المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من دروس النحو للفرقة الثالثة : التعجب


د. محمود عمر
02-21-2008, 04:16 PM
التعجُّب
وهو – في اللغة – انفعال يحدث في النفْس عند الشعور بأمر خفي سببه .
وفي اصطلاح النحاة : استعظامُ زيادةٍ في وصْف الفاعل خفي سببها وخرج بها المُتَعَجَّبُ منه عن أمثاله ، أو قَلَّ نظيره فيها ، مع التعبير عن ذلك بكلام يسمى : أسلوب التعجب .
أساليبه
للتعجب أساليب سماعيّة وصيغ قياسيّة يعبر بها المتعجِّب عن دهشته وانفعاله .
فأما أساليب التعجب السماعية فهي الأساليب التي تُستَعْمَل – في الأصل - للتعبير عن معنى آخر غير معنى التعجب ، وتستعمل فيه مجازا ، وهي كثيرة ولا ضابط لها وتترك لقدرة المتكلم وبلاغته في التعبير ، وتُفهَم بالقرائن وملابسات الكلام ، ومنها :
أ‌-أدوات الاستفهام : ( كيف و ما وأيّ ) كما في نحو قوله تعالى :
-{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } !( سورة البقرة / 28 )
-{ الْحَاقَّةُ } { مَا الْحَاقَّةُ } { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ } ( سورة الحاقة / 1 – 3 )
-{ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } ( سورة المرسلات / 12)
ب - " سبحان الله " ! وكلمة ( سبحان ) – في الأصل – مصدر سُمي به ( التسبيح ) فهي عَلَمٌ عليه وتستعمل – في التراث وعلى ألسنة المتكلمين - للتعجب وإظهار الدهشة ومن ذلك ما ورد في الحديث : " سبحان الله ! إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا " .
جـ - لله دَرُّ فلان !
د – حسبكَ بفلان رَجُلا ! - حسبكَ فلانٌ رَجُلا ! - حسبكَ بفلان من رَجُلٍ !
وأما التعجب القياسيّ فله صيغتان :
الأولى : ما أَفْعَلَه ، نحو : { فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } ( سورة البقرة / 175)
الثانية : أَفْعِلْ بِه ، نحو : { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } ( سورة الكهف / 26)
{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } ( سورة مريم / 38 )
وفيما يأتي وصف الصيغتين ومُجْمَل ما قاله النحاة في تحليل كل منهما :
صيغة ( ما أَفْعَلَه )
و تتكون هذه الصيغة من العناصر الآتية :
ا- ما ب- أَفْعَلَ جـ - المتعجَّب منه ( رُمِزَ له بالهاء )
مثالها : ما أَجْمَلَ الزهرةَ !
ا – فأما ( ما ) فجمهور النحاة على أنها اسم ؛ لأن في [ أَفْعَلَ ] ضميرًا يعود عليها والضمير اسم فلا يعود إلا على الأسماء .
والأصح أن تعرب مبتدأ ، لأنها مجردة للإسناد إليها ، وخبرها ما بعدها ، أو محذوف – كما سيأتي – وعلى هذا نقول في إعرابها : مبتدأ مبني على السكون في محل الرفع .
واختلفوا في بيان نوع ( ما ) :
1-فقيل : هي نكرة تامة ، وصَحَّ الابتداء بها ( مع تنكيرها ) لتضمنها معنى التعجب .
2-وقيل : هي استفهامية ، دخلها معنى التعجب .
و ما بعدها خبرُها على القولين السابقين .
3-وقيل : هي معرفة ناقصة [ أي : اسم موصول بمعنى : الذي ] ، وما بعدها لا محل له من الإعراب صلة لها .
4-وقيل : هي نكرة ناقصة ، وما بعدها في محل الرفع صفة لها ، ( و وصْفها هو مسوغ الابتداء بها على هذا الرأي )
وخبرها محذوف على القولين الأخيرين ، تقديره : عظيم .
