مطروقـــة لـــم تــشـــدد

إذا رجعت في صوتهــا خلت صوتهـــا
تجــــاوب أظــــار علـــى ربــــع ردي

وما زال تشـرابـــي الخمـــور ولذتـــي
وبيعي وإنفاقـي طريــفــــي ومتلــــدي

إلــى أن تحـــامتنـــى العشيـــرة كلهـــا
وأفردت إفراد الــبــعـيـــر الــمــعــبـــد

رأيـت بنــي غبـــراء لا ينكـــروننـــي
ولا أهل هـذاك الطـــراف الــمــمــــدد

ألا أيـهذا اللائمـــي أحضـــر الوغـــى
وأن أشــهــد اللــذات هــل أنت مخلدي

فإن كنــت لا تستطيـــع دفـــع منيتــــي
فدعني أبادرهـــا بمــــا ملكـــت يـــدي

ولولا ثــلاث هـن مـن عيشــة الفتــــى
وجدك لـم أحفل متـــى قــــام عــــودي

فـمـنهـــن سـبـــق العـــاذلات بشربـــه
كميـــت متـــى مـــا تعــل بالمـاء تزبـد

وكـــري إذا نـــادى المضـــاف محنبــاً
كسيــــد الغضــــا نـبـهـتـــه المـتـــورد

وتقصير يوم الدجن والدجــن معجـــب
ببهكنــــةٍ تحـــت الـطـــراف المعمــــد

كأن الـبـــريـــن والــدمــــالـج علقـــت
على عشــر أو خـــروع لـــم يخضــــد

كريــــم يـــروي نفســـه في حيـــاتـــه
ستعلـــم إن متنــــا غــدا أينــا الصــدى

أرى قبـــر نحــــام بـخـيـــل بمـــالــــه
كقـبـــر غوي فــي البطـــالـــة مفســــد

ترى حثـوتيــن من تــراب عـلـيـهـمـــا
صـــافـئــح صــم مــن صــفـيـح منضد

أرى المـــوت يعتـــام الكرام ويصطفي
عقيلـــة مـــــال الفــــاحـــش المتشـــدد

أرى العيــش كنزاً نــاقصـــاً كل ليلـــةٍ
ومــــا تــنــقـــص الأيـــام والدهر ينفـد

لعـمـــرك إن المـــوت ما أخطأ الفتـــى
لكالطـــول المرخــــي وثنيــــاه باليــــد

يلـــوم ومـــا أدري عـــلام يــلومنـــي
كما لامنـي في الحـــي قرط بن معبــــد

فما لي أرانـي وابـن عمــي مـــالكـــــاً
متـــى أدن منـــه ينـــأ عنـــي ويبعــــد

وأيـــأسنـــي مـن كل خيـــرٍ طـلـبـتـــه
كأنا وضعنــاه علــــى رمــــس ملحــــد

على غيـــر ذنـب قلتـــه غيـــر أننـــي
نشــــدت فلــــم أغفــــل حمولـة معبـــد

وقربـــت بـالقـربـــى وجـــدك إنــنـــي
متــــى يـــك أمــــر للنكيثــــة أشـهــــد

وإن أدع للجـلــي أكــن من حمـــاتهـــا
وإن يأتــك الأعــــداءُ بالجهـــد أجهــــد

وإن يـقـذفـــوا بالقـذع عرضك أسقهــم
بكأس حيــاض المـــوت قبـــل التهـــدد

بــلا حــدث أحـــدثــتــه وكــمـحــــدث
هجــــائي وقذفــــي بالشكــاة ومطردي

فلولا كـان مــولاي امــرأ هــو غيـــره
لـفـــرج كربـــي أو لأنظرنــي غــــدي

ولكـــن مــولاي آمرؤ هــــو خـــانقــي
علـــى الشكـــر والتسآل أو أنــا مفتدي

وظلــم ذوي القربــى أشــد مضاضـــة
على المرء مــن وقع الحســـام المهنـــد

فذرنـــي وخــلــقـــي إننـــي لك شاكــر
ولو حـــل بينـــي نــائبـــاً عنـد ضرغد

فلو شــاء ربـــي كنــت قيس بن خالـــد
ولو شاء ربـي كنــت عمرو بن مرثــــد

فأصبحـــت ذا مـــالٍ كثيـــر وزارنــي
بــنـــــون كـــرام ســأـــادة لـمــســــود