ب – وأما ( أَفْعَلَ ) وهو وزن الكلمة الواقعة بعد ( ما ) فللنحاة فيه رأيان :
الأول : يرى بعضهم أنه فِعْل ماضٍ جامد ، والفتحة في آخره علامة بناء ، ولا محل له من الإعراب ، وفاعله ضمير مستتر يعود على [ ما ] ، تقديره [ هو ] بلزوم الإفراد والتذكير . والدليل على أنه فِعْل :
1.أنه ينصب المفعول به الصريح ( وهو المتعجب منه )
2.أن نون الوقاية تلزمه مع ياء المتكلم كما في نحو : ما أفقرني إلى عفو الله !
الثاني : ويرى آخرون أنه اسم ؛ والدليل على اسميته :
1.جموده .
2.تصغيره كما في نحو : ( ما أُحَيْسِنَه ! وما أُمَيْلِحَه ! )
3.صحة عينه في نحو قولهم : ما أَطْوَلَه !
والفتحةُ في آخره – على هذا الرأي – علامة إعراب ؛ فنقول في إعرابه :
خبر [ ما ] منصوب وعلامة نصبه الفتحة .
وناصبه عامل معنوي يسمى " الخِلاف " ؛ لأن الخبر في هذه الصيغة بخلاف المبتدأ ، فهو – في الحقيقة – وصف لغير المبتدأ وليس بمعناه ولا مشبها به ، وإذا كان الخبر بخلاف المبتدأ وجب نصبه في رأي بعض النحاة .
جـ - وأما ( الهاء ) [ أي : المتعجب منه في هذه الصيغة ] ، فهو اسم أو مصدر مؤول منصوب :
1-إما على أنه مفعول به ، وذلك إذا عُدَّ [ أَفْعَلَ ] فعلا .
2- وإما على أنه مشبه بالمفعول به ، وذلك إذا عد [ أَفْعَلَ ] اسما .
( سؤال للتطبيق : هاتي مثالا للتعجب على صيغة : ( ما أَفْعَلَه ) وأعربيه بكل وجه ممكن )
صيغة ( أَفْعِلْ به )
وتتكون هذه الصيغة من العناصر الآتية :
ا- أَفْعِلْ ب- الباء جـ - ما دخلت عليه الباء
و هاك عرضاً موجزًا لما قاله النحاة في هذه العناصر
أ- أَفْعِلْ
1- قيل : هي اسم لأن ضمائر الرفع لا تلحقها .
2-وقيل : فعِْلٌ ؛ لمجيئها على صيغة خاصة بالأفعال ، ثم اختُلِف :
أ – فقيل : الفعل ماضٍ خبريٌّ في معناه ، أمْر في لفظه للمبالغة ؛ وعلى هذا فأصله ماضٍ بوزن [ أَفْعَلَ كذا ] بمعنى : صار ذا شيء ، فالهمزة فيه للصيرورة [ كما في نحو : أَوْرَقَت الأشجار ؛ أي صارت ذات أوراق ، وأَثْمَرَ البستان ؛ أي : صار ذا ثمر ] ثم غُيِّرَتْ صورته إلى صيغة الأمر : [ أَفْعِلْ ] للمبالغة ، فقبُح إسنادها إلى الفاعل الظاهر ؛ لأن الأمر الحقيقي بهذه الصيغة يستتر فاعله وجوبا ولا يظهر، لذا لزم زيادة الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول المجرور بباء التعدية مع الفعل اللازم في نحو : امرُرْ بزيدٍ ، ولا ضمير مستترًا في [ أَفْعِلْ ] .
وإذا طبقنا هذا على نحو قولنا : أَجْمِلْ بالربيع ! قلنا :
- الأصل هو : أَجْمَلَ الربيعُ ؛ فِعْلٌ ماضٍ وفاعله المرفوع ، والمعنى : صار ذا جمال .
- ثم حُوِّلت صيغة الفعل الماضي [ أَجْمَلَ ] إلى صورة الأمر [ أَجْمِلْ ] للمبالغة .
- ثم زيدت الباء في الفاعل فصار المثال : أَجْمِلْ بالربيعِ ! فالفاعل مجرور لفظا بهذه الباء ومحله الرفع .
وزيادة الباء – على هذا التصور – زيادة لازمة ؛ لا يجوز حذفها في رأي جمهور النحاة ، بخلافها في فاعل الفعل [ كفى ] ؛ فإن زيادتها فيه غير لازمة ؛ لذا تُزاد وتُترَك :
-فزيدت في نحو قوله تعالى : { وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا } ( سورة النساء / 79 )
-وتركت في نحو قول الشاعر : كفى الشيْبُ والإسلام للمرء ناهيا
وقيل : يجوز حذف الباء مع [ أنْ و أنَّ ] المصْدَرِيَّتَيْن ، ومن ذلك :
- قول الشاعر : وقال نبيُّ المسلمين تقدَّموا وأَحْبِبْ إلينا أنْ يـكونَ المُقَدَّمـا
- قول الآخر : تردَّدَ فيه ضوؤها وشعاعها فأَحْسِنْ وأَزْيِنْ لامرئ أنْ تَسَرْبَلا
- وقال أحد المُوَلَّدين : أَهْوِنْ عليَّ إذا امتلأتُ من الكرى
أّني أَبِيتُ بليـلة الملسـوع ِ
ب - وقيل : أَفْعِلْ : فِعْلُ أمر حقيقي [ لفظا ومعنى ] وفاعله ضمير مستتر يعود على أحد أمرين :
1.مصدر الفعل المذكور في المثال ؛ والتقدير في نحو : أَجْمِلْ بالربيع ! : يا جمالاً أَجْمِلْ بالربيع ! بمعنى : الزمْه ودُمْ به [ فالفاعل ضمير مستتر تقديره : أنتَ ، يعود على المصدر : جَمال .
ويلزم إفراد ضمير الفاعل – في هذا الوجه - لأنه عائد على مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع ، فكذا الضمير الذي يعود عليه .
2.المخاطَب بأسلوب التعجب لاستدعاء التعجب منه ، والمعنى : يا مخاطبُ أَجْمِلْ بالربيع ! أي : تعجبْ من جمال الربيع ، أو : احكُم بجماله ، والفاعل ضمير مستتر تقديره [ أنتَ ] أيضا .
ويلزم إفراد هذا الضمير وتذكيره – في هذا الوجه - ولو تغيَّر المخاطبون بأسلوب التعجب نوعا وعددا ؛ لأن هذا الأسلوب جرى مجرى الأمثال فلا يغير فيخاطب به المفرد وغيره ، المذكر وغيره ، بصيغة واحدة .
ب و جـ - الباء وما دخلت عليه
1- الباء حرف جر زائد – على تصور أن ( أَفْعِلْ ) فعل أمر لفظا ، ماض معنى وما بعدها فاعل مرفوع محلا مجرور لفظا .
2-أو الباء حرف جر أصلي ، ومحل الجار والمجرور النصب مفعولا به ، وذلك على تصور أن [ أَفْعِلْ ] أمر في اللفظ والمعنى .
حذف المُتَعَجَّب منه
يجوز حذف المتعجب منه بشرط عام في صيغتي التعجب ؛ وهو وجود الدليل عليه – إذا حذف – بحيث يمكن تقديره دون غموض أو لَبْس في المعنى .
ثم يشترط لحذفه في صيغة [ ما أَفْعَلَه ] : أن يكون ضميرا ، كما في نحو :
جزى الله عني والجزاء بفضله ربيعةَ خيرا ، ما أعفَّ وأكْرَما
التقدير : ما أعفَّها وأكرَمَها !
ويشترط لحذفه في صيغة [ أَفْعِلْ به ] – مع الشرط العام السابق – أن تُعطَف هذه الصيغة على مثلها مذكور معها مثل المحذوف ، كما في قوله تعالى :
{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } ( سورة مريم / 38 ) أي : وأبصر بهم .