أنا الرجــل الضـــرب الذي تعرفونـــه
خشـــاش كــرأس الحيـــة المتــوقــــــد

فآليــــت لا ينفــــك كشحـــي بطـــانــة
لعضــــب رقيــــق الشفرتيــــن مهنــــد

حــســـام إذا ما قمـــت منتصـــراً بـــه
كفى العــــود منه البـدء اليس بمعضـــد

أخــــي ثقـــة لا ينثنـــي عـن ضريبــةٍ
إذا قيـل مهلاً قـــال حـــاجـــزه قـــــدي

إذا ابتـدر القـــوم الســـلاح وجدتنــــي
منيعـــــاً إذا بــلـــت بقــــائمــه يــــدي

وبرك هجـــود قد أثـــارت مخـــافتـــي
بواديهـــا أمشــــي بعصــــبٍ مجـــــرد

فمـــرت كهـــاة ذات خيـــف جـــلالـــة
عقيلـــــة شيـــــخ كالوبيـــــل يــلــنــدد

يقول وقد تـــر الوظيـــف وســــاقهــــا
ألســــت تـــرى أن قد أتــيـــت بمـؤبــد

وقــال ألا مــــاذا تـــــرون بشـــــارب
شديــــد عـــلينـــا بغيـــة مــتــعــمـــــد

وقــال ذروه إنــمــــا نــفــعــهـــا لــــه
وإلا تــكــفــوا قــــاصــي البرك يــردد

فظـل الإمــــاء يمتللــــن حـــوارهـــــا
ويسعـى علينـــا بالسديــــف المسرهـــد

فإن مــت فــانــعــيــنـــي بمــا أنا أهلـه
وشقـــــي علــــى الجيـــب يا ابنة معبد

ولا تجعلـيـنـــي كامـــريء ليس همــه
كهمي ولا يغنـــي غنائـــي ومشهـــدي

بطيء عن الجلى سريــع إلـــى الخنـــا
ذلـــول بأجمـــــاع الرجـــــال ملهـــــد

فلو كنـت وغلاً في الرجــال لضرنـــي
عــــدواة ذي الأصــحــــاب والمتوحــد

ولكــن نفــى عنـــى الرجـال جراءتــي
عليهم وإقدامـي وصدقـــي ومحتــــدي

لــعــمــرك مـــا أمري عــلــى بغمـــةٍ
نهــــاري ولا ليلــــي علــــى بسرمـــد

ويوم حبست النفـس عــنــد عـــراكـــه
حفاظاً علـــــى عوراتــــــه والتهـــــدد

على موطن يخشى الفتـى عنـده الردى
متـــى تعتــــرك فيـــه الفرائض ترعـد

وأصفـر مضبـــوح نــظــرت حـــواره
على النــار واستودعتـــه كف مجمــــد

ســتــبــد لك الأيـــام مـــا كنت جاهـلاً
ويأتيــــــك بالأخبـــــار مـــن لم تـزود

ويأتيـك بالأخبــــار من لـــم تبـــع لـــه
بتاتاً ولم تضــرب لـــه وقـــت موعـــد


من معلقة طرفة :

1. يا لائمي على القتال والانغماس في اللذات، هل يمكنك ان تجعلني أعيش الى الأبد اذا أقلعت عن ذلك.
2. الموت لا بد منه، ولا معنى للبخل بالمال وترك الملذات وساحات القتال.
3. أقسم لك انه لولا ثلاث لذات لما أبديت اهتماما للموت.
4. واللذة الأولى هي شرب الخمرة باكرا قبل انتباه العاذلات.
5. واللذة الثانية هي أن أسرع الى نجدة الملتجئ الي، اذا ناداني، فاعطف عليه فرسا في يده انحناء، يعدو عدو ذئب يسكن بين الفضاء اذا نبهته وهو يريد الماء.
6. واللذة الثالثة هي أن أحادث امرأة جميلة – أقضي وقتا معها، في بيت مرتفع بالعمد، اذا أصبحت في يوم غائم لا يمكنني فيه الخروج.
7. اني جواد معطاء أسقي وأرويها من الخمر، وستعلم من منا يموت أشد عطشا، أي من يموت منا محروما من ملذات الدنيا.
8. لا فرق بعد الموت، بين قبر البخيل الحريص على ماله، وقبر الكريم الذي يجود به في سبيل ملاهيه.
9. ولا فرق بين قبريهما، فكل قبر يكون عبارة عن كومة من تراب عليها حجارة عراض مرصوفة بعضها فوق بعض.
10. الموت يعم الأجواد الكرماء والبخلاء دون استثناء.
11. العمر ينقص كل يوم، كما ينقص الكنز الذي ينفق منه.
12. أقسم بحياتك ان الموت في مدة مجاوزته الفتى، شبيه بحبل يطول لدابة ترى وهي مربوطة به – بالحبل- وطرفاه بيد صاحبه.( شبه الأجل بالحبل والفتى بالدابة التي تفلت من الحبل)13)ويشده الحبل الى الموت متى شاء – أي متى شاء حبل المنية، ومن كان مربوطا بحبل الموت، يساق اليه – أي الى الموت.
14. ان ظلم واعتداء القريب أشد من ضرب الحسام.
15. كل نفس ذائقة الموت، فان لم تمت في يومها – أي النفس – فستموت في غدها، فأجلها وان تأخر الى الغد، فهو قريب، لقرب اليوم من الغد.
16. أقسم لك ان حياة الانسان شبيهة بالعارة المستردة – أي ان الحياة قصيرة – ولذلك أصنع العمل الطيب ما استطعت.
17. قل لي من صديقك أقل لك من أنت.
18. تكشف لك الأيام عن أشياء كنت لا تعلم عنها شيئا، وينقل لك المعلومات انسان لم تكلفه ذلك.
19. ينقل لك المعلومات انسان لم تشتر له كساء المسافر، ولم تعين موعدا معه للبحث بشأن المعلومات، أي 'ينقل لك المعلومات انسان لم تطلبها منه'

جوانب تحليلية:

أ . الأفكار والمعاني:

عاش طرفة بن العبد حياة مضطربة، مليئة بالمتناقضات، فقد شب يتيما، وأساء أعمامه تربيته، فاندفع وراء أهوائه يبذر ماله ويعاشر النساء، وتنقل في البلاد تارة يغزو وطورا يأوي الى مغاور الجبال، حتى اذا ضاقت نفسه ونبذ من قبيلته استعلمت نفسه شعرا فيه السخط على الأقرباء وغيرهم، وخاصة على ابن عمه الذي ادعى انه استولى على جمال أخيه معبد وهو الذي استهان بالموت وعاش من أجل الملذات.
الأبيات التي نحن بصددها من معلقة طرفة، تتضمن أغراضا كثيرة عبر عنها الشاعر. وهذه الأبيات تبرز جانبا من فلسفته في الحياة، وقد تضمنت هذه الأبيات المختارة الأفكار التالية:
- حياة الانسان ليست خالدة: وكل نفس ذائقة الموت، لذا مال الى اشباع نفسه في حياته قبل موته، بإنفاق المال وخوض المعارك.
- لخص رغباته وميوله بثلاث ملذات، وان حققها فلا يخشى الموت ان داهمه. والملذات هي: شرب الخمر، اغاثة المستغيث، ومعاشرة النساء.
- فضل هذا الشاعر الكرم واشباع الجسد والنفس في الحياة على الحرص والبخل، وأعطى تشبيها واقعيا على ذلك، فقال ان قبر الكريم لا يختلف عن قبر البخيل.
- العمر ينقص كل يوم الى أن ينفذ، وأعطى تشبيها واقعيا على ذلك أيضا. فهو كالكنز الذي ينتهي طالما يؤخذ منه كل يوم، لذلك الأفضل أن يصنع المعروف مع الآخرين.
- ان ظلم الأقرباء أشد على النفس من ظلم الغرباء، وهو أشد من ضرب السيف.
- الصديق نسخة صحيحة عن صديقه 'قل من صديقك أقل لك من أنت'.
- الأيام تأتي الانسان بأخبار كانت مجهولة له.
- هنالك أناس يكلفون أنفسهم بنقل الأخبار الى الغير.
ب . طرفة بن العبد والموت
أدرك الانسان الجاهلي أن الموت حقيقة مسلم بها: والموت لدى طرفة بن العبد آت لا محالة، ولا يفرق بين غني وفقير وشجاع وجبان مسرف وبين مقتر بخيل. وعدم ايمان طرفة بالآخرة وبالبعث بعد الموت، جعله يميل الى استغلال قواه في سبيل اللذة الجسدية والنفسية، وطرفة يشبه الموت برسن، بحبل الدابة التي ترسل لترعى، ثم تجذب بالحبل متى شاء صاحبها أي 'ان الموت مدة أخطائه الفتى شبيه بحبل الدابة الذي مد لتنطلق تلك الدابة، ثم يشبه حصول الموت بانجذاب الدابة بواسطة حبلها الى صاحبها لأنه أرادها اليه. تمسّك طرفة بالحياة الدنيا ولم يعر الآخرة أي اهتمام لأنه لا يؤمن بها، فأسرف في الانفاق والملذات وتجاوز الحدود أخلاقيا واجتماعيا. واذا قارنّا طرفة الشاعر الجاهلي في حياته اليومية ازاء ايمانه بفكرة الموت مع سلوك الشاعر أبي العتاهية نجد التناقض بينها، فطرفة يدعو الى الملذات لأن الحياة قصيرة، ولا حياة بعدها، وكان الجاهليون لا يؤمنون بالبعث، ونجد أبا العتاهية يحث على تجنب الملذات في الدنيا – الحياة الدنيا – لأن الدنيا زائلة وعليه أن يحظى بالحياة الآخرة. يقول أبو العتاهية: 'حتى متى أنت في لهو وفي لعب والموت نحوك يهوي فاغرا فاه'
ج. الحكمة في القصيدة:
الحكمة عند طرفة تدل على صدق النظر وقوة الفراسة، والانسان يجهل حقائق تنقل اليه دونما تعب وعمر الانسان عبارة عن عاره مستردة وهي مؤقتة ولذلك فعلى الانسان أن يكثر من عمل الخير والمعروف، وللصداقة عنده أهمية عظمى لأنها تزرع ما عند الصديق في الصديق الآخر.

فلسفة طرفة بن العبد:

1. عوامل فلسفة طرفة بن العبد:
أ . انعدام ايمانه بالله وباليوم الآخر.
ب . تربيته السيئة: حياة الخمر واللهو ومعاشرة النساء.
2. نزعته في فلسفته: نزعة وثّابة الى العلى، تضطرب فلسفته بين الاباحية المادية والنزعة المثالية، ممزوجة بصبغة اليأس لسرعة زوال الحياة، لذلك أراد سرقة المتعة منها.
3. مذهبه في فلسفته: الموت لا بد منه، وهو لا يفرق بين فقير وغني، أو بين كريم وبخيل، وبين شجاع وجبان. أنظر الأبيات 1،2،12. ويتضمن مذهبه قسمين:
أ . قسم يتعلق بحياته الاجتماعية.
ب . وقسم يتعلق بحياته الذاتية.
أما بالنسبة لحياته الاجتماعية: فهو لقومه قبل أن يكون لنفسه في الحرب والسلم، وهو لكل من يحتاج اليه، انه يقيم على ذرى الأماكن العالية يعطي السائل والمحتاج. أما بالنسبة لحياته الذاتية:فهو ينظر الى نفسه وجسده: يحرص على كرامة النفس: فمن أماكن اللهو الى مجالس الشيوخ: يقول في أحد أبيات القصيدة: 'وان تبغني في حلقة القوم تلقني..' وهو يميل الى اعطاء الجسد متعته، 'أنظر البيت السابع' وهو يحب الحياة من أجل التمتع بها والاستزادة من لذاتها كشرب الخمرة والاستمتاع بالنساء. (أنظر البيت السادس).

قيمة فلسفته:

أ . فلسفته حية لا تخلو من رفعة.
ب . في فلسفته تناقض: حيث يجمع بين النزعات الشهوانية والمحافظة على نواميس عليا.
. ج. فلسفته أساسها واه لأنها تقوم على أيمان سماويّ.
د. فلسفته فاسدة ومفسدة لأنها لا تفهم الحياة على حسب نواحيها الثابتة التي لا تخضع لهوى منحرف.
شاعرية طرفة بن العبد:
أ . العقل والعاطفة وشاعرية طرفة:
1. كان تفكير طرفة واقعيا ماديا خالصا. خفيف التأمل.
2. عاطفته وشعوره يطغيان على عقله، وكان شعوره حادا شحذه الألم، وكان صادقا في شعوره.
ب . الخيال عند طرفة:
جمع طرفة بين حدة الذهن وحرارة العاطفة. وكان خياله قويا واقعيا ينزع نزعة مادية حسية، ويجنح الى القصد والاعتدال والصدق. وقد تجلى خياله في تشبيهاته، وقد اعتمد على التشبيه في التعبير عن أفكاره، وقد اشتق تشبيهه من بيئته، ومما رآه في تجواله، قال في البيت الثامن: 'قبر نحام: كقبر غوي'. وفي البيت التاسع نلاحظ تشبيها مضمنا في 'ترى جثوتين'، وفي البيت الحادي عشر يقول: 'أرى العيش كنزا' وهكذا.

الأسلوب:

تنتمي معلقة – قصيدة- طرفة الى فن الخواطر والحكم والآراء الشخصية في الموت والحياة. الوصف بارز في القصيدة. حيث تكثر فيها النعوت والألفاظ الحسية المستمدة من الواقع المادي، وقد استمد الشاعر من بيئته ما يثري المعاني والأفكار مثل: الزاجر، محنب، كرّ، سيد الغضا، الخباء المعمد، الصدي، جثوتين صفائح صم، حبل المنية، الحسام المهند، الموت.
الألفاظ التي جاءت في الحكمة بعيدة عن الصعوبة والخشونة، واستعمل صيغة المخاطب وصيغة المتكلم من اجل الحوار الداخلي-النفسي – وهذا يدل على أن الشاعر كان يعيش الأزمة من حين الى آخر. نلاحظ أن أسلوب الشاعر يتميز بالسرد والتقرير ولكن التقرير هو الأكثر انتشارا، ورأينا التصنيف والتفصيل في البيتين الثالث والرابع من القصيدة، تصور هذه القصيدة ناحية من أخلاق العرب الكريمة، كما تصور الناحية المادية والأخلاقية الجسدية عند فئة من عرب الجاهلية.

البندري
12-27-2005, 08:30 PM
القاسمي (باقة الغربية) الكتاب الثاني من سلسلة 'أبحاث ودراسات في اللغة العربية' - إعداد وتقديم رئيس المركز د. فاروق مواسي . ويقع الكتاب في مائتي صفحة من القطع الكبير .

يضم الكتاب بين دفتيه استهلالاً بقلم د. مواسي ، وكذلك عددًا من الدراسات اللغوية التي كتبها كتاب محليون ، ودارسون آخرون من العالم العربي .

يقول الدكتور مواسي في استهلاله :
' للغة أهمية كبرى في حياة الإنسان، إذ هي عالمه، وحدودها تشير إلى حدود عالمه، فهي ولاء الإنسان وانتماؤه الحقيقي من خلال ثقافته ، وباختصار فهي هوية وشخصية.

إن اللغة تصوغ كيان المجتمع ، وهو – بالمقابل - يصوغ ويطور لغته التي يسوقها ويسوّقها في ألفاظ ومعان ودلالات ، تعبر عن مستحدثات ومضامين ورؤى .
اللغة بوتقة للتفكير، ونظام للاتصالية ضمن منطلقات التعبير ، ولا يمكننا حصر ثقافة فئة بشرية دون اعتماد لغتها، وذلك في معجمها وقواعد لغتها – نحوًا وصرفًا – وفي فنية نصوصها وآدابها ، وصياغة مبانيها المباشرة كذلك . وبالتالي فإن قياس أية حضارة إنسانية يكون في سبر أبعاد نهضتها اللغوية ' .

ويضيف الكاتب :
' إن علم الحاسوب ونظام المعلومات يحتمان علينا وبصورة عاجلة أن نهتم بالمعالجة الآلية للغة العربية، ونعرّب نظم التشغيل ، وننتج لغات برمجة عربية، ونستعد للدخول الى عصر الترجمة الآلية عن طريق لغتنا – التي هي الوطن الحقيقي لنا .'

أما المقالات في تضاعيف الكتاب فهي : 'نظرات في قاموس عبد اللطيف البرغوثي' للدكتور حسيب شحادة ، و 'خطاب الواحد بخطاب الاثنين' بقلم د. فاروق مواسي ، وكتب د. فهد أبو خضرة 'قواعد اللغة العربية وتدريسها آراء وتوصيات' كما كتب محمود مرعي 'بحور المُزاوَج والسامري والمؤتلف دراسة عروضية' ، وهي مقالة استمرارية لكتابه الجديد 'العروض الزاخر واحتمالات الدوائر' .

وكتبت د. وداد نوفل مقالتها 'غربة اللغة العربية وسط أبنائها' ، وكتب نبيل شبيب 'رسالة مفتوحة إلى جهابذة اللغة العربية' ، وكتب محمد مصطفى 'الأخطاء الصحفية.. إلى من نوجه 'صوابع' الاتهام؟!'
أما حلمي خليل فقد تناول قضية هامة هي 'حول تجدد الدعوة إلى إحلال العامية محل الفصحى' وقدم د. أحمد جواد دراسة في علم اللغة هي 'المعنى أكثر الألفاظ غموضًا - سوسير: العلاقة بين الدال والمدلول' كما نشر الكتاب 'وقائع وتوصيات مؤتمر مجمع اللغة العربية بدمشق' حتى يتم التواصل بيننا وبين ما يجري في الساحة الثقافية العربية .

جدير بالذكر أن الكتاب الأول - من هذه السلسلة - صدر في السنة الماضية عن مركز اللغة العربية القطري ، وقد ضم كذلك عددًا آخر من الدراسات اللغوية الهامة التي تسهم – ولا ريب – في دفع لغتنا نحو مراقي الاعتزاز العقلاني بها ، ودراسة أصولها ومناهجها الحديثة والقديمة سواء بسواء .

يذكر أن طالبة من طلاب الكلية في باقة هي رقية إغبارية - شاركت في الكتاب في دراسة لها بعنوان 'اللغة العربية والتحديات التي تواجهها' ، وكانت هذه الدراسة قد فازت بالجائزة الفضلى - في مسابقة الدراسات التي يجريها المركز في الكلية .

شموع الامل
01-02-2006, 12:20 PM
بحث شيق اختي الخاشعه

مع ان لي تحفظا على ذلك العلماني طه حسين الا ان ادبه ثري ومميز

وهذا لا ينقص من جهدك بل بورك فيك اختي

ولك مني اطيب تحيه

أحلى متخرجة
07-06-2007, 03:21 AM
يعطيك العافية

وجزاك الله خير الجزاء