وما يحذف دون تحقق شرطه فحذفه شاذ ، كما في قول الشاعر :
فذلك إنْ يَلْقَ المنِيَّةَ يَلْقَها حميدا ، وإن يَسْتَغْنِ يوما فأجْدِرِ
التقدير : فأجدر به ! فحذف المتعجب منه وحرف الجر دون أن يعطف [ أَفْعِلْ ] على آخر مثله مذكور معه مثل المحذوف .
الترتيب بين عناصر صيغتي التعجب
- الأصل أن تأتي عناصر الصيغتين على الترتيب السابق عرضه في كل منهما .
- وقال النحاة : فِعْلا الصيغتين جامدان [ وذلك باعتبارهما فعلين ] ، ثم رتَّبوا على جمودهما أحكاما نحوية ، منها :
ا- لا يجوز أن يتقدم المعمول على الفعلين ، ولا على [ ما ] في صيغة [ ما أَفْعَلَه ] فلا
يجوز أن نقول : ما الصدقَ أَحْسَنَ ! – بالصدقِ أَحْسِنْ ! – الصدقَ ما أَحْسَنَ !
ب - لا يجوز الفصل بين [ ما ] و [ أَفْعَلَ ] بغير [ كان ] الزائدة ، نحو :
- ما كان أَجْمَلَ الصدْقَ ! – ما كان أَقْبَحَ الكذبَ !
تنبيه : [ كان ] الزائدة هي التي لا عمل لها في اسم ولا خبر ، وتُزاد لتقوية المعنى بين متلازميْن نحويا ؛ كالمبتدأ وخبره ، والفعل و مرفوعه ، و [ ما ] و [ أَفْعَلَ ] و تكون بلفظ الماضي غالبا .
جـ - ويجوز الفصل بين فعل التعجب و معموله بالظرف والجار و مجروره إذا تعلق أيٌّ منهما بالفعل ؛ وذلك للتوسُّع فيهما ولكثرة وروده ، ومنه :
- قول عمرو بن معد يكرب : " لله دَرُّ بني سُلَيْم ! ما أَحْسَنَ – في الهَيْجاءِ – لقاءَها ! وأَكْرَمَ - في اللزَبات - عطاءَها ! وأَثْبَتَ - في المَكْرُمات - بقاءَها ! "
- قول العرب : " ما أَحْسَنَ – بالرجُل – أنْ يَصْدُقَ ! وما أَقْبَحَ – به – أنْ يكذب ! "
- قول الشاعر : خليلَيَّ ما أَحْرى – بذي اللُّب – أنْ يُرَى
صَبورا ، ولكنْ لا سبيل إلى الصبر
- قول الآخر : أُقيمُ بدار الحَزْم ما دام حَزْمُها وأَحْــرِ – إذا حالت – بأنْ أَتَحَـوَّلا
- قول الآخر : وقـال نبيُّ المسلمين تقـدَّموا وأَحْبِبْ – إلينا – أن يكـون المُقَدَّمـا
د – لا يجوز الفصل بين فعل التعجب و معموله بالظرف أو الجار ومجروره إذا تعلق أيٌّ منهما بغير الفعل ( كتعلقهما بمعمول الفعل ) في نحو : ما أَحْسَنَ أمْراً بمعروف ! ونحو : أَحْسِنْ بجالسٍ عندك ! فلا يجوز أن نقول : ما أَحْسَنَ – بمعروف - أمْراً ! ولا : أَحْسِنْ - عندك - بجالسٍ ! لأن كلا من الظرف والجار ومجروره تعلقا بمعمول الفعل ، ولم يتعلقا بالفعل نفسه .
هـ - أجاز بعض النحاة ذلك الفصل بالنداء و [ لولا ] الامتناعية ، نحو :
ما أَكْرَمَ – يا خالدُ – زيداً !
أكرم – يا خالدُ - بزيدٍ !
ما أَحْسَنَ – لولا بُخْلُه – زيداً !
أَكْرِمْ – لولا جُبْنُه – بزيدٍ !
تم درس التعجب ، وأسأل الله أن يجعله من العلم النافع